
· الولايات المتحدة تشكل %5 من سكان العالم لكنها تستأثر بـ %26 من الاستهلاك العالمي للنفط
· أمريكا كانت تعتمد على شاه إيران في تأمين إمدادات النفط ثم على السعودية والآن على العراق
· الحرب الأهلية في السودان خلال عشرين عاما: مليونا قتيل و4,5 مليون معاق ومليون مشرد
· سيطرة أمريكا على نفط العراق تمكنها من التحكم في الأسواق وإضعاف نفوذ “أوبك”
· خيرات النفط في نيجيريا تقتصر على النخبة الحاكمة وشركات النفط الأجنبية
· واشنطن قدمت الدعم لصدام حين كان في ذروة خطورته وإجرامه
· حكومات الدول النفطية لا تحتاج الى قاعدة جماهيرية ولذلك يشيع فيها الفساد والرشوة والإنفاق العسكري لقمع المعارضة
بقلم مايكل رينرü
يعتبر النفط أهم من أي سلعة أخرى إذ إنه يشكل شريان الحياة للنظم الاقتصادية الحديثة والمحرك للآلات العسكرية، وهو مصدر ربح وفير وقوة سياسية عظيمة ولقد بذلت القوى العظمى في القرن الماضي قصارى جهودها لتأمين مصادره والتحكم بشروط تداوله، وفي سعيهم الى الذهب الأسود، قام قادة العالم بإنشاء المستعمرات ودعم الأنظمة الديكتاتورية الخاضعة لأوامرهم والتآمر ضد من يقف في طريق الوصول إليه وتسليح الدول الغنية بالنفط من دون أدنى اهتمام بأثر ذلك على شعوبهم أو الأنظمة البيئية، وتعتبر كل من بريطانيا وفرنسا من أوائل القوى الاستعمارية التي سعت الى تقسيم الشرق الأوسط الغني بالنفط فيما بينهما وسرعان ما انضمت الولايات المتحدة الى هذا النزاع، ويعتبر الاحتلال الأمريكي الحالي للعراق الفصل الأخير في إثارة انتباه العالم الى التاريخ العنيف للسيطرة على منابع النفط لكن تسبب مثل هذه النزاعات على النفط حول العالم في اندلاع الحروب وإزهاق الأرواح باستمرار، وتعتبر الولايات المتحدة مدمنة على النفط بشكل لا يضاهى من قبل أي دولة أخرى في العالم ويعتقد غالبية الأمريكيين أن لبلادهم حقا طبيعيا في مثل هذا الاستهلاك غير المحدود في الوقت الذي ترعى فيه الشركات توفير كميات كبيرة من النفط، ويشكل الانتشار الواسع وما يترتب عليه من الاعتماد على وسائل النقل الحديثة جزءا كبيرا من احتياجات الطاقة اليومية في الولايات المتحدة، بينما يبقى نظامها الاقتصادي أقل كفاءة من حيث استهلاك الطاقة مقارنة باليابان وغيرها من الدول الصناعية في أوروبا·
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تشكل ما يقارب نسبة %5 من تعداد العالم السكاني إلا أنها تستهلك %26 من حاجات العالم النفطية ومن المتوقع ازدياد استهلاك الولايات المتحدة من النفط بما يقارب الثلث في العقدين القادمين في الوقت الذي ينحدر فيه إنتاجها المحلي من النفط منذ العام 1970 ومن المتوقع استمرار هذا الانخفاض بنسبة %12 في غضون العشرين سنة القادمة، وخلاصة الأمر تتمثل في استمرار تزايد اعتماد الولايات المتحدة على النفط المستورد والذي ارتفع أصلا بنسبة الثلث منذ العام 1985 وإلى النصف حاليا، إلى ما يقارب الثلثين بحلول عام 2020·
تبعية الخليج لأمريكا
على الرغم من بذل الولايات المتحدة وغيرها من الدول الصناعة جهودا كبيرة في محاولة لتنويع مصادر استيرادها للنفط إلا أن الشرق الأوسط وبالتحديد الخليج العربي يظل أغنى مناطق العالم بالنفط إذ تساهم منطقة الشرق الأوسط بنحو %30 من إنتاج النفط وبأكثر من %40 من صادراته، ومن المؤكد ازدياد هذه الأهمية إذ يتركز فيها ثلثا احتياطي العالم من النفط تقريبا·
ويمكننا استنتاج بعض الحقائق من خلال استقراء معدل الاستكشافات النفطية خلال العقود الأخيرة، ففي الستينات تم اكتشاف نحو 47 مليار برميل من النفط في السنة الواحدة إلا أن الشركات النفطية اضطرت لاحقا للتنقيب عن النفط خارج منطقة الشرق الأوسط بسبب تأميم حقول النفط في معظم دول منظمة الأوبك ما أدى إلى الهبوط الحاد إلى 35 مليار برميل في السبعينات و 24 مليار برميل في الثمانينات ونحو 14 مليار برميل خلال التسعينيات·
ولقد قطعت الولايات المتحدة شوطا كبيرا للمحافظة على سيطرتها على سوق النفط العالمي خلال نصف القرن الماضي واستثمرت أموالا طائلة لإبقاء منطقة الخليج العربي الغنية بالنفط تدور في فلكها السياسي وسعت لتحقيق هذا الهدف عن طريق دعم بعض الأنظمة بالأسلحة ومنحها المصداقية وإنشاء قواعد عسكرية في المنطقة وإطاحة أو تهميش أولئك الذين يعارضونها والتأثير على مسارات تجارة النفط وخطوط التصدير وممارسة هيمنة تامة على الخطوط البحرية التي يتم نقل معظم نفط العالم عبرها·
ولطالما ترافق تأمين إمدادات النفط بادعاء السعي نحو السلام وحقوق الإنسان والديمقراطية ففي السبعينيات كان شاه إيران “شرطي الغرب” في منطقة الخليج العربي بمساندة عسكرية حديثة من الولايات المتحدة وحلفائها إلى أن أطاحت به الثورة الإسلامية عام 1979 ومن ثم ردت واشنطن بضخ كميات متزايدة من الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية ملتمسة بذلك إنشاء قواعد عسكرية جديدة في المنطقة وأناب العراق عنها في هذا الجانب بشكل أو بآخر، إذا غضت الولايات المتحدة طرفها عن غزو الرئيس العراقي السابق صدام حسين لإيران عام 1980 كونها تتوق لكبح النظام الثوري في طهران ما أدى إلى سقوط مئات آلاف القتلى من كلا البلدين على مدى ثماني سنوات وإهدار مئات المليارات من الدولارات العائدة من النفط على حرب وصلت في النهاية إلى مأزق وحين بدا احتمال هزيمة العراق، وفر الرئيس الأمريكي رونالد ريغان دعما حاسما للعراق على صورة قروض سلع وضمانات قروض ومبيعات أسلحة سرية وغير مباشرة ومعلومات عن تحركات القوات الإيرانية في ساحة المعركة إلى حد تنفيذ هجمات على البحرية الإيرانية، وباختصار دفعت المصالح النفطية والظروف السياسية الولايات المتحدة إلى دعم صدام حسين في ذروة خطورته وإجرامه وتم توفير المساعدة لبغداد على الرغم من علم مسؤولين كبار في واشنطن في ذلك الوقت باستخدام العراق للأسلحة الكيماوية·
ولقد مهد التدخل غير المباشر، الطريق للتدخل المباشر في المنطقة لاحقا عقب احتلال العراق للكويت العام 1990وبانتهاء حرب الخليج عام 1991 زودت الولايات المتحدة المملكة العربية السعودية وحليفاتها من دول الخليج بكميات ضخمة من الأسلحة عالية التقنية وتقدر قيمة الأسلحة منذ العام 1990 بما يزيد عن 100 مليار دولار ما يعكس الوضع الذي ساد في السبعينيات والثمانينيات عندما كان العراق وإيران أكبر مستخدمي الأسلحة، وتحولت دول الخليج إلى أراض للتدخل العسكري الأمريكي خلال التسعينيات وبتسهيلات تم توفيرها عندما شن الرئيس جورج بوش الحرب على العراق عام 2003·
المنافسة للسيطرة على العراق
لقد تمت عملية الغزو لعدد من الأسباب على الرغم من عدم الإعلان عنها من قبل إدارة بوش· فالنفط العراقي وفير وإنتاجه غير مكلف ونوعيته ممتازة ما يجعله غنيمة حرب سهلة المنال ويسهل تشكيل عراق تابع للولايات المتحدة من سيطرة واشنطن على منطقة الخليج العربي·
ومن المتوقع أن يفتح بلد محطم كالعراق يتلهف لإعادة البناء الباب على مصراعيه لتدفق النفط بمجرد إصلاح التجهيزات المدمرة بسبب الحرب فالقطاع النفطي العراقي يوجد في دولة منهكة بسبب 12 عاما من العقوبات الاقتصادية والتي واكبتها عمليات نهب واسعة النطاق، وقد تدفع المقاومة الشرسة للاحتلال الأمريكي بالقطاع النفطي العراقي إلى أبعد مما توقعه مخططو الحرب الأمريكيون، فعراق ما بعد صدام حسين على وشك أن يسيطر علىه احتلال ذو أهداف استعمارية وممارسات رأسمالية فالشركات التي حصلت على عقود مربحة لإعادة الإعمار هي عينها المقربة وعلى علاقة وثيقة مع أركان إدارة بوش·
وسوف يلبي الازدياد الكبير في إنتاج النفط العراقي عقب إعادة الإعمار الطلب المتزايد على النفط من قبل إدارة بوش ويعزز بذلك نظام الطاقة العالمي المعتمد على النفط وعلى الرغم من إمكانية إضعاف الجهود الرامية للوصول إلى مصادر طاقة طويلة الأمد فإن هذا سيقوي من سيطرة واشنطن على سوق النفط العالمي ويحد من تأثير منظمة البلدان المصدرة للنفط “أوبك”، وبالإضافة إلى ذلك فسوف تقلل سيطرة أمريكا على العراق من الاعتماد الأمريكي على المملكة العربية السعودية فعلى الرغم من العلاقات الجيدة بين البلدين منذ الأربعينيات فقد أصبح من المتعذر الاعتماد على التحالف مع السعوديين عقب الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001 على مركز التجارة العالمي والبنتاغون بسبب الاتهامات الأمريكية للمملكة بدعم الجماعات الإسلامية المتطرفة واعتقادهم وجود حالة من عدم الاستقرار الداخلي في السعودية·
ولطالما شكل الفوز بثروة الموارد العراقية الضخمة حافزا للمنافسة ما بين الشركات النفطية مما دفع الولايات المتحدة إلى إبعاد المنافسين الأجانب بواسطة القوة الحربية لتعود بالنفع على قطاع الأعمال فيها فلقد بدأت شركات نفطية من روسيا وفرنسا والصين غيرها من الدول الاستعداد قبل الإحاطة بصدام حسين للعمل في العراق بعد رفع العقوبات الاقتصادية ولو رفعت العقوبات دون تغيير النظام العراقي لكانت الشركات الأمريكية خارج هذه الدائرة خصوصا بعد تخفيف الأمم المتحدة من تلك العقوبات في السنوات الأخيرة، فقد أجبرت الكارثة الإنسانية في العراق مجلس الأمن على رفع سقف الإنتاج العراقي من النفط في فبراير 1998 ومن ثم إزالته تماما في ديسمبر 1999·
ولكن وفقا لقرار مجلس الأمن 1483 الصادر في مايو 2003 اكتسب المحتلون سيطرة واسعة على القطاع النفطي العراقي وانفردوا بسلطة صنع القرار بشأن استخدام عائدات النفط دون أي مشاكل قانونية، وكما بدأت الولايات المتحدة بالحض على خطوات لتخصيص واسع للاقتصاد العراقي لتلائم أهداف إدارة بوش التي أعدت، قبل بدء الحرب خططا واسعة لمبيعات الأصول النفطية وحقوق الامتياز والتأجير وإدارة العقود الخاصة بالاقتصاد العراقي بما فيه القطاع النفطي وقد بنيت هذه الخطط على أساس الحصول على “الإجماع” على الخصخصة في السنة الأولى من الاحتلال يعقبها نقل الأصول خلال الثلاث سنوات اللاحقة·
ولايتم الحديث عن القطاع النفطي حاليا فمن القوانين المعلنة حديثا والتي تسمح للشركات الأجنبية بامتلاك غالبية أسهم الصناعات العراقية ما يعكس حقيقة عدم تقبل غالبية العراقيين لمثل هذه الخطط ومع هذا فقد كرر مسؤولون أمريكيون وحلفاؤهم من العراقيين سواء قبل أو بعد الغزو تصريحات تشير إلى أن شركات النفط الأجنبية وبالأخص الشركات الأمريكية سوف تحصل على حصة كبيرة من النفط العراقي وبافتراض مثل هذه النتيجة، فمن الذي سيحظى بامتياز الحصول على ثروة العراق؟ وإلى أي مدى ستظل العقود التي حصلت عليها روسيا وفرنسا والصين في ظل نظام صدام سارية المفعول؟ فقد سرت تهديدات مبطنة قبل الحرب باستبعاد الشركات التي ترفض حكوماتها دعم الغزو وعليه فإن الشركات الأمريكية والبريطانية مثل “أكسون موبيل” و “تكساسو” و “بيبي” و “شل” والتي كانت قد خسرت حصصها بسبب التأميم في العام 1972 هي الرابحة نتيجة لهذا التغيير·
من المحتمل ألا يتم استبعاد كلي للدول المعارضة إذا ما أقرت بشرعية الحكام الجدد للعراق لكن النمط الذي يتم التعامل من خلاله مع عقود إعادة الإعمار حتى اليوم يعكس مبدأ سيطرة المنتصر على كل شيء السائدة في واشنطن فمثلا أعلن البنتاغون في 9 ديسمبر 2003 منع الشركات الفرنسية والألمانية والروسية من تقديم العطاءات للحصول على العقود الممولة أمريكيا “لحماية المصالح الأمنية الأساسية للولايات المتحدة”·
سباق جيوسياسي
يعتبر تنافس الشركات جزءا من الصورة فلقد دفع الطلب المتزايد من قبل أكثر الدول استيرادا للنفط على ممارسة مزيد من الضغط للحصول على منفذ إلى النفط في الشرق الأوسط أو غيره من المناطق، وبفضل توفر النفط في بحر الشمال كانت الدول الأوروبية هي الوحيدة المسيطرة على تنامي استهلاك النفط فيها إذ أدى إلى تقليل الاستيراد بنحو %8 أي ما يعادل 8 ملايين برميل يوميا في الوقت الذي استوردت فيه الولايات المتحدة من النفط ما يفوق احتياجات أوروبا في أوائل التسعينيات بسبب استهلاكها الكبير للنفط، ولأول مرة تستورد الولايات المتحدة من منطقة الخليج العربي من النفط أكثر من أوروبا في العام 2001 نتيجة ازدياد واردات أمريكا من النفط بنسبة %65 خلال العقد المنصرم·
وفي هذا الوقت تدخل الصين إلى الصراع بينما يعاني اقتصادها فإن مواردها غير كافية لسد الطلب المتنامي ويزداد اعتمادها أكثر فأكثر على الواردات ولذا يثير الشرق الأوسط اهتمام بكين وبدأت الشركات النفطية الصينية مؤخرا السعي لتأمين النفط من حوض بحر قزوين في آسيا الوسطى·
وتتنافس شركات النفط العالمية الرائدة والقوى الصناعية العظمى للحصول على النفط من خارج الشرق الأوسط من دول في غرب إفريقيا كالنيجر وأنغولا وتشاد بالإضافة إلى بحر قزوين ومع ازدياد اعتماد القوى الصناعية على استيراد النفط فمن المحتمل أن يؤدي التنافس إلى مواجهات وتدخلات من القوى الكبرى لتأمين أنظمة تابعة لها في الدول المصدرة·
وسواء في الشرق الأوسط أو غيره من المناطق، يسير تأمين منفذ إلى النفط وخطوطه وممراته البحرية جنبا إلي جنب مع التوسع السريع للتواجد العسكري الأمريكي فقد برزت شبكة منشآت وقواعد عسكرية أميركية بدءا من باكستان إلي اسيا الوسطى والقوقاز ومن شرق البحر الأبيض المتوسط إلى القرن الإفريقي وكلها أنشئت باسم “الحرب على الإرهاب”·
وها هي الولايات المتحدة تتورط أكثر فأكثر في الحرب الأهلية في كولومبيا، فقد قررت إدارة بوش توفير التدريب والمعدات للقوات الكولومبية التي تحمي خط تصدير النفط في مواجهة القصف المتكرر من قبل القوات المتمردة·
النفط والحروب الأهلية
تشعل عائدات النفط الحروب الداخلية في عدد من الدول النامية بما فيها كولومبيا والسودان ومؤخرا أنغولا، بينما تؤدي استثمارات النفط والغاز في دول أخرى كنيجيريا وإندونيسيا إلي نزاعات ومظاهرات وقمع بسبب سيطرة النخبة المحلية والمستثمرين الأجانب على معظم الأرباح في الوقت الذي يعاني فيه بقية الشعب من تحمل الأعباء الاجتماعية والاقتصادية والبىئية المصاحبة لإنتاج النفط·
لماذا تقع بعض الدول فريسة للصراعات التي تدور حول النفط؟ قد تتحول نعمة موارد الطاقة المتوافرة إلى عواقب اقتصادية سلبية، وكلما تزايد اعتماد هذه الدول على مواردها يقل استثمار الأموال في مجالات اقتصادية مهمة مثل التعليم والصحة وتفشل بالتالي في تنويع مواردها الاقتصادية·
وتؤدي صناعة النفط وغيرها من صناعات استخلاص الموارد إلى خلق جيوب من الثروة ضعيفة الارتباط بالاقتصاد المحلي وبازدياد اعتماد الدول على تصدير النفط تقل إنجازاتها في جوانب التنمية البشرية وتحديدا في معدلات وفيات الأطفال ومتوسط عمر الفرد وتعليم الأطفال كما أنها تشهد مستويات أعلى من عدم التكافؤ بين الأغنياء والفقراء مقارنة بدول أخرى ذات مستويات دخل مقاربة·
وهذا ليس محض مصادفة، فالمجتمعات التي تتحكم يعتبر فيها النفط هو المصدر الرئىس للدخل تعاني من الحكم الضعيف بسبب عدم اعتماد مثل هذه الأنظمة على العائدات من نظام عريض القاعدة من الضرائب مما يجعلها في غنى عن قبول ألا تحظى بالمصداقية ولذا يشيع الفساد والرشوة وتنفق حكومات الدول الغنية بالنفط نسبة عالية من الدخل على الأمن الداخلي إذ تقوم بشراء الأسلحة وتجهيز قوة عسكرية كبيرة لقمع الحركات الديمقراطية وغيرها من التهديدات لسلطتها وفي مثل هذه المواقف يرعى الحكام ويتلاعبون بميل هذه النزاعات بين التكتلات والأحزاب والجماعات العرقية المختلفة كوسيلة للتشبث بالسلطة، إلا أن هذا يزيد من حدة التوتر داخل المجتمع لأن الجماعات الساخطة والمضطهدة تتجه بشكل متزايد نحو التظاهر وأحيانا إلى أعمال العنف ومن هنا يبرز المنافسون لتحدي القيادة ذات السمعة السيئة ويستخدم تجار الجريمة عديمو الرحمة العنف لتحقيق أهدافهم إذا ما أحسوا بالفرصة سانحة للنهب والسلب، إذ إن السيطرة على مورد ثمين في بلد نام يفتقر إلى اقتصاد متنوع الموارد يشكل التذكرة الرابحة للثروة والسلطة·
كولمومبيا
على الرغم من اشتعال الحرب الأهلية في كولومبيا في الأربعينيات بسبب الظلم الاجتماعي والاختلافات الفكرية إلا أنها تحولت الآن إلى صراع حول الموارد الطبيعية من الكاكاو والنفط الخام وتزداد أهمية عائدات النفط بالنسبة للصراع الدائر فقد تحولت كولومبيا إلى دولة مصدرة للنفط في عام 1986، ويساهم النفط الآن بنحو ثلث عائدات صادرات البلاد فهو مورد مهم للدولة بخاصة نتيجة الضغوطات التي يفرضها صندوق النقد الدولي لتسريع عملية تطوير قطاع النفط كي تتمكن كولومبيا من دفع ديونها الخارجية·
وتقوم الجماعات الإرهابية مثل Farc و Eln باقتطاع الأموال من شركات النفط وغيرها فمنطقة Eln مثلا تفرض ضريبة %5 على جميع مشاريع الأشغال العامة في إقليم “أروكا” الغني بالنفط لكن المتمردين يسعون إلى استقطاع الدخل الحكومي كذلك عن طريق عرقلة تدفق النفط وإعاقة الاستثمارات الأجنبية في القطاع النفطي فقد فجر المتمردون خط أنابيب “كانوليمون” المهم مئات المرات منذ عام 1986 والذي يمتد مسافة 480 ميلا من الحدود الفنزويلية إلى ميناء “كوفيناس” الكولومبي في البحر الكاريبي والذي تملكة كل من شركتي “أكوبترول” و “أوكسيدنتال بتروليم” والتي مقرها في لوس أنجلوس وينقل هذا الخط قرابة 35 مليون برميل سنويا، وعلى مدى السنوات أهدر 2,6 مليون برميل من النفط بسبب الهجمات وبينما حرصت منظمة Eln على تفادي تعطيل الخط كليا لم يكن لدى منظمة Farc التي سعت لتجريد منظمة Eln المنافسة لها من أموال الضرائب على النفط أي عائق فقامت خلال العام 2001 بتعطيل الخط عن العمل برقم قياسي وصل إلى 266 يوم وخسائر وصلت إلى 600 مليون دولار·
وحاولت الحكومة حماية الخط من هجمات المتمردين لا للمحافظة على انتظام تدفق النفط وعائداته بل لضمان استمرار استثمارات التنقيب من قبل شركات النفط الأجنبية وفرضت عام 1992 ضريبة حربية وصلت إلى أكثر من دولار لكل برميل على شركات النفط الأجنبية لتمويل الجيش للدفاع عن خط الأنابيب وغيره من المنشآت النفطية لكن الحكومة تعتمد بشكل أكبر على دعم واشنطن إذ تتبع إدارة بوش بناء على مطالب من شركة “أوكسيدنتال بتروليم” سياسة مشابهة لتلك التي انتهجها الرئيس السابق بيل كلينتون بتوفير الدعم المتنامي للجيش الكولومبي في محاولة مزدوجة تسعى إلى الحد من إنتاج الكوكايين وحماية تدفق النفط، وتتورط الولايات المتحدة نتيجة لذلك أكثر فأكثر في الحرب فقد طلبت الإدارة في السنة المالية 2003 مبلغ 573 مليون دولار·
كمساعدات لكولومبيا من ضمنها 98 مليون دولار لتدريب ودعم فرقة مكونة من 2000 إلى 4000 جندي من الجيش الكولومبي لحماية خط أنابيب “كانو ليمون”·
ويمر الخط شمال تجمع “أوا” القروي في شمل شرق كولومبيا الذي قاوم منذ التسعينات بمساندة من المنظمات المتضامنة معه، محاولات “أوكسيدنتال بتروليم” للتنقيب عن النفط في أراضي أجدادهم المجاورة لمحميتهم، لكن الحكومة منحت “أوكسيدنتال” تصريحات بالحفر دون الرجوع إلى “أوا” ما يعد مخالفة للقانون الكولومبي وتم قمع التظاهرات التي أعقب صدور هذا التصريح من قبل الشرطة والجيش، وفي نوفمبر 2001 بدأت “اوكسيدنتال” عمليات الحفر بحماية آلاف من قوات الجيش لكنها أعلنت في مايو 2002 عن تخليها عن موقع الحفريات بعد فشلها في العثور على مكنونات نفطية بكميات تجارية·
أنغولا
كانت أموال العائدات النفطية سببا لتوفير الأسلحة وإشعال نار الحرب الأهلية التي انتهت منذ وقت قريب حتى بعد فقد الجهات المتحاربة للمساندة الأجنبية، وتعد أنغولا ثاني أكبر دولة منتجة للنفط في إفريقيا جنوب الصحراء فقد تضاعف إنتاجها من النفط سبع مرات إلى نحو 900 ألف برميل يوميا ما بين عامي 1983 و 2002 وبينما تمول قوات متمردي يونيتا نفسها عن طريق ودائع استثمار الماس كانت الحكومة تستغل عائدات النفط من أجل بناء قوة عسكرية كبيرة·
وتعمل كثير من شركات النفط الكبرى في العالم بما فيها “شيفرون” و “بي بي” و “أكسون موبيل” و “أي ال اف اكويتين” في أنغولا وعلى ما يبدو فإن جزءا كبيرا من مبلغ التسعمئة مليون دولار الذي قامت بدفعه هذه الشركات للحصول على حقوق التنقيب وإنتاج النفط في أواخر التسعينيات تم استخدامه لشراء الأسلحة ومنح اتحاد الشركات الذي يضم شركات متورطة بصفقات الأسلحة شركتي أي ال اف واكسون·
في حين لجأت الحكومة الأنغولية منذ منتصف الثمانينيات إلى تأمين القروض من البنوك الدولية مقابل رهن الإنتاج النفطي المستقبلي لتنفق كثيرا من هذه القروض عالية الفائدة على التسلح ونتيجة لذلك يتدفق جزء كبير من العائدات النفطية إلى حساب تسهيلات الديون في بنك أجنبي وفي الواقع فإن معظم الربح العائد من النفط يتدفق خارج الميزانية الرسمية بسبب القليل من المسؤولية المالية والكثير من الفرص السانحة للفساد إذ يقدر ما يتم تحويله في السنوات الأخيرة لإغناء أفراد الحكومة والنخبة القلائل بأكثر من مليار دولار·
وتعادل نفقات الحرب ثلاثة أضعاف ما ينفق على البرامج الاجتماعية ضعيفة التمويل، وتدفع أنغولا الآن ضريبة ربع قرن من الحرب والإهمال الاجتماعي العام والتي تعدها منظمة رعاية الطفولة التابعة للأمم المتحدة الآن “أسوأ مكان يمكن لطفل أن يعيش فيه”· إذ يموت ما يقارب %30 من أطفال أنغولا قبل بلوغ سن السادسة ويقل وزن نصف عدد الأطفال تقريبا عن الحدود الطبيعية ولا يستطيع ثلث الأطفال ممن بلغوا السن المحددة التعلم في المدرسة وحال البالغين ليست بأفضل من حال الأطفال إذ يبلغ الدخل اليومي للبالغ في أنغولا أقل من دولار بينما تصل نسبة الأمية فيما بينهم إلى %42 وتقلل المياه غير الصالحة للشرب والعجز العام في الخدمات الصحية ونقص الأغذية متوسط الأعمار إلى 47 عاما إذ لا يمكن لنحو %68 من السكان الحصول على مياه صالحة للشرب ويعجز %80 عن الحصول على خدمات طبية أساسية، واحتلت أنغولا المرتبة 161 على قائمة برنامج الأمم المتحدة للتنمية والذي يعد مقياسا للتطور الاقتصادي والاجتماعي من بين 173 دولة·
السودان
اندلعت الحرب الأهلية في السودان ما بين الشمال والجنوب في عام 1983 وأسفرت عن أكثر من 2 مليون قتيل ومليون لاجىء و 4,5 مليون معاق وفيما لعبت عدة عوامل دورا في بدء اندلاع الحرب إلا أن اكتشاف كميات كبيرة من النفط عام 1980 كان أهمها، فقد ادعت الحكومة في الخرطوم والتي يسيطر عليها الشمال سيطرتها على الحقول النفطية الواقعة في الجنوب وساهمت عائدات النفط البالغة 400 مليون دولار سنويا في زيادة النفقات العسكرية إلى ثلاثة أضعاف وزيادة الواردات الحربية مولت إنتاج السلاح في الداخل فمثلا اشترطت اتفاقية عقدت في يناير 2002 مساعدة روسيا في تطوير حقول النفط بينما يقوم السودان بشراء الأسلحة الروسية وتجميع دبابات القتال روسية التصميم ولكي تتمكن من إخلاء السكان والسيطرة على مناطق إنتاج النفط والمناطق المحتمل وجوده فيها فقد نفذت قوات الحكومة السودانية سياسة الأرض المحروقة من خلال القصف الجوي للقرى وتدمير المحاصيل وسرقة الماشية ومنع وصول المساعدات الإنسانية وعليه قام “الجيش الشعبي لتحرير السودان” باستهداف التجهيزات النفطية بالإضافة الى الحصول على أسلحة أكثر تطورا ما أدى الى معارك أشد أسفرت عن عدم استقرار الوضع الغذائي للمدنيين وعمليات نزوح كبيرة لكنه لم يستطع وقف تدفق النفط السوداني الى الأسواق العالمية وأخيرا وقع الجانبان اتفاقا لإنهاء الصراع بسبب الضغوط الدولية المتزايدة·
نيجيريا
تعد نيجيريا إحدى أهم دول إنتاج النفط في العالم لكن النفط فيها يخدم الأقلية من النخبة ومصالح شركات النفط الأجنبية الكبيرة في حين تحول الى كارثة بيئية ومشاكل صحية وفقر للسكان في المناطق المنتجة للنفط والذين تعودوا العيش على صيد السمك والصيد البري وزراعة المحاصيل وإنتاج زيت النخيل، وعلى الرغم من بيع نيجيريا ما قيمته مئات المليارات من الدولارات من النفط إلا أن الفقر يزداد ما بين غالبية السكان، وتشكل دلتا النيجر التي يتم فيها إنتاج النفط أعظم مناطق أفريقيا المائية والتي تضم غابات واسعة وبيئة لعدد من النباتات والحيوانات النادرة لكن الممارسات الصناعية الخاطئة والإشعال المستمر للغاز الطبيعي بالإضافة الى تسرب النفط من خطوط الأنابيب القديمة وتسرب المخلفات السامة من حفرها ألقى بخطره على التربة والزراعة والمياه والهواء وصحة الإنسان، وتشكو التجمعات المحلية من مشاكل في التنفس والطفح الجلدي والأورام ومشاكل الجهاز الهضمي والسرطان كما أنهم يعانون من انحدار رهيب في معدلات صيد الأسماك والمحاصيل الزراعية·
وقام السكان خلال التسعينيات بعدد من المظاهرات الموجهة ضد شركات النفط متعددة الجنسيات في نيجيريا والتي استهدفت المنتج الرئيسي فيها ألا وهي شركة “رويال دتش شل” بالإضافة الى شركات “شيفرون” و”موبيل” و”أي ال اف” الفرنسية و”أي جي آي بي” الإيطالية وتشكل قبيلة “أوجوني” إحدى تجمعات دلتا النيجر التي لفتت أنظار العالم لهذه القضية هذه إذ نظمت “حركة المحافظة على بقاء الشعب الأوجوني” مظاهرات عارمة نجحت بوقف عمليات شركة “شل” في منطقة “أوجوني” عام 1993 ورد نظام الحكم الديكتاتوري بحملة من العنف والتهديد الاضطهاد ضد عدد من الجماعات العرقية في الدلتا والتي أسفرت عن مقتل 2000 ونزوح 8000 من الأوجونيين، واعتقل قادة الحركة أو اضطروا للفرار، وفي عام 1995 قام النظام الحاكم بإعدام الناطق باسم الحركة كن سارو ويوا·
وبمساعدة السياسات ضعيفة التطبيق والحكومات المستبدة تطاولت شركات النفط على قوانين نيجيريا البيئية وتملصت من دفع تعويضات عن الأضرار لتجمعات الدلتا·
وينكر ممثلو الشركات علمهم بسياسات الحكومة القمعية لكن الشركات غالبا ما تستدعي قوات الأمن للتدخل لصد المتظاهرين العزل وقمعهم، وجاء في تقرير أن القوات الحكومية استخدمت مروحيات شركة “شيفرون” للهجوم على المتظاهرين العزل عام 1998، وتتهم شركتا “أي ال اف” و”أي جي آي بي” بالتحريض على الهجمات الطاحنة ضد تظاهرة نسائية وقرى كاملة رفضت السماح باستمرار الحفريات للتنقيب عن النفط، ويذكر أن شركة “شل” قدمت مساعدات مالية وتسليحية لمنظمات شبه عسكرية في الأراضي الأوجونية·
وأتاحت وفاة الديكتاتور العسكري ساني أباتشا في يونيو عام 1998 انتقال السلطة الى حكومة منتخبة في عام 1999 وطبقا لمنظمة حقوق الإنسان فقد “خفف هذا من الاضطهاد غير المسبوق الذي عانى منه الشعب في نيجيريا” وقامت الحكومة بسحب قوات الأمن الداخلي المثيرة للرعب من الأراضي الأوجونية لكن انتهاكات حقوق الإنسان مستمرة ضد من يحاولون التظلم في المناطق المنتجة للنفط ولم تتوقف على الرغم من تغير الأحوال في الدلتا قليلا·
الاعتماد على النفط
يرتبط استغلال النفط في العراق أو كولومبيا أو النيجر بالعنف سواء كان بسبب قوة عظمى أو نتيجة صراعات داخلية، وعلى الرغم من اختلاف المحرضين والمواقف المتعلقة بالعنف من بلد لآخر، تتشابه كل هذه الحالات في أمر واحد هو تسخير النفط لخدمة مصالح القوى والقلة من النخبة في الحكومات والشركات بالقدر نفسه الذي يعتبر فيه المحرك الأساسي للاقتصاد العالمي·
وفي الوقت الذي تعتبر فيه الشخصيات الأساسية في هذه الرواية حكومات العالم الثالث وملوك الحرب والقوات المتمردة يظل الطلب المتزايد من البلدان الصناعية هو الذي يجعل من النفط غنيمة تستحق الصراع للفوز بها، ولا تهتم هذه الدول المستهلكة بتاتا بمدى العنف والمعاناة الناشئة في البلدان المصدرة·
ü مايكل رينر هو باحث كبير في معهد “ورلد وتش” ومدير مشروع الكتاب السنوي بعنوان “علامات مهمة” مجموعة النزعات المهمة في العالم الذي يصدره المعهد وهو مؤلف كتاب “تشريح الحروب من أجل الموارد” لدراسة للمعهد عام 2002·
عن فورن بوليسي إن فوكس
Foreign policy in focus
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com