رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 1 محرم 1425 هـ - 21 فبراير 2004
العدد 1615

من الحماقة أن نتهم كل من ينتقد ممارساتنا ضد الفلسطينيين باللاسامية

·         يمكن للمرء أن يكون مناهضا للشيوعية أو الرأسمالية ولا يكره الصينيين أو الأمريكيين

·         الإيفانجليون الأمريكيون المتحالفون مع اليمين الإسرائيلي هم لاساميون!

·         الأندلس كانت فردوسا لليهود في ظل الحكم الإسلامي ولم ينفذ المسلمون حروب إبادة ضدهم ولم يفرضوا عليهم الدخول في الإسلام

 

بقلم يوري أفنيريü

التقى رجلان أثناء حرب الأيام الستة عام 1967 فسأل أحدهما الآخر “لماذا تبدو سعيدا هكذا؟” فرد الثاني قائلا “لقد سمعت أن الإسرائيليين أسقطوا ست طائرات سوفييتية الصنع من طراز ميغ 27”، وفي اليوم التالي، كان ذلك الرجل أكثر سعادة “لأن الإسرائيليين أسقطوا ثماني طائرات أخرى”، وفي اليوم الثالث بدا الرجل مكتئبا، فسأله صديقه “ما الذي حدث؟ ألم يتمكن الإسرائيليون من إسقاط طائرات عربية اليوم؟ أجابه “بلى، لقد فعلوا، ولكـن أحدهم أبلغني أن الإسرائيليين هم يهود”!

هذه باختصار قصة اللاسامية، فالمعادي للسامية هو الذي يكره اليهود لأنهم يهودا بصرف النظر عما يفعلون، فاليهود قد يجدون من يكرههم لأنهم أثرياء ومختالون أو لأنهم فقراء ويعيشون في أماكن قذرة، أو لأنهم لعبوا دورا محوريا في الثورة البلشفية أو لأن بعضهم أثرى ثراء فاحشا بعد سقوط النظام الشيوعي، أو لأنهم “صلبوا” المسيح أو لأنهم لوثوا الثقافة الغربية، أو لأن لا أرض لهم أو لأنهم أنشؤوا دولة إسرائيل·

ويمكن أن نجد مثل ذلك في كل أشكال العنصرية والشوفينية، حيث يكره أحدهم الآخر لكونه يهوديا أو عربيا أو امرأة أو أسود أو هنديا أو مسلما أو هندوسيا·· وفي هذه الحالة لا يهم الفعل أو الإنجاز أو الصفات الشخصية، فإذا كان شخص ما ينتمي الى إحدى هذه الفئات، فسوف يجد نفسه مكروها دون سبب منطقي أو عقلاني·

وتنبع كل الإجابات عن التساؤلات ذات العلة بمعاداة السامية من هذه الحقيقة البسيطة، فعلى سبيل المثال، هل كل من ينتقد إسرائيل هو معاد للسامية؟

بالطبع لا، فإذا وجه أحدهم الانتقادات لإسرائيل بسبب سلوكنا، لا يمكن اتهامه بمعاداة السامية لأنه فعل ذلك، ولكن إذا كان أحدهم يكره إسرائيل لأنها دولة يهودية، كذلك الرجل الذي ورد ذكره في مستهل هذه المقالة، فإنه يكون معاديا للسامية، وليس من السهل دائما التمييز بين الحالتين لأن المعادين للسامية الأذكياء سيظهرون مشاعرهم على شكل انتقاد للتصرفات الإسرائيلية·

 

نتائج عكسية

 

ولكن اعتبار كل انتقاد لإسرائيل على أنه معاداة للسامية هو أمر خطأ وذو نتائج عكسية ويلحق الضرر بالنضال ضد معاداة السامية، ومن الحماقة أن نتهم كل من ينتقد سياسات إسرائيل في الأراضي المحتلة بمعاداة السامية·

وهل يمكن لشخص ما أن يكون مناهضا للصهيونية دون أن يكون معاديا للسامية؟ بالقطع نعم، فالصهيونية حركة سياسية ويجب التعامل معها كأي حركة سياسية أخرى، ويمكن للمرء أن يكون مناهضا للشيوعية دون أن يكون معاديا للصينيين، ويمكن أن يكون مناهضا للرأسمالية دون أن يكون من المعادين للأمريكيين، ويمكن للمرء أن يكون مناهضا للعولمة أو لأي شيء آخر، ولكن - مرة أخرى - ليس من السهل التمييز بين كراهية فكرة ما أو سلوك ما وكراهية شعب أو دين أو عرق، ولأن المعادين للسامية يزعمون دائما أنهم معادون للصهيونية فحسب·

وهل يمكن لشخص أن يكون معاديا للسامية وصهيونيا؟ الجواب في الواقع هو نعم، لقد حاول مؤسس الصهيونية تيودور هرتزل الحصول على دعم الروس المعادين للسامية، واعدا إياهم بانتزاع اليهود من بين أيديهم·

والآن، يتمتع اليمين الصهيوني المتطرف ويرحب بالتأييد الواسع الذي يحظى به من الأمريكيين الإيفانجليين Evangelicals المتطرفين الذين تعتبرهم غالبية اليهود الأمريكيين - وفقا لاستطلاع نشر أخيرا - يعتبرونهم معادين للسامية، فنبوءات هؤلاء الإيفانجليين تذهب الى أن اليهود عشية العودة الثانية للمسيح، يجب أن يتحولوا الى المسيحية أو يتم استئصالهم·

هل يمكن لليهودي أن يكون معاديا للسامية؟ تبدو هذه مفارقة لغوية، ولكن التاريخ شهد بعض الحالات التي أصبح فيها يهودا من أشد الكارهين لليهود، فقد كتب كارل ماركس أشياء بغيضة عن اليهود كما فعل ذلك أوتو وينينغر، الكاتب اليهودي النمساوي الشهير·

 

ضحية للضحية

 

وإذا انتقد شخص ما دولة إسرائيل أكثر مما يفعل تجاه دول أخرى تفعل ممارسات مشابهة لما تفعله إسرائيل، هل يكون معاديا للسامية؟

ليس بالضرورة، صحيح أنه يجب أن تكون هناك معايير واحدة للحكم على الدول والأفراد، فمثلا ممارسات روسيا في الشيشان ليست بأفضل من ممارساتنا في نابلس، بل وربما تكون أسوأ منها، ولكن المشكلة أن الآخرين ينظرون الى اليهود كضحايا وكذلك صورنا أنفسنا كذلك، ولذلك يشعر العالم بالصدمة أن يتحول ضحايا الأمس الى جلادي اليوم، فنحن مطالبون بأن نتبع معايير أخلاقية أعلى من الشعوب الأخرى، وهذا مطلب مشروع·

هل أصبحت أوروبا معادية للسامية مرة أخرى؟ ليس الأمر كذلك، لم يرتفع عدد المعادين للسامية في أوروبا بل ربما انخفض، أما الذي زاد فهو حجم الانتقادات للسلوك الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين الذين يبدون كـ “ضحية للضحية”، فالوضع في بعض ضواحي باريس التي يشار إليها كدليل على تنامي معاداة السامية، فهو أمر مختلف تماما، فحين يتصادم مسلمو شمال إفريقيا مع يهود شمال إفريقيا، فإنهم ينقلون الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني الى الأراضي الفرنسية، إذن، لماذا قال معظم الأوروبيين في الاستطلاع الأخير، أن إسرائيل تشكل خطرا على السلم العالمي أكثر من أي دولة أخرى؟

هناك تفسير بسيط لذلك، فالأوروبيون يشاهدون على الشاشة الصغيرة كل يوم، ما يقوم به جنودنا في الأراضي المحتلة، فهذا الصراع يحظى بتغطية إعلامية أكثر من أي صراع في العالم “باستثناء الوضع العراقي الآن”، لأن تاريخ اليهود الطويل يجعلهم مركز اهتمام، ولأن إسرائيل أقرب الى الإعلام الغربي من الدول الإسلامية أو الإفريقية، والمقاومة الفلسطينية التي تعتبرها إسرائيل إرهابا، هي في نظر الأوروبيين أشبه بالمقاومة الفرنسية للاحتلال النازي·

وماذا عن الإشارات المعادية للسامية في العالم العربي؟ ما من شك في أن النقاشات العربية حافلة بإشارات معادية للسامية - وغني عن القول إن “بروتوكولات حكماء صهيون” قد نشرت في العالم العربي باللغة العربية·

 

فيروس العنصرية

 

وأيا كانت التفاهات التي يعبر عنها بعض “الخبراء” إلا أنه لم يحدث أن كانت المشاعر المعادية للسامية أكثر مما هي عليه الآن في العالم العربي والإسلامي، ومع ذلك فإنها لم تصل الى ما كانت عليه في أوروبا المسيحية في الأربعينيات من القرن الماضي، فقد خاض النبي محمد صلى الله عليه وسلم الحرب ضد قبائل يهودية مجاورة (لمكة المكرمة)، وبالتالي نجد هناك بعض الإشارات السلبية عن اليهود في القرآن الكريم، ولكن لا يمكن مقارنة هذه الإشارات بما ورد عن اليهود في العهد الجديد من الكتاب المقدس والتي سممت مشاعر الغرب المسيحي ضد اليهود، لقد كانت الأندلس في ظل المسلمين فردوسا لليهود ولم يحدث أن وقعت حرب إبادة ضد اليهود في العالم الإسلامي·

ولم يسبق أن حاول المسلمون فرض دينهم على اليهود والمسيحيين بالقوة، ويؤكد ذلك حقيقة أن اليهود الذين طردوا من إسبانيا الكاثوليكية استقروا في دول إسلامية وازدهروا فيها·

وهل كانت تصريحات رئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد معادية للسامية؟ الجواب: نعم ولا، إنها في الواقع تمثل نموذجا لصعوبة التمييز بين انتقاد ممارسات إسرائيل ومعاداة السامية، فمن الناحية الواقعية كان الرجل على حق حين أشار الى أن اليهود يتمتعون بنفوذ يفوق نسبتهم العددية من بين سكان العالم، وصحيح أن اليهود لهم تأثير هائل على سياسات الولايات المتحدة وعلى الإعلام الأمريكي والعالمي، ولكن الأصوات هي التي تصنع الموسيقى وبدت موسيقى مهاتير معادية للسامية·

هل ينبغي لنا تجاهل معاداة السامية؟ بالتأكيد، لا، فالعنصرية أشبه بالفيروس الموجود في كل أمة وفي كل كائن بشري، فقد قال جون بول سارتر “إننا جميعا عنصريون، وإن الفارق هو أن بعضنا يدرك ذلك ويقاتل ضده بينما يرضخ آخرون للشر”، في الأوقات العادية، هناك أقلية من العنصريين السافرين يظهرون في كل بلد ولكن في أوقات الأزمات، يتنامى عددهم بسرعة، وهذا خطر محدق بالجميع، وعليهم مقاومة العنصريين من بين ظهرانيهم·

ونحن الإسرائيليين شعب كباقي الشعوب، وكل منا قد يعثر على عنصري صغير في ذاته، فلدينا متطرفون يكرهون العرب، والمواجهة التاريخية التي تهيمن على حياتنا يمكن أن تزيد من قوة ونفوذ مثل هؤلاء، ومن واجبنا مقاومتهم وأن يفعل العرب والأوروبيون الشيء ذاته للعنصريين في مجتمعاتهم·

 

“ عن الهيرالدتريبيون “

* رئيس حركة غوش شالوم للسلام وعضو سابق للكنيست الإسرائيلي

 

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

طباعة  

فصل آخر من التجاوزات·· هاليبورتون تعترف:
أحد موظفينا تقاضى 3,6 مليون دولار رشوة من إحدى الشركات الكويتية

 
الغرب مسؤول عن فشل التحول الديمقراطي في العالم العربي