رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 9 ذو الحجة 1424هـ - 31 يناير 2004
العدد 1613

كتابة

المستمع·· القارئ·· المشاهد

جذور الشفهية·· والتضامن·· والمحدث!

محمد الأسعد

يبدو المستمعُ العربي الذي يتخذ إيهاب القارئ والمشاهد، رصيداً ثميناً لكل اتباعية في الفكر والسياسة والفنون، بل وأكثر قيمةً من أي متخصص أو خبير، ففي دوره المصطنع، دور القراءة والمشاهدة، ما زال يقيم المستمع الذي يرهف الأذنَ انتظاراً لتكرار القالب، وتكرارِ أساليب التعبير، أي تكرار المعروف والمعلوم، ليشعر أنه آمن في عالمه، وأن هذا العالم مازال قائماً حياً وملموساً·

 

üüü

 

ربما بدأ نقدُ الشعر مع “أم جندب” على ما نقله الرواة، وأم جندب هذه زوج امرؤ القيس الشاعر الذي يصفه جرير بأنه الخبيث الذي جعل الشعرَ نعلين له يطؤه كيف شاء، ولكن يبدو أن خبثه لم يخدع زوجةً مثل هذه، فحين طلب منها أن تفاضل بين شعره وشعر علقمة الفحل فضّلت الأخير عليه، فطلقها فوراً رغم أنها لم تكن تفاضل بين رجلين بل بين قصيدتين، وفي ظننا أن أم جندب ما زالت تتعرض لسوء الفهم حتى في العصور الحديثة، ومازالت تُطلّق كل يوم، وهو ما يعزّز اعتقادنا بأنها أول من بدأ النقد فعلاً، وعلى إيقاع نقدها ورد الفعل عليه مازالت ثقافة الشعرية العربية ترقص، وإذا جاز لنا أن نشتّق شيئاً من النسب بين الناقدة أم جندب وبين النقاد اللاحقين، فسنقول أنهم “جنادب” ولكن ليس بالمعنى الذي تذهب إليه الرواية: إنهم جنادب تدبّ أو تقفز أو تتطاير، فيهش عليها الخبثاء من أحفاد امرؤ القيس·

الأمرُ في العصور القديمة لم يكن يجري دائماً كأنما في جنة البراءة كما حدث مع أم جندب، بل كان يجري في حقل واسع لا براءة فيه، كان هنالك مستمع وشاعر، ونشأت بين الاثنين هذه العلاقة العجيبة التي تنشأ عادة حين يكون الشفهي أحد المكونات المهمة للذائقة والمفهوم وطبيعة الخيوط التي تتصل بين المستمع والشاعر، وهي المكونات التي أخرجت من جنتها أم جندب، وتحولت الجنادب في حلقها إلى يعاسيب بلا أجنحة·

 

üüü

 

اللافتُ للنظر في نشأة الشعر العربي المعروف هو أنه شعر سماع في جانب، وشعر ارتجال في جانب آخر، وكلا الجانبين يكمل الآخر، فالارتجال يفترض الاستناد إلى الأمان، أي إلى القوالب، فلا المستمع ولا الشعر في هذه الوضعية بقادرين على السباحة في بحر بلا سواحل ولا خلجان· ويفرض القالب انساقاً تعبيرية يتبعها الشاعر وينتظرها المستمع·

اللافت للنظر أيضاً أن التدوين، أي الكتابة في التاريخ العربي، كان شبه قناع يتخفى وراءه الارتجالُ الذي يفترض مستمعاً ويطلبه أو يصنعه، كان قوالب أيضاً وأنساقاً متعارفاً عليها، وكان الكاتبُ شبه مرتجل في حضرة مستمعين، أي أن الشفهية والاستماع ظلا قائمين في أساس الذائقة التي تتلقى، وفي أساس المفهوم الذي يسند وجود الشاعر والقصيدة والمستمع، أي يمنحهم جميعاً مبرر الوجود، أو كما نقول، كان المفهوم موجد الوجود أو وجوبه·

أم جندب في الرواية المتناقلة حاولت أن تخرج على النسق، فبررت تفضيلها لشعرِ علقمة الفحل بشيء آخر، ليس هو المتعارف عليه أو المتبع، بل بابتكار فكرة المفاضلة على أساس من داخلية النص، أي انطلاقاً من مقولة أن لاشيء خارج النص، فقالت لزوجها: “علقمة أشعر منك، لأنه جعل حصانه في النص يجري سريعاً وخفيفاً من دون جهد، أما أنت فجعلته يجري في النص بعد أن أجهدته· ربما كان جاك ديريدا هو الحقيق بأن يكون من أحفاد أم جندب، وليس جنادب العربية الشائعون في هذه الأيام، لقد مضى ديريدا إلى آفاق أبعد فجعل النص هدماً لكل قالب أثبته الارتجال والتكرار·

تخلق الشفهية إذن وضعيةً يتسق ويتناسق فيها المستمعُ والمرتجلُ، تخلق عالماً من الإتباع يفرض إتباعه، ويفرض الناقد التابع أيضاً، على سبيل المثال حين قفز شاعرٌ في عباءة ناقد وصرخ بشاعر: “استنوق الجمل” حين لمح انتهاكاً لنسق من أنساق التعبير، لم يكن الأمرُ الذي أقلقه ما يحدث في بيت الشعر ذاته، وما تقيمه الكلمات من صلاتٍ، بل الهوة التي هبطت فجأةً بين ما اعتاده الناس في قوالب كلامهم وبين بيت الشاعر الذي استعار للجمل لازمةً من لوازم الناقة·

هكذا يتحدّدُ الوجودُ في الخارج أولاً، تُصنّفُ الأشياءُ، تُرتَّب لكلٍّ وظيفته، ولكلٍّ مساره، ولكلٍّ ثباته، هذه هي صورة العالم الآمنة بالنسبة للتابعين، ثم تأتي النقلةُ حين يستمعون إلى القول الشعري، فهنا أيضاً يجب أن يحدث هذا التطابق بين تضاريس العالم، وتضاريس أنساق التعبير، ولئن حدث اختراقٌ أو انتهاك، فبحدود معلومة تندرج تحت مقولة هذا ما تعارفت عليه العرب، أي ما رسخ وثبت وتكوّن وتصنف في عالمها، فإذا خطر ببال شاعر أن يصف الحلم بالرقة، يكون خارجاً على ما اعتادت عليه العرب، فهي تصف الحلم بالثقل، وحتى حين تكون الاستعارة مقبولة يجب أن تكون على مقياس، أي في نطاق المتعارف عليه، لذا فإن استعارة الماء للملام مثلاً غير مستساغة لأنها بلا سابقة·

هكذا خلقت الاتباعية الشفهية تابعتها النقدية، بعد أن خلقت مستمعها المثالي وشاعرها المثالي، ومن هنا نشأ الغموض، وجاء سؤالُ مستمعٍ إلى الشاعر أبي تمام: “لماذا لا تقول ما يُفهم؟”· سنؤجل جواب أبي تمام، لنقول أن انتهاك أنساق التعبير الاتباعية هو أحد الأسباب المهمة التي تقف وراء الغموض، ذلك الغموض الذي يشارك في الامتعاض منه خبثاء الشعر وجنادب النقد على حدٍ سواء، ومن ورائهم المستمع الذي يتخفى في إيهاب القارئ والمشاهد، ومن هنا أيضاً تخلق الاتباعية جمهورها الذي يريد أن يطمئن إلى أن الجمل في الصحراء هو الجمل في القصيدة، وأن الرباب الظاعنة في البراري هي نفسها الظاعنة في القصيدة·· وأخيراً أن السماوات التي يعيش تحتها، أو الأنفاق التي يتحرك فيها، أو الألوان التي يشاهدها، هي نفسها التي تحتضن الشاعر، لقد خلقت الاتباعية موروثاً هائلاً، أصبح بديهيةً راسخةً رسوخ الجبال، ولا ينفع معها أن يقول أبو تمام، أو من يأتي بعده، للمستمع التابع: “ولماذا لا تفهم ما يُقال؟!”·

تخلق الاتباعية عادةً رديئة، وهي أن التلقي طربٌ، والطرب بمعناه الواقعي هو الاستحسان حتى بلوغ ذروة النشوة، ولكن استحسان ماذا؟ إنه استحسان عرض يطابق فيه الشاعر المرتجل وقوالبه بين عالمين، عالم المستمع وعالم القصيدة، وما أن ينتبه المستمع إلى المطابقة حتى تعتريه هزّةٌ، فيغتبط اغتباطَ من يصحو فيجد أن العالم مازال مألوفاً ومعروفاً وممتعاً كما كان وسيكون إلى أبد الآبدين، الطرب تعبير عن الاطمئنان، ولا شيء أبعث على الاطمئنان يفوق الاطمئنان إلى المعروف والمبذول، أما دعوة أبي تمام للمستمع ليفهم ما يقال، فهي دعوة إلى القلق، وإلى عدم الاطمئنان، إلى احترام وظيفة أم جندب، أول ناقدة وآخر ناقدة في التراث العربي، فبعدها تحوّل النقادُ إلى يعاسيب بلا أجنحة، فمثلما تخفّى المستمعُ الجاهلي في إيهاب القارئ الحديث رغما عن القارئ أو غفلةً منه، تخفى الكثير من المرتجلين في إيهاب الشاعر الحديث· وعاد للاتباعية مجدها، وللعالم المألوف اتزانه، في الشعر طبعا لا على أرض الواقع المتغير والمتحول دائماً·

طباعة  

قصيمي أردني سوري·· نصفه وهواه عراقي
عبدالرحمن منيف من بوابة السياسة الى الكتابة و”مدن الملح”·· والغياب

 
وتــد
 
بعد 62 عاما من التواصل الكتابي الثري
“الطريق” تتوقف لقلة المورد والدعم·· فهل تعود بحلة جديدة؟!

 
المرصد الثقافي