
كتب المحرر الثقافي:
تقول سعاد قوادري زوجة الروائي عبدالرحمن منيف إنه قال لها منذ سنوات بعيدة عندما قررا الزواج أن جواز سفره يمكن أن يسحب في أي لحظة وأن إقامته في دمشق قد تنتهي تحت أي ظرف كما أنه قد يواجه صعوبات مادية، متوقعا في منفاه المتنقل كل تلك الأزمات·
وبالفعل صدقت توقعاته في سحب جوازه السعودي وفي انتقال محل إقامته وفي الصعوبات المعيشية التي واجهته خصوصا بعد تفرغه للكتابة·
وكان الروائي عبدالرحمن منيف الذي ووري الثرى يوم الثلاثاء الماضي في دمشق قد بدأ الكتابة الروائية متأخرا عام 1973 في روايته “الأشجار واغتيال مرزوق” وكان في الأربعين من عمره، بعد أن قضى سنوات طويلة باحتراف العمل السياسي، كعضو وقيادي في حزب “البعث”، وكان بدأ عضويته في “البعث” في وقت مبكر أثناء مراحل دراسته في عمّان، ثم انتقل الى بغداد كعضو فاعل شارك في التظاهرات التي تصاعدت بسبب حلف بغداد (52-1955) إلى أن قامت السلطات بترحيله مع مجموعات من الشباب العرب الى القاهرة·
ومنيف مولود في العاصمة الأردنية عام 1933 من أب سعودي نجدي (من منطقة القصيم) وأم عراقية، وكان أباه يعمل في التجارة المتنقلة بين نجد وبلام الشام في قوافل بدوية الى أن استقر في الأردن، وتوفي فيها بعد ولادة عبدالرحمن بثلاث سنوات·
ودرس عبدالرحمن في بيت الكتّاب في عمّان في بادئ الأمر، ثم التحق بالمدرسة العبدلية الحكومية، وفي عام 1952 أنهى دراسته الثانوية والتحق بكلية الحقوق في جامعة بغداد، وواصل دراسته الجامعية في القاهرة (بعد طرده من بغداد)، وفي 1958 توجه الى بلغراد (يوغسلافيا) وحصل على شهادة الدكتوراه في اقتصاديات النفط والأسعار والأسواق، ثم عمل في الشركة السورية للنفط لفترة، وانتقل عام 1972 الى لبنان ليعمل في مجلة “البلاغ” وفي 1975 تولى تحرير مجلة “النفط والتنمية” في بغداد الى عام 1981، حيث يغادر الى باريس ويتفرغ للكتابة·
وكانت دمشق آخر محطاته في المنفى والترحال حيث أقام فيها منذ عام 1986 الى يوم وفاته (السبت 24/1/2004)·
رواية التاريخ
أهم ما يميز أدب عبدالرحمن منيف تلك القدرة على قراءة التاريخ بعين المتفحص والمتأمل والمستقرئ وتوظيفها في الشكل الروائي، وهو ما أبعده عن إعادة كتابة التاريخ بصور تقليدية رتيبة، كبعض التجارب الروائية العربية المستخدمة التاريخ كمادة روائية دون إضافة، إلا أن دخول عبدالرحمن منيف عالم الكتابة الروائية قادما - مثل مواطنيه الروائيين الأردنيين غالب هلسا ومؤنس الرزاز - من السياسة وأيديولوجيتها القاطعة وبما تحمله من آراء وتصنيفات تتصف دوما بالحدة دفعه الى حمل القضايا الكبرى أو تحميل فنه الروائي ثقلا لا تطيقه الكتابة الحرة المتخلصة من أي هدف قد يقيد حركتها·
وتعود قيمة أعمال منيف الروائية (خصوصا خماسيته “مدن الملح”) الى كشفه عن المنطقة البكر التي اختارها محورا لتدور منها وحولها أحداث روايته، إذ كانت الجزيرة العربية هي تلك الساحة الخصبة، وبدايات اكتشاف النفط كان زمانها، وكانت صحراؤها وأدواتها وإنسانها البسيط وقضاياه هي محرك الحدث، أو هو كما يقول الناقد شاكر النابلسي “أول طائر روائي ينقر عذرية الصحراء في الجزيرة العربية!”·
تاريخ السيرة
ولمنيف كتابات أخرى في الموسيقى والتشكيل والفنون يعتبرها - كما يقول - استراحة محارب يعود بعدها الى الرواية، ومنذ “الأشجار·· واغتيال مرزوق” روايته الأولى (1973) التي فاجأت أيام صدورها الوسط الثقافي العربي باكتمال جوانبها الفنية ونضوجها بخلاف ما يظهر في الأعمال الأولى عموما، والتي وصفت مرة بأن كاتبها لا بد وأن مزق مئات المسودات للوصول الى مثل هذا الخلْق الروائي المكتمل·
واصل بعدها منيف إصدارات روايته مثل “قصة حب مجوسية” (عام 1974) والتي يحضِّر بعض الفنانين اللبنانيين لمسرحتها خلال الأشهر المقبلة، وكان منيف يتحمس لحضورها على المسرح، وله من الروايات: شرق المتوسط (75)، حين تركنا الجسر (79)، النهايات (77) سباق المسافات الطويلة (79)، عالم بلا خرائط (بالاشتراك مع جبرا إبراهيم جبرا (82)، مدن الملح (خماسية من: التيه 84، الأخدود 85، تقاسيم الليل والنهار 89، المنبت 89، بادية الظلمات 89)، الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى (99)، عودة الزمان الباهي، لوعة الغياب، أرض السواد (3 أجزاء)، بين الثقافة والسياسة، رحلة الضوء، ذاكرة المستقبل·
منيف·· والعراق الجديد!
وكان منيف يرفض الوجود الأمريكي في العراق، معتبرا هذا التواجد احتلالا دمر حضارة وتاريخ العراق، وكان ينوي الكتابة أكثر في هذا الموضوع، رغم أنه في آخر كتبه “هوامش من التاريخ والمقاومة” قد تحدث عن العراق كما يراه أو كما يتذكره أو وفق ما أملته عليه ذاكرته من هوى حزبي قديم وتوجه سياسي بُعث من جديد، وفي مقدمة كتابه يقول “إن العراق أعلن بلدا محتلا وهذا هو الاحتلال الثاني في المنطقة إذ إن الأول نعرفه جيدا، فلطالما قتلنا بسلاح الثاني”·
اختلاق سيرته في “عكاظ”!
في الأسابيع الأخيرة قبيل وفاته، كان منيف قد أصدر أكثر من بيان وتنويه غاضب ردا على ما كتبته صحيفة “عكاظ” السعودية من أجزاء معتبرة ما كتبه الصحافي هاشم الجحدلي “سيرة ذاتية لعبدالرحمن منيف”، مما أثار جدلا في الصحافة الثقافية العربية يدين ما كُتب ويرفض أن يسمح بتناول سيرة أي كاتب على قيد الحياة دون علمه أو موافقته·
وكان قد هدد منيف باللجوء للقضاء لوقف تلك الكتابات التي رفض أن تكون توثيقا لسيرته الذاتية·
ومن جهة أخرى كان يرفض الجحدلي أن يكون ما كتبه “سيرة” لمنيف، فيقول في مقابلة له في “الشرق الأوسط” “ما كتبته كان تاريخا لمسيرة عبدالرحمن منيف من الولادة وما قبلها، حتى السبعين، ولهذا اعتمدت على سيرة حياته من مصادرها التي يشاركه الآخرون تفاصيلها وبالتحديد أسرته وأصدقاؤه إضافة لما ذكر هنا أو هناك في حواراته الكتابية والتلفزيونية وما نشر في “سيرة مدينة” وما ذكر في وثائق حزب البعث، وشهاداته في الآخرين· ولهذا ما قدمته كان أقرب للتاريخ الذي يربط المعلومة بالسياق”·
والآن وقد رحل الروائي منيف دون أن يدوّن سيرته و”روايته الأخيرة”! فهل ستعود الصحيفة السعودية (وكاتبها الجحدلي) الى استئناف ما بدأته من سيرة “إجبارية” للراحل، والى إثارة غضبه في العالم الآخر، ساعتها سيُعد ذلك انتقاما من “سيرة” طالما أثارت غبار صحرائنا وفضحت ملامحها المتخفية وراء نقاب!
صلاة الوثنيّ
سعدي يوسف
إلى عبدالرحمن منيف
يا ربَّ النهر، لك الحمد:
امنحني نعمة أن أدخل في الماء···
لقد جف دمي
ونشفتُ، قميصي رمل، وشفاهي خشب
حتى حلمي صار طوافا في مذأبة صفراء···
امنحني، يا ربَّ النهر
كساء النهر،
لك الشكر
لك الحمد
فمن لي غيرك، يا عارف سر الماء؟
······
······
······
يا ربَّ الطير، لك الحمد:
امنحني أن أتقرى بين يديك جناح الطير
امنحني نعمة أن أعرف نبض قوادمه وخوافيه
وأن أدخل فيه···
لقد أوثقت، سنين، الى هذي الصخرة، يا ربّ الطير:
أدِبُّ دبيبا
وأرى كل خلائقك ارتفعت نحوك تحملها أجنحة
إلاي···
امنحني، يا رب الطير، جناحين!
لك الشكر···
······
······
······
يا ربّ النخل، لك الحمد:
امنحني، يا رب النخل، رضاك، وعفوك:
إني أبصر حولي قامات تتقاصر
أبصر حولي أمطاء (1) تحدودب،
أبصر من كانوا يمشون على قدمين انقلبوا حيّات تسعى···
يا ربَّ النخل، رضاك وعفوك
لا تتركني في هذي المحنة
أرجوك!
امنحني، يا ربّ النخلة
لندن - 26/1/2004
1 - أمطاء: جمع مطاء وهو الظهر