

أطفال "بدون" يتعلمون في مشروع "أم البراء" الإنساني
د· محمد حسين اليوسفيü
أستاذ علم الاجتماع بجامعة الكويت
· قانون الانتخاب البحريني رقم 2002/14 ساوى بين المتجنس والمواطن بصفة أصلية في التمتع بحق الانتخاب والترشيح وهو مناقض لقانون الجنسية البحـرينية 1963/8
· الكويت أنشأت لجنة تنفيذية لشؤون المقيمين بصورة غير قانونية عام 1996 مهمتها حصر هذه الفئة وفرز الذين تنطبق عليهم شروط التجنيس
· 43 ألف شخص جنستهم البحرين منذ عام 1950 وحتى مايو 2001 الاتجاه العالمي الآن هو اعتبار جنسية الأم مثل جنسية الأب من حيث آثارها على الأبناء
· الكويت كانت تضم جالية من المهرة منذ الخمسينات كانوا يحملون جوازات يمنية وغادروا البلاد إبان الغزو العراقي
· الكويت أغلقت التجنيس منذ أواسط الستينات والسعودية تجنس أعداداً متواضعة
· السياسة المتبعة في دول الخليج في مسألة التجنيس هي عدم الأخذ بها كآلية لتعديل التركيبة السكانية على عكس السياسة التي اتخذتها دول أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية
تهدف هذه الورقة إلى إلقاء الضوء على بعض الظواهر المتعلقة بالجنسية والمواطنة والسياسات المتبعة في دول مجلس التعاون في التعامل مع التمتع بالجنسية بصفة أصلية فضلاً عن سياساتها نحو عملية التجنيس ووضع المتجنس ذاته وأبنائه: الراشدين والقصر والذين ولدوا بعد اكتسابه للجنسية، وتتطرق الورقة إلى ظاهرة انعدام الجنسية أو ما يعرف باللغة الاجتماعية بظاهرة البدون، إذ تناقشها الورقة من حيث حجمها كظاهرة ومن حيث الخلفية الاجتماعية لهؤلاء البدون وما هو مطروح حلاً لمشكلتهم· أخيراً، سيكون التركيز على نظرة قوانين الجنسية للمواطنة الخليجية المتزوجة من أجنبي وبالذات فيما يخص جنسية أبنائها والمشكلات الناجمة عن ذلك· والورقة تنطلق من اهتمامات علم الاجتماع القانوني الذي يركز - فيما يركز - على القوى الفاعلة في وضع القوانين، ومدى نجاحها في التطبيق العملي أو تعثرها، و آثار ذلك على الحياة الاجتماعية وغيرها، لذا فهي لن تخوض في المسائل القانونية إلا بالقدر الذي يوضح الصورة الاجتماعية لتأثير تلك القوانين·
ولابد من القول إن المعلومات المتعلقة بموضوع البحث شحيحة، إذ هي شذرات تم تجميعها من هنا وهناك كيما نخرج بصورة عامة هي أبعد ما تكون عن الصورة المتكاملة، وتتباين دول الخليج العربي في هذا الخصوص، ففي حين نرى أن البيانات المتعلقة بالجنسية والمواطنة وفيرة عن الكويت، نجد أن تلك البيانات نادرة عن بلدان أخرى كعمان وقطر والإمارات·
لذا يهيب الباحث بالمشاركين بالملتقى أن يساهموا في تعقيباتهم على الورقة بالإدلاء بمعلومات جديدة، أو بتصحيح معلومات خاطئة وردت، أو بتوضيح أخرى غامضة، كل بحسب البلد الذي ينتمي إليه، ثم إننا نهيب بالحكومات الخليجية مد يد العون للباحثين بتوفير المعلومات والبيانات، ذلك أن توافر المعلومات للباحثين يمكنهم من رسم صورة واضحة عن المشكلات - إن وجدت - وطرح حلول علمية لها، ونهيب بها أيضاً أن تضع إحصاءاتها السنوية التي تخرج على شكل كتاب (المجموعة الإحصائية أو الكتاب الإحصائي السنوي أو ما شابه) أن تضعها على شبكة الإنترنت خدمة للراغبين على الاطلاع عليها في كل أنحاء العالم·
أولا ً: الجنسية بصفة أصلية
إن الجنسية بصفة أصلية حق يؤخذ بقوة القانون، لكن هذا المبدأ في الواقع التطبيقي يخضع لاعتبارات اجتماعية وسياسية، من حيث التوسع في التمتع بهذا الحق، أو التشدد في الشروط الواجب توافرها إثباتا لهذا الحق، فنرى أن المجتمعات الخليجية تنقسم في ذلك إلى قسمين:
1 - مجتمعات تتشدد في هذا الحق، كالكويت والبحرين والإمارات وقطر·
2 - مجتمعات تتساهل بذلك، كالمملكة العربية السعودية·
أما المجتمعات الأولى فقد مرت بمرحلة التساهل، كالكويت في الستينيات وذلك لضبط نتائج العملية الانتخابية، حيث مازالت ذيول تلك العملية قائمة بوجود مطالبات كثيرة أمام اللجنة العليا للجنسية التي تشكلت في أواخر السبعينيات، إذ حصل من خلالها 1000 شخص على الجنسية بصفة أصلية منذ العام1992· (1) والبحرين وقطر والإمارات في السبعينيات ، لاستكمال مقومات الدولة وعهد الاستقلال· وفي الإمارات حظيت القبائل العربية وأبناء “قبائل بر فارس العرب” والحضارم بمعاملة خاصة· (2) ثم ما لبثت أن تشددت هذه الدول في حق التمتع بالجنسية بصفة أصلية ·
أما المملكة العربية السعودية، فقد واصلت سياستها في التساهل حول حق التمتع بالجنسية بصفة أصلية وبالذات تحت ما يسمى “باستعادة الجنسية الأصلية”، حيث استفاد كثير من أفراد القبائل التي هاجرت من الجزيرة العربية في فترات تاريخية مختلفة واستوطنت في العراق والشام والتي مازالت لها امتدادات قبلية قوية في المملكة العربية السعودية، كقبائل الظفير وعنزة وشمر، أو ما يطلق عليها “بالقبائل الشمالية”· وقد كانت تبعية هذه القبائل، وما تنطوي عليها تلك التبعية، موضع خلاف في مؤتمر العقير في العام 1922 بين الوفدين السعودي والعراقي، وقد تم في ذلك المؤتمر تخطيط الحدود النجدية العراقية· (3)
وهذه السياسة تنطبق أيضاً على بعض الامتدادات القبلية لبعض المناطق الحدودية، كقبائل محافظة المهرة في اليمن، حيث تسهل السلطات السعودية لهم الحصول على جنسيتها - كما ذكر عدد من هؤلاء للباحث - ومن الجدير بالذكر أن الكويت تضم جالية من المهرة منذ الخمسينيات، وقد خرج هؤلاء من الكويت إبان الغزو العراقي، وكانوا يحملون الجوازات اليمنية الجنوبية، ثم رجع من هؤلاء بعد التحرير من رجع وهم يحملون جوازات سعودية· (4)
وفي هذا الإطار، عاملت الحكومة السعودية “النجديين” القاطنين في العراق وبالذات من أهالي مدينة الزبير، الذين أسسوا تلك المدينة قبل ثلاثة قرون، فأصدرت مرسوماً في العام 1973 (7/12/1393) توافق فيه على “منح النجديين المقيمين في العراق فرصة العودة إلى جنسية بلادهم الأصلية”· (5)
وقد أدى ذلك إلى هجرة أهالي الزبير ولم يبق من أهلها الأصليين أحد· (6)
وربما يفسر هذه السياسة اتساع رقعة المملكة العربية السعودية، وبالتالي حاجتها إلى مواطنين “من النسيج الاجتماعي نفسه” القائم في المجتمع السعودي فضلا عن رؤية أصحاب القرار في بناء دولة قوية·
ولاشك أن المواطن بصفة أصلية يتمتع بحقوق لا يتمتع بها المتجنس إلا ضمن شروط معينة تختلف من بلد خليجي لآخر كحق التعيين في المناصب العليا ذات الطابع السيادي أو حق الترشيح والانتخاب للمجالس النيابية والبلدية·
ثــانـياً: التجنس والمتجنسون
إن السياسة المتبعة في المجتمعات الخليجية هو عدم الأخذ بالتجنيس كآلية لتعديل التركيبة السكانية، وهى عكس تلك السياسة التي اتخذتها الدول الأوروبية الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، تعويضاً عن النقص في قوة العمل الناجمة عن الحرب، فبعض هذه المجتمعات قد أغلق باب التجنس بشكل كامل (حالة الكويت منذ أواسط الستينيات) وبعضها يجنس ولكن بأعداد متواضعة (كحالة المملكة العربية السعودية) ومن المعروف أن اكتساب الجنسية عن طريق التجنس هو منحة وليس حقاً وأن هذه المنحة يرجع تقديرها إلى الدولة· (7)
وتشير الأرقام إلى أن البحرين قد قامت في الفترة من 1950 إلى مايو 2001 بتجنيس 42997 شخصاً بينهم 9749 عربياً، والعدد الإجمالي للمتجنسين يشمل “الشخص المتجنس وزوجته وأبناءه وأبناء أبنائه وزوجاتهم فضلاً عن الزوجات العربيات المتزوجات من بحرينيين بالولادة”· وهؤلاء جميعاً (أي المتجنسين جميعاً) لا تتجاوز نسبتهم 10 في المئة من عدد المواطنين (8)·
وكان المتجنسون يمثلون ثلث المواطنين الكويتيين قبل تعديل القانون واعتبار أن أبناء المتجنسين الذين ولدوا بعد حصول آبائهم على الجنسية مواطنين بصفة أصلية، ففي العام 1992 كان إجمالي عدد المتجنسين 188017 شخصاً، منهم 64368 متجنساً و29529 عدد الزوجات و94120 عدد الأبناء· (9)
أما بالنسبة للملكة العربية السعودية، التي تقوم بعملية تجنيس منظمة فإنها قامت في الفترة ما بين 1386هـ، الموافق 1966م إلى 1413هـ، الموافق 1993 بتجنيس ما مجموعه 15650 شخصاً، وهذا العدد لا يشمل زوجات هؤلاء وأولادهم، أو زوجات السعوديين الأجنبيات، كان منهم 10903 أشخاص من الجنسيات العربية و4747 شخصاً من الجنسيات الأجنبية، والواقع أن هؤلاء: عرباً وأجانب، ينتمون إلى جميع الجنسيات المعروفة تقريباً· (10)
فيما يخص دول الخليج العربي الأخرى قطر والإمارات (فيما عدا سلطنة عمان)، فإننا نلاحظ إشارات هنا وهناك تدل على وجود عمليات تجنيس، لكن حجمها غير معروف· (11)
ولعل مرجع رفض المجتمعات الخليجية في اتخاذ التجنيس سياسة لتعديل التركيبة السكانية هو الكلفة الاقتصادية الباهظة التي ستتحملها كون مواطنيها يتمتعون بخدمات مجانية في ظل سياسة “دولة الرفاه” المتبعة، وهذه سياسة قصيرة النظر، فتعديل التركيبة السكانية أمر ضروري لهذه المجتمعات إن أرادت الاستقرار الاجتماعي الحقيقي، وعملية التعديل تلك لا يمكن أن تتحقق دون وضع خطة لتجنيس بعض الوافدين من ذوي الكفاءة، علماً أن بعضهم قد أمضى أكثر من أربعة عقود في هذه الدول·
ويمثل المتجنسون شريحة مهمة من المواطنين في المجتمعات الخليجية، وينتمون إلى الأصول القبلية والطائفية والجهوية نفسها التى ينتمى إليها المواطنون بصفة أصلية (فيما عدا حالة بعض المتجنسين في المملكة العربية السعودية الذين ينتمون إلى مجتمعات بعيدة عن المجتمع الخليجي) وهذه الشريحة تتباين في تمتعها بحقوق المواطنة، منها تسنم المناصب العليا (ذات الطابع السياسي) فضلا ً عن حقوق الانتخاب والترشيح وغيرها، فيما عدا حالة البحرين إذ نجد أن قانون الانتخاب رقم 14/2002 قد ساوى بين المتجنس والمواطن بصفة أصلية من حيث التمتع بحق الانتخاب والترشيح، وهذا المرسوم بقانون يتناقض مع المادة السادسة الفقرة الثالثة من قانون الجنسية البحرينية 8/1963 وتعديلاته والتي نصت على وجوب انقضاء عشر سنوات قبل تمتع المتجنس بحقوقه السياسية، مما يثير الشك في مرامي المرسوم المذكور فضلاً عن عمليات التجنيس التي حصلت قبل الانتخابات الأخيرة وعمليات التجنيس التي تمت في الثمانينيات من القرن الماضي· (12)
والمتجنسون ينقسمون إلى: المتجنس ذاته، وأبنائه القصر وقت تجنسه، وأبنائه الراشدين، ثم أبناء المتجنس الذين ولدوا بعد اكتساب أبيهم الجنسية، وتتعامل قوانين مجتمعات الخليج العربي مع هذه الفئات بصور مختلفة على الصعيد القانوني أو على الصعيد العملي، وقد تولدت عن ذلك مشكلات ستحاول الورقة مناقشتها·
فابن المتجنس الراشد لا يكتسب الجنسية كأخيه القاصر، إذ لا بد له هو ذاته أن يتقدم لطلب الجنسية، إن أراد التجنس بجنسية أبيه، ولما كانت عملية الجنسية وتنظيم المواطنة جديدة على المجتمعات الخليجية في أول انطلاقتها، ولما كان القاطنون في هذه المنطقة لم يكونوا على دراية بشكليات القانون، فإن بعض هؤلاء لم يتمكنوا من الحصول على الجنسية دون أن تكون لهم جنسية معروفة، فأصبح هؤلاء ضمن فئة البدون، ولعل تجربة الكويت في هذا الإطار واضحة، إذ حرم مجموعة من أبناء المتجنسين الذين كانوا راشدين عند كسب آبائهم الجنسية الكويتية، ولم يجنس هؤلاء لأن باب التجنس أقفل في العام 1966، فانتظر هؤلاء إلى العام 1998 لكي يضاف إلى المادة السابعة من قانون الجنسية فقرة لتشمل هؤلاء(قانون11/98)، وبلغ أعداد هذه الفئة 581 حصلوا على الجنسية الكويتية في العام 2001· (13)
وتنص قوانين الجنسية لكل من الكويت والسعودية وقطر وعمان على أن ابن المتجنس الذي ولد بعد اكتساب أبيه الجنسية مواطن بصفة أصلية، في حين يعتبره قانونا الجنسية لكل من البحرين والإمارات متجنساً، وخطورة قانوني البحرين والإمارات - دون الدخول في جدل قانوني مفصل - أنهما سيخلقان فئة من المجتمع تتوارث التجنس جيلاً بعد جيل دون أن يكون لها أمل في التمتع بالمواطنة الكاملة·
ترى، هل تعامل البلدان الخليجية التي تنص قوانينها - كما يفهم من منطوق قوانينها - أبناء المتجنس الذي ولد بعد اكتساب أبيه للجنسية مواطنا بصفة أصلية؟ هذا مالا نعلمه، ولكن تجربة الكويت - التي نمتلك معلومات كافية عنها - تشير إلى عكس ذلك· إذ عاملت السلطة التنفيذية هؤلاء كمتجنسين، وذلك بغية حصر العملية الانتخابية في أضيق حدود للتحكم بنتائجها، واستمر الحال إلى ما بعد الغزو العراقي للكويت، حيث تغيرت الأجواء السياسية وزادت الوحدة الوطنية، فتم تنظيم تحرك شعبي أثمر عن صدور قانون 44 لسنة 1994 الذي اعتبر هؤلاء مواطنين بصفة أصلية، وقد شمل القانون المذكور 34 ألف مواطن، (14)
ثالثا ً: ظاهرة
عديمي الجنسية أو البدون
إن كل المجتمعات الخليجية تعانى من ظاهرة وجود فئة عديمي الجنسية، بهذا القدر أو ذاك ، ولعل المجتمع الكويتي أوضحها في هذا الإطار، وهناك معلومات عن وجود هذه الفئة في المملكة العربية السعودية (15) وكان عدد البدون في البحرين نحو 10000 شخص ينتمون في مجملهم إلى الأصول الإيرانية، وقد اتخذت الحكومة البحرينية خطوات جادة لإنهاء المشكلة (16)·
وتظهر المشكلة أيضاً في دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ يؤكد سعيد بن حفيظ المزروعي، عضو المجلس الوطني الاتحادي على أهمية “متابعة قضية غير حاملي الجنسية (البدون) وحصر هذه الحالات ومسك سجلات لها ومن ثم اقتراح إجراءات معالجة أوضاعها” (2) ولا نمتلك أعداداً لهؤلاء الذين أخذوا يظهرون في بعض الإحصاءات كالتقرير الأمني السنوي لشرطة الشارقة، والذي يبين فيما يبين أن البدون يحتلون المرتبة الرابعة من مرتكبي الجرائم وعددهم 26852 شخصاً بنسبة %15، علماً بأن هذا العدد يشمل مرتكبي “جرائم السير والمرور” (18)، ويبدو أن دولة الإمارات تعيد الخطأ نفسه الذي ارتكبته الكويت بتوظيفها البدون في الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، فقد ذكرت جريدة البيان أن تعليمات قد صدرت - في الشارقة - بتعيين 200 شخص من الذين لا يحملون جنسية الدولة في الشرطة (19)، أما أصول البدون فتشير المعلومات الصحفية المنقولة عن مسؤولين أنهم ينتمون إلى الأصول الإيرانية (20)·
أما الكويت، فإنها تشكو من ظاهرة البدون التي أخذت تتشكل منذ أواخر الستينات، حيث وصل عددهم في يونيو 1990 إلى 220 ألفاً، (21) وقد انخفض هذا العدد بعد الغزو إلى 13837 فرداً، كان من بين هؤلاء 42557 فرداً لم يغادروا الكويت في أثناء الاحتلال، مقابل 95813 فرداً كانوا من المغادرين· (22) أما البقية والبالغ عددهم 80000 تقريباً، فقد غادروا الكويت في أثناء الاحتلال إلى مواطنهم الأصلية ومعظمهم كان من الأصول العراقية، ويوجد الآن نحو 70000 من البدون، يدخل ضمن إحصاء 1965 نحو 30000 منهم، وهذا الإحصاء هو الحد الأدنى الذي وضعته الحكومة بالاتفاق مع مجلس الأمة للنظر في تجنيس هؤلاء، وحلاً للمشكلة، فقد أنشئت “اللجنة التنفيذية لشؤون المقيمين بصورة غير قانونية” في العام 1996 مهمتها حصر هؤلاء البدون وفرز الذين تنطبق عليهم شروط التجنيس، كما أصدر مجلس الأمة قانوناً أعطى فيه الحكومة إمكانية تجنيس 2000 من هؤلاء سنوياً، وإلى 7 مايو 2002 فقد تم تجنيس 3517 فرداً من البدون (23)، ولا شك أن هذا العدد لن يحل المشكلة، وهناك تردد كبير في مسألة تجنيس هؤلاء·
رابــعـاً: المواطنات الخليجيات المتزوجات من أجانب
وتتركز مشكلة هذه الفئة في أن قوانين الجنسية في دول مجلس التعاون تعتد بجنسية الأب أساساً لجنسية الأبناء إلا في حالات معينة كأن يكون مجهول الوالدين، أو صعوبة إثبات نسبته إلى أبيه، وهذا يعني فيما يعني اعتبار أبناء المواطنات المتزوجات من أجانب بحكم الأجانب مما يفقدهم التمتع بالميزات التي يتمتع بها المواطن كالتعليم والعلاج المجانيين فضلاً عن اضطرارهم إلى طلب الإقامة وتجديدها وغيرها من الأمور·
ولعل التقلبات السياسية - في كثير من الأحيان - تكون ذا تأثير سيئ على المواطنة المتزوجة من أجنبي، فكلنا يتذكر ما حدث لأزواج وأبناء الكويتيات من فئة البدون أو من الجنسيات التابعة لما سمي “بدول الضد” فقد كان هناك قرابة الـ 3000 كويتية أزواجهن من البدون، ويقارب هذا العدد أزواجهن من الجنسيات الأردنية والسودانية واليمنية والعراقية (24)·
والواقع أن الاتجاه العالمي الآن هو اعتبار جنسية الأم كجنسية الأب من حيث آثارها على الأبناء ، بمعنى أن يتمتع أبناء المواطنة بجنسية أمهم بغض النظر عن جنسية أبيهم، إن رغبوا في ذلك، وهذا يتماشى مع اتفاقية القضاء على جميع مظاهر التمييز ضد المرأة الصادرة من هيئة الأمم المتحدة سنة 1989، وهناك دولة عربية واحدة ينص قانون جنسيتها صراحة على ذلك وهي تونس، إذ تنص المادة 6/3 على أنه “يعتبر تونسياً الطفل المولود من أم تونسية وأب أجنبي” (25)، وأعلنت الأردن مؤخراً، في المؤتمر الثاني لقمة المرأة العربية، الذي انعقد في نوفمبر 2002 التوجه نفسه (26)·
الخلاصة:
لابد من القول أخيراً أن نظرة جديدة لمشكلات الجنسية والمواطنة في مجتمعات الخليج والجزيرة العربية يجب أن تطرح للنقاش والمداولة، ليس فقط بين النخب المثقفة، بل وأيضاً في الأوساط الشعبية، على أن يرتكز ذلك النقاش على أفكار عملية تراعى مصالح هذه المجتمعات من جهة، وتساير الاتجاه العالمي في هذا الموضوع من جهة أخرى·
ولعل حساسية هذا الموضوع نابعة من أن مواطني مجتمعات الخليج والجزيرة العربية يرغبون في المحافظة على المستوى المعيشي الذي يتمتعون به، وبالتالي نجدهم يعارضون أي عملية تجنيس واسعة، رغماً عن اختلال التركيبة السكانية، والتي لا يمكن أن تتعدل بالزيادة الطبيعية للسكان الأصليين، لذا، فإن سياسة التجنيس لابد أن ترتكز على تجنيس الكوادر المهنية التي تحتاجها تلك الدول فضلا عن تجنيس أولئك الذين أمضوا سنوات طويلة وامتزجوا بهذه المجتمعات وأصبحوا من نسيجها الاجتماعي·
ولابد أيضاً من حل مشكلة البدون، حلاً عادلاً، يراعي واقع أن كثيرا من هؤلاء قد أمضوا مدداً طويلة( بالمقاييس الدولية) في هذه المجتمعات، وأن كثيراً منهم عملوا ولازالوا يعملون في أجهزتها الأمنية والدفاعية، وبالتالي، فإذا كانت هذه الدول قد ائتمنت هؤلاء على أمنها والذود عنها، فحري بها أن تمنحهم جنسيتها، ولابد أيضاً من تجنب بروز ظاهرة البدون من الأساس، وحل القضية في المهد، وبالذات لبعض المجتمعات الخليجية التي كثر الحديث فيها عن وجود هذه الفئة·
المــراجــع
(1) ألقيت هذه الورقة في الملتقى السابع لجمعيات وروابط الاجتماعيين بدول مجلس التعاون الخليجي 1-2 ديسمبر 2003·
(2) انظر جريدة الوطن الكويتية في 10/7/2002·
(3) وقد امتدح عضو مجلس الأمة الكويتي فيصل الدويش سياسة دولة الإمارات آنئذ في تسهيلها لحصول “أبناء القبائل العربية” على الجنسية الإماراتية، مقارناً إياها بسياسة الكويت المتشددة في ذلك كما كان يراها· أنظر: مجلس الأمة، الفصل التشريعي الرابع، دور الانعقاد العادي الثاني، جلسة رقم 383، مضبطة الجلسة الخامسة، المعقودة يوم 10 يناير سنة 1976، ص 55·
(4) انظر Kuwait And Her Neighbours, by H.R.P. Dickson, London:George Allen & Unwin LTD, 1968,pp,273-6. وقد كان ديكسون حاضراً في ذلك المؤتمر·
(5) مقابلات متعددة مع عبدالرزاق عبدالمحسن الصانع، وعبد العزيز عمر العلي، إمارة الزبير بين هجرتين·الكويت:مطابع الخط، 1985، ص 195-6·
(6) هذا ما لاحظته أثناء زياراتي المتكررة للمدينة أثناء الاحتلال العراقي الغاشم لدولة الكويت في العام 1990·
(7) دكتور محمد كمال فهمي، أصول القانون الدولي الخاص، القاهرة: 1985، ص176·
(8) تصريح وكيل وزارة الداخلية لشؤون الهجرة والجوازات الشيخ راشد بن خليفة آل خليفة لصحيفة الأيام البحرينية أعادت نشره صحيفة الرأي العام الكويتية بتاريخ 8/7/2001·
(9) رد وزير الداخلية على سؤال النائب عبد الله النيباري· كتاب رقم 12261 بتاريخ 10/1/1993·
(10) انظر د·أحمد عبدالحميد عشوش ود· عمر أبوبكر باخشب، أحكام الجنسية ومركز الأجانب في دول مجلس التعاون الخليجي· الاسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة،1990، ص ص 606 - 634· أما بخصوص السنوات من 1408 هـ· (1978) وما بعدها، فراجع الكتاب الإحصائي لوزارة الداخلية للسنوات المذكورة·
(11) انظر قصة تجنيس الفنان سعد الفهد (كويتي من فئة البدون) من قبل الحكومة القطرية · جريدة الوطن الكويتية، 26/1/2001، ثم لا حظ ردود فعل الشارع القطري على ذلك القرار، مجلة الزمن الكويتية، 3/2/2001، ص10·
أما فيما يتعلق بالامارات فسنذكر ما هو متاح من معلومات حين الحديث عن مشكلة البدون·
(12) شمل التجنيس في الثمانينيات عرباً سنة، من سورية والأردن واليمن، وعمل هؤلاء في الأجهزة الأمنية في ذروة التوتر السياسي الذي اتخذ شكلاً طائفياً يقوده الشيعة· انظر عبد الرحمن النعيمي، “التجنيس وهموم الهوية والحقوق في دول الخليج العربية”، الأهرام العربي 8/9/2001، ص 27· وينفي وزير الاعلام البحريني أن تكون عملية التجنيس الأخيرة لمصلحة الطائفة السنية، “إذ إن 93 في المئة من المتجنسين من أصول إيرانية”· جريدة الحياة (لندن)، 22/7/2001·
(13) جريدة القبس الكويتية، 20/1/2001·
(14) جريدة القبس الكويتية، 1/10/1994·
(15) للمزيد انظر مجلة “الطليعة” الكويتية، 30/8/1995، ص 10·
(16) انظر حديث الشيخ راشد بن خليفة، مرجع سابق· أيضاً جريدة القبس، 4/11/2002·
(17) جريدة البيان الاماراتية، 7/5/1998·
(18) جريدة البيان، 26/9/1998·
19 11/3/2000·
(20) انظر مايقوله القائد العام لشرطة دبي اللواء ضاحي خلفان تميم، جريدة البيان، 7/5/1998·
(21) انظر تصورات الحكومة لحل مشكلة البدون، القبس 29/4/1993·
22 تصريح وزير الداخلية الشيخ أحمد الحمود، القبس 17/11/1992·
(23) انظر التقرير السنوي للجنة الدفاع عن حقوق الانسان في مجلس الأمة، القبس، 8/7/2002·
(24) رد وزير المالية على سؤال النائب عبدالله النيباري عن عدد الكويتيات المتزوجات من فئة البدون· كتاب م/1/3-175·
(25) د· محمد فتحى نجيب، “آثار عقد الزواج في التشريعات العربية للأحوال الشخصية”· القاهرة، المنتدى الأول لمؤتمر قمة المرأة، أبريل 2001·
(26) القبس 4/11/2002·