رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 19 شوال 1424هـ - 13 ديسمبر 2003
العدد 1606

قراءة

البريكان·· بين ثيمة الموت والخلود

 

عبدالرزاق سعود المانع

 

لو أن لي يدين عبدتين

للغش والخداعْ

فقد تقران على قيدهما الصديء

لكنني بريء

قال لي وفي صوته رقة متناهية، وبقية ابتسامة ترف على شفتيه لحديث سابق، أخذت تختفي وتتلاشى بين أصابعه التي، كعادته، يغطي بها شفتيه، حين يضحك، أو حين يهم بمعالجة فكرة مهمة في تعبير شديد الحساسية والدقة·· قال لي وكأنه يحدث نفسه: هل تنتهي حياة المبدع بعد موته "الفسلجي"؟! قلت: طبعا لا·· فالمتنبي وابن رشد والـ··· قاطعني بلطف: أدرك غرضك، إذن، لماذا يرعبنا هذا الموت؟ قلت: لا أمتلك لهذا جوابا· واكتسب صوته عمقاً وتضخم كأنه يتحدث داخل إناء فخاري، وكست سحنته سحابة من الحيرة والحزن قال: ولا أنا··

كان هذا الحوار في أوائل السبعينات، والراحل يتمتع بحيوية ونشاط، وبعد أربعة عقود من ذلك الحوار رحل الرجل، فهل ولد محمود البريكان من جديد؟! باعتقادي المؤكد أنه بدأ مسيرة أخرى، أو لنقل أن مسيرة أخرى من الإبداع لابد أن تبدأ بعد موته متواصلة مع مسيرته وفق رؤيته للحياة والموت الخاصة بالمبدعين وكبار الكتاب والمفكرين·

كان محمود البريكان بيننا ينبوع ماء صافيا وعذبا، وكنا نغترف من دفقاته وننعم بما تلقيه شجرته المعطاءة من روائع الثمر، تعم زواره ومريديه، ولكنه احتفظ بأكثر ثماره اليانعة وأكثرها نضجا "كما أكد هو ذلك" وأخفاها عنا ومن أجلنا، لكي يستمر عطاؤه اليانع بعد رحيله وعبر حياته المتجددة حتى إذا كانت الليلة، تلك الليلة حالكة السواد، تلك التي تراجع فيها القمر بعيدا خلف التلال ورمال الصحراء، وخبت نجومها في هلع وأسى، وشحب فيها وجه الحقيقة فزِعا، حيث عبثت أصابع شيطانية شوهاء بملكة الليل، واقتلعتها في همجية وقسوة، وقد كانت تملأ الدنيا بعطرها الروحاني وأناشيدها السماوية، وعبثا توهِمُنا بنية السرقة، شلت هذه الأصابع وقطعت·

سألت الراحل مرة، وكانت لي معه رحلة طويلة تمتد الى عشرات من السنين في معرض حوار أجريته معه في الستينات ونشرته في مجلة "البيان" الكويتية، عن رأيه في مسألة النشر وعزوفه عن عرض قصائده في الأسواق والمؤتمرات وعدم المشاركة في أكثرها فكان الجواب يعبر عن فلسفة الراحل ورأيه في هذا الأمر الذي هو الشغل الشاغل لمعظم الكتاب وهاجسهم الدائم، يوضح بعمق نظرته لطبيعة أعماله الأدبية واحترامه لها، ونظرته للخلود وإعداده لحياته الجديدة الممتدة في أعماله الإبداعية التي ضن بها على الأسواق عبر العرض والطلب، قال:

(ليس هناك قانون واحد للأدباء، لأن الأدباء يختلفون طاقة وهدفا، فمن الأدباء من يناسبهم ويكفيهم النشر في الصحف والمجلات والإذاعات، إنهم يطفون فوق الأحداث اليومية ويخاطبون الذوق السائد ويطلبون شهرة لا تدوم ونجاحا شخصيا خادعا·· ومن الأدباء من يتطلعون إلى مستويات خاصة ويطمحون إلى إنجازات حقيقية باقية وإلى تحقيق أعمال فنية كبيرة، إنهم يتمسكون بأصالتهم أمام مختلف المؤثرات فمن الطبيعي أن لا ينخرطوا في أي جوقة، إنهم مشغولون بالحياة والإبداع·· إنني لا أثق بمقتضيات العرض والطلب في الحركة الأدبية) 1·

قليلون أولئك الذين يعرفون البريكان، رحمه الله، معرفة جيدة، وأقل منهم أولئك الذين يفهمونه بذات العمق وصدق المعاناة، ولماذا اختط الراحل لنفسه هذا النهج في الحياة؟ ووضع لنفسه أسلوبا مدروسا ومتفردا في معاشرته للناس وفي مفهومه للنشر وفي عرض أدبه في الصحف والمؤتمرات··، يتواءم مع رؤيته الخاصة للحياة والوجود وللقصيدة الشعرية، مما استغلق على الكثيرين فهمه، فقالوا عن الفقيد - إنه انعزالي، هجر الحياة والناس، وانعزل مع شعره في صومعته وأغلقها عليه - هل يكون انعزاليا من كان يقول: "على المرء أن يكون حيا ملء الحياة"؟! لقد كان وراء سلوكه العقلاني ذلك مبرر موضوعي، أساسه سعيه المتواصل والحثيث لإدراك كنه الحياة والأفول ثم الموت، وكان ذلك السعي المجهد يفرض عليه الانفراد بذاته وكتبه وأشعاره، وإذا كان لابد من تحديد التسمية فلنقل إنه كان معتزلا، جاء اعتزاله وليس انعزاليته، منسجما ومتوافقا مع موقفه الفكري الفلسفي، فالمفكر يحتاج إلى التأمل والمتأمل في حاجة مستمرة للخلوة مع نفسه وأفكاره وإفراغها في قصائده التي تفردت عن كل ما نقرأ من قصائد، ندرك ذلك مما تطلعنا عليه قصائده التي نشرت وهي القليل وكلها تكشف عما يؤرقه منذ البداية عن سر الوجود، عبر عنها بصدق وإمكانية طاغية على الخلق والإبداع، ذلك أنه حين تحدث عن بداية الشاعر الحقيقية حددها بقوله: "البداية الحقيقية للشاعر هي التي يتطور فيها أسلوبه الخاص وموقفه من الوجود"·

كان البريكان مبدعا ومثقفا موسوعي الثقافة، وظّف إمكاناته الإبداعية وثقافته الواسعة لمعالجة قضايا فكرية فأثار أسئلة وجدلا وطرح أفكارا كلها تتمحور حول الحياة والموت بلغة بليغة وفريدة فيها من الأصالة والقوة، وفيها من الغموض الشفيف والإيحاءات المتمردة، بقدر ما تفرضه عملية الخلق الإبداعي، ولنقرأ سوية·· قصيدته "لحاء":

يبتدي

أخضرا ناعما وطريا

يلامس في الجذع نبض الحياة

ثم يكبر شيئا فشيئا

وشيئا فشيئا

تجف نعومته

وتفيض الطراوة فيه

فيدفعه الجذع عن نبض أنساغه

ويشققه الظمأ المرُّ والريح

حتى يصير ثقيلاً

ومنتبذاً··

هكذا إذ يطوّحه الدود

تحمله العربات·

إن ثيمة الموت، وقبله، الأفول أو الإقصاء هي ما تتحدث القصيدة عنه في ذلك الغصن الأخضر الطري الذي يتحول إلى عود يابس تنخره الديدان وينتهي أمره في عربة الزبالة، ومثل هذا في كل الكائنات الحية، بل وفي الجمادات أيضا، في قصيدة "السفينة" التي كانت تمخر البحار وتجوب المياه، تشد في آخر مطافها في حبال إلى الرصيف في "كورنيش" شط العرب بعد أن تآكل حديدها، لتصبح مطعما عائما، وتعلوها الطيور الورقية وتتلاعب بها الأمواج قرب الرصيف، وقصيدة "الجواد القديم" ومن ثم في الإنسان أهم الكائنات الحية، وفي قصيدته "الملوك" يقول:

تركوا للخدم ثياب نومهم وأحذيتهم المنزلية

وطرحوا تيجانهم للمتنافسين على الملك

وخلّفوا ثرواتهم لورثة عاطلين

أما لحوم أجسامهم

فهي حصة دود الأرض

و(حارس الفنار) الذي مثل في قصيدة "بنفس العنوان" شاهدا لعصره، يستشرف المستقبل، وهنا يختلط الأمر علينا، هل هو حارس الفنار أم هو الراحل العزيز، وقد تكرر هذا الاستشراف في قصائد عدة للفقيد:

إن الرؤى تمت وإن الأفق يوشك أن يدور

أنا بانتظار اللحظة العظمى

سينغلق المدار

سينغلق المدار

والساعة السوداء سوف تشل تجمد في الجدار

أنا بانتظار

أما لغة البريكان الشعرية فمفرادته التي تمردت على جذورها الولادية، وانداحت مفعمة بالحياة والأبعاد والترميز، وأطلت من نافذة قصائده، تتحدث ببريق متعدد الاتجاهات، وحلقت أو هبطت كما أراد لها المبدع أن توحي وتقول، فهي "لغة تجارب لا تحفل بالصنعة الظاهرة كثيرا، إنها لغة تخلو من الحشو والاستطراد والتفكك والاضطراب وهي في الوقت نفسه متناسقة الدلالات والإشارات" فالمفردة قبل أن يتعامل معها البريكان، تحمل معناها القاموسي المحدود، ولكنها بعدما يوظفها في شعره فإنه يمنحها معنى وبعدا جديدين، وتكبر المفردات في شعره في مساحات، دون أن تترهل، وتنتشر في حلقة تتسع أو تضيق، وأحيانا لا نجد لها مرادفا في الكلمات، إلا ما تدركه أرواحنا من إيحاءاتها وإيقاعاتها الجديدة، وإلا فكيف نفسر هذا في مفردته "الصميم" التي تعني "المحض" وتعني "خالص الشيء" وتعني فيما تعني "العظم الذي به قوام العضو" "وشدة الشيء" وغير ذلك (كما ورد في القاموس)، غير أن البريكان حين يقول في قصيدته "عن الحرية":

جئتم بوجه آخر جديد

لي، متقن حسب المقاييس المثالية

شكرا لكم، لا أشتهي عينا زجاجية

فماً من المطاط

لا أبتغي إزالة الفرق ولا أريد، سعادة التماثل الكامل

أليس عبدا في الصميم سيدُ العبيد؟!

ألا تعني "في الصميم" هنا معانيها القاموسية، كلها أو أكثرها، مع إضافة معنى وبعد جديدين منحتهما شاعرية البريكان لهذه المفردة، أفهمه روحيا، وأنفعل معه دون أن أستطيع تحديد ذلك المعنى أو ذلك البعد؟! ولعلكم مثلي، ومن قصيدة "حارس الفنار":

يا طالما أسريت عبر الليل أحفر في القرار

طبقات ذاك الموت، أبتعث الدفائن في السكون

أستنطق الموتى، أرى ما كان ثم وما يكون

وأشم رائحة السكون الكامل الأقصى

فهل للسكون رائحة؟! أجل أنه سكون لم نكن نعرفه قبلا، و"الرائحة" هنا غير تلك المفردة "القاموسية" وحسب، فقد اكتسبت من الراحل المبدع هنا دلالتها الرمزية، فإن حارس الفنار أو هو الراحل ذاته، بحاسة الشم الحادة لديه قد أدرك "السكون الكامل الأقصى"، إنه "الموت" إذن·

ثم يأتي المعادل الثاني لرؤية البريكان الخاصة، وهو "الخلود"، حيث يقول:

"المبدعون يتخطون أنفسهم، وهؤلاء يحيون وتحيا معهم أشكالهم" فهو إذ يحدد موقفه من قضية الأفول والموت التي تسحق الجميع، يسجل حالة خاصة بالمبدعين الكبار وهي "الخلود" تلك التي كان الراحل يعد لها أعماله الإبداعية، لكي تكون شاهدة على قبره وبين قرائه بعد رحيله، يعيش بها بينهم حيا متجددا، بعد أن تجاوز ذاته وواقعه الراهن وخاطب الآني الممتد في عمق الأجيال عبر شعره، مع تقادم السنين والدهور، مصداقا لما كان يقال: "على المبدع أن يتخطّى ما هو راهن وأن يغامر على المستقبل"·

رحم الله محمود البريكان، وهل يحتاج محمود أن أضيف إلى اسمه صفة "المبدع، الشاعر الكبير، المثقف، المفكر"··؟ لقد كانت كل هذه الصفات والأوسمة وغيرها، حملها بجدارة وأصالة وأدركها كل من عرفه عن كثب، وعاشره عن قرب خلال حياته الإبداعية الثرية، إن اسم محمود البريكان المجرد غني عن كل وصف وهو وحده يغني عن أي تعريف، فمن قال إنه "الشاعر الكبير" قلت: وإنه، أيضا، "المثقف الموسوعي"، ذلك أنه حيث يتحدث إليك عن الفن التشكيلي فإنك تقف مشدوها أمام إحاطته بهذا اللون من الفنون، أو بالموسيقى العالمية ورموزها العالميين، أو السينما أو التاريخ أو أديان شرق آسيا·· مثقف موسوعي الثقافة واسع الاطلاع، مع عميق معرفته بالتراث أدبا وعلما·· ومع أنه تخرج من كلية الحقوق - كما كانت تسمى في حينها - إلا أنه أديب وشاعر بالأساس طور إمكاناته ذاتيا في اللغة الإنجليزية وقرأ بها آداب وتاريخ وأديان أقوام آخرين، وحمل التراث العربي في قلبه باعتزاز وأدرك "عبقرية اللغة" كما عبر عن ذلك·

والآن سيتوقف كل صوت وليكن خاتمة حديثنا، صوت الراحل الكريم في قصيدته "الصوت":

صوت لا يشبهه صوت

يأتي من أقصى البرية

صوت كنداء إله هالك

يطلق لعنته

كتحشُرج وحشٍ مقتول

كتناوح ريح

ليست من هذا العالم

صوت يطعن قلب الليل

في البدء

ما كان أحدً

يسمعه

ثم اعتادوا

أن يمرق في أفق مدينتهم

لا يلتفت إليه أحد

لا يتساءل عنه أحد

فلماذا وحدك

يا هذا الشاعر

تسهر ليلياً

تنتظر الصوت الغامض؟

ولماذا···

لا يمكن دفع الفكرة:

أن هناك شدائد قادمة

وكوارث ستقع···؟

طباعة  

قضية
 
شعر
 
وتــد
 
المرصد الثقافي