رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 1 محرم 1425 هـ - 21 فبراير 2004
العدد 1615

قراءة

في إصدارها الأول·· هل تكسر القصصي “المتعارف عليه”

إستبرق أحمد·· بيدها خيوط اللغة وتوليف الأزمان وهندسة الضوء

 

  

 

كتابة بلا لغو، واختصار بلا إلغاء أو بتر، مجرد ومضات تكشف أطراف المعنى·· أو إيماءات إليه، ونقرات على طرف الكلمات·

ثلاث عشرة قصة قصيرة جمعتها الشابة إستبرق أحمد تحت “عتمة الضوء”، وأصدرتها دار قرطاس للنشر بإخراج جميل وموحٍ، وبتصميم رائع لعلي المبهر· تقع في 59 صفحة من القطع الصغير·

·· فجاءت إستبرق ومجموعتها·· كضوء في عتمة·

 

üüü

 

بعد الإهداء، تأتي عبارة إستبرق المنتقاة “عيناك مفتوحتان على الضوء، لكنك لا ترى” للعراف تريز ياس حينما قالها منذ أزمان أو أسفار متحديا وعي أوديب، تعيدها هنا محرضة قارئها على قراءة أخرى، مختلفة، غير كسولة·

وهذا بالفعل ما تحتاجه مثل هذه المجموعة القصصية/ المفاجأة·

وما صفة “المفاجأة” إلا لأن إستبرق قد جاءت من “عتمة” إعلامية لقلة نشر نصوصها، واحتسابها - عن خطأ - على عتبات البداية·

بعد الانتهاء من قراءة مجموعة القصص يتبقى في ذاكرة القارئ بعض من وجوه أبطالها وشخوصها غير الواضحة تماما، يظل وحده وقع الحدث يدور في الذاكرة· لم تهتم الكاتبة بالسرد أو التمهيد لإيقاع الحدث المتصاعد أو شرحه وتبريره بعد وقوعه· هي غير معنية بذلك، لا تمتلك سجادة حمراء لاستقباله - كما يعمل أغلب كتابنا التقليديين - ولا تحسن عبارات التبرير والاعتذار عن مفاجأة دحرجتها بوجه قارئ متثائب!

حتى كأن عرباتها أتت من عتمة ضوء!

 

Üüü

 

في “أجسام غريبة” تدير الكاتبة حوارات قصيرة خاطفة وتحكي فيها عن زيارة عائلية لا تتكرر إلا في الأعياد، تظل تحكي (على لسان الراوية الصغيرة) أشياء مضللة، عن لعب وصداقة جديدة لقريبتها، وألوان طفولية، لكنها - في الوقت نفسه - كانت ترصد مأساة الكبار، تتنصت - ومعها القارئ - لعبارات مبهمة· ثم “·· ذهبت مسرعة، وجدته واقفا ينتظرني بوجه منطفئ، ألقيت وجهي في حضنه، ضمني وانصرفنا بعيون مالحة تدفعنا أقدامنا الثقيلة نحو بيتنا”·

يكتشف القارئ أن ما كانت تشغله به - الراوية الصغيرة - من وصف وصور وأحاسيس بسيطة كان لهوا يتجه بهدوء الى مأساة، وأن المحيط الذي رسمته - الراوية - بأدواته وألوانه لم يكن إلا خيوطا معقودة بيد المفاجأة الأخيرة أو غيوما متراكمة سيبددها·· ومض قادم·

ألم نقل إنها قادمة من “عتمة ضوء”؟!

 

ü ü ü

 

الجميل في مجموعة إستبرق القصصية، أو اختلافها عما ينشر من نصوص قصصية أخرى أنها في “عتمتها” اجترحت لغة مغايرة·

بين الشعر والنثر، بين تحليق الأول وواقعية الثاني، اختارت الكاتبة منطقة وسطى للحديث، أو الطيران تحت سماء القص·

“حينما عدت الى بيتي وجدته هناك، بوجهه المصقول سألني: أين كنت؟··· صفقت الباب خلفي، فتحت أدراج خيبتي، حزمت أمتعتي··· وطلبت الفراق”· “زوايا المثلث”·

صفحتان فقط ضمت “زوايا المثلث” هذا المثلث الذي ضيّقته الكاتبة أكثر على واقعة الخيانة، أو الانتقام منها وحرقها بعمل مماثل، أو إسقاطها في بئر أخرى موازية، وبالطبع بعد تبرئة المسمى (خيانة)·

“أنا على يساره الأعمى” و”ضغط على الزر، ضغطت على شفتي” و”فتحتُ أدراج خيبتي” و”طلبتُ الفراق”، عبارات شعرية جاءت على مقاس المعنى، دون مبالغة، تستوفيه·· وتتوقف لا أكثر·· فإستبرق لم تُعد لنا بطلتنا “خائبة”، أو أن تستنطقها “بطلب الطلاق”، فهي لها بدائلها من مخزن الكلمات··

·· هل لأنها قادمة من “عتمة ضوء”؟!

 

ü ü ü

 

لعبة أخرى أتقنتها إستبرق أحمد في قصة “خيوط تعبة”، عملت فيها على اجتياز أزمان متعددة، بسهولة ويسر وتكنيك بتواريها وراء ثوب الحكايات·

فبلا مقدمات، تستل - على لسان الراوي - حكايات للحفيد الصغير الجالس بمحاذاتها بانتظار أمه، كي “تكشط الظلمة”، ثم تبدأ بـ “حكي” المقاطع الصغيرة المعنونة بـ “ن”، “ح”، “ي”، وأخيرا “ب”، ألم تكن أو يكن الراوي·· ينتحب؟!

كان الراوي يستحضر طفولته، ممسكا مرآة لشقاوة كانت وفرح طفولي، مارا على صور شعبية معروفة في ماضي البيئة الكويتية مثل “حوش البقر” و”لبن الصميل” وخلع الضرس بالخيط، وسطح المنزل القديم، الى أن ينتهي الراوي من “نحيبه” على ماض لا يعود إلا للتسلية أو لإهداء الحفيد صمتا لعينيه·

 

ü ü ü

 

كان يحيى حقي يقول إنه يظل أياما وشهورا يبحث عن كلمة تفي بغرض عبارته القصصية، تلك التي لا تحمل أي معنى مترهلا قد يفيض عن الحاجة أو عما في باله·

وفي “رائحة الامتداد الغامض” كانت الكلمات كذلك، لكن أظنها كانت بلا انتظارات طويلة تربك - عادة - اللغة وأجواء الحبكة أو سلاستها أو تأتي موهمة كاتبها على أنها الاختيار الغائب، وفي جميع الحالات هي تأتي بعد فوات الومض·

أضافت إستبرق أحمد في هذه القصة قدرة التوغل في تاريخ البيئة، والدخول السلس لأزمانه وأزمان الحدث، أو اختلاطها، لا يدري القارئ كيف يرتب الروائح القادمة من الماضي، و”امتداد” النسل أو الخطيئة، يجهد بطلنا في تتبع غموض الخيانة، بعد أن تأكد من خطأ أبوته لمولوده، مضيفا ثقل هذا العار الذي لحقه الى الإهانات التي يتعرض لها على يد النوخذة·

يثأر لكرامته بالانتقام من النوخذة “بوزيد”، وكأنه انتقام مرادف لأيام الخدمة وجراحات الملح وعبوديته في بيت ذاك الشيخ·

في نقلة أخرى، لا نتبينها جيدا، نستمع الى آهات بطلنا الشاب متوجعا محشورا في كيس، ومنقولا من مجهولين رموا به على أطراف الماء (إشارة الى عودته الى بيت النوخذة)، ليفاجأ بحقيقة مؤلمة جاءت على صوت ابن النوخذة:

“مضحك أنك ما شككت بأبوتي للوليد··”

نهاية خاطفة، أقرب ما تكون “للهتشكوكية” الشيقة، إلا أن لها أدواتها ولغتها وحيلها الجميلة والمبدعة··

والقادمة من “عتمة ضوء”··

 

ü ü ü

 

تحتاج المجموعة الى أكثر من قراءة والى أكثر من وقت للكتابة عنها، تلك الكتابة الراصدة لمفاتيحها وعتمتها الرائعة بغموضها، والى إشارات - لا بد منها - للتأكيد على أنها كتابة جديدة تحمل ملامح جدتها وتميزها، مع علمنا أن مثل هذا اللون الكتابي لا يحتاج الى “تأكيد”·· هو حامل بشارته بيديه·

أما إستبرق أحمد فهي اسم قادم الى ساحتنا القصصية سيعيد ترتيب خرائطها، ويكسر بعض الحدود “الرسمية” المتعارف عليها··· باسم الإبداع· نتمنى ألا تستمع لـ “نصيحة”!

هيأت نفسها هناك وجاءت بهدوء·· هل لأنها قادمة من “عتمة”··؟!

ن·م

طباعة  

وتــد
 
محاضرة
 
المرصد الثقافي
 
شعر