· مسألة اللجوء للأمم المتحدة من قبيل دبلوماسية احتواء الأزمات
· الدور المسند إليها مرسوم بدقة من جانب الإدارة الأمريكية
وحده المرجع الديني العراقي الكبير آية الله علي السيستاني هو الذي أحيا الأمم المتحدة بعد موت أو بالأحرى هو الذي أعاد الاعتبار إليها بإصراره على إجراء انتخابات عامة، مما أوجد واشنطن في مأزق جعلها مضطرة الى اللجوء الى الأمم المتحدة لكي تساعدها في الخروج من هذا المأزق الذي وجدت نفسها فيه·
ويرى المراقبون أن هناك ثلاث حقائق أدت الى هذا المأزق:
أولها: أن العراق ليس لقمة سائغة يمكن أن تقضمها واشنطن في هدوء وكأن شيئا لم يكن، فالشعب العراقي لم يكن يمقت صدام فحسب وإنما أيضا الاحتلال·
والحقيقة الثانية: هي انعدام الثقة في الإدارة الأمريكية بعد أن كشفت الأشهر التسعة الماضية أن كل ما قيل حول امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل ليس إلا من قبيل الأكاذيب، ويضاف الى الأكاذيب والتي أفقدت العراقيين البقية الباقية من مصداقية الإدارة الأمريكية هي رفض هذه الإدارة إجراء انتخابات عامة لاختيار حكومة عراقية بطريقة ديمقراطية رغم أنها كثيرا ما تروج لفكرة أنها جاءت الى العراق لكي تحوله الى قلعة للديمقراطية في المنطقة·
أما الحقيقة الثالثة: فهي مدى تأثير المرجعية الدينية الشيعية “المتمثلة في آية الله السيستاني” على العراقيين، فقد اعترف الأمريكيون بالذهول الذي انتابهم عندما وجدوا طوفانا من البشر يتظاهرون في أرجاء العراق تأييدا لآية الله السيستاني ودعما لرفضه عقد مؤتمرات لاختيار حكومة انتقالية، وضرورة إجراء انتخابات مباشرة يقول فيها العراقيون كلمتهم·
ويبدو أن إدارة الاحتلال قد استوعبت هذه الحقائق والمتغيرات، فكان أن لجأت على الفور الى الأمم المتحدة وأسندت إليها مهمة القيام بدور الوسيط قبل أن تفلت الأمور وتهدد بانفجار الموقف ليس فقط في العراق بل في المنطقة بكاملها، وفي هذا الإطار عاد الحديث بقوة عن ثلاثة بدائل لحظة تسليم السلطة للعراقيين، فالبديل الأول هو إرجاء وتسليم السلطة للعراقيين في 30 يونيو المقبل والبديل الثاني إجراء انتخابات سريعة بدلا من المؤتمرات، أما البديل الثالث فهو تسليم السلطة الى مجلس الحكم بصورته الحالية أو بعد توسيعه، والمعروف أن البدائل الثلاثة تفسح المجال لدور ما تقوم به الأمم المتحدة من قبيل حفظ ماء الوجه، لأن واشنطن لم تقبل ذلك إلا اضطرارا·
والسؤال الآن هو هل يمكن للمنظمة الدولية أن تلعب دورا أساسيا ومستقلا في العراق؟
فالمراقبون يرون أن المحافظين الجدد “القابضين على زمام الإدارة الأمريكية حاليا يكرسون أحادية القرار الدولي لا تعدديته” بمعنى أن أمريكا هي وحدها سيدة الموقف، وما مسألة اللجوء الى الأمم المتحدة إلا من قبيل دبلوماسية احتواء الأزمات ويشير المراقبون الى أن إدارة بوش قد اضطرت الى التنازل ثلاث مرات خلال أقل من عام بشأن طروحتها الخاصة بالمستقبل السياسي للعراق، فهي في البداية اضطلعت بتعيين مجلس الحكم في صيف عام 2003، وعندما تعرضت لانتقادات بأن المجلس ليس ممثلا لكل ألوان الطيف السياسي، غيرت سياستها وأقامت اتفاقا مع أعضاء مجلس الحكم الانتقالي في 15 نوفمبر بعقد مؤتمرات تختار حكومة انتقالية، وعندما هاجم السيستاني هذا الاتفاق اضطر بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي الى تغيير سياسته، فطلب من كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة في اجتماع في نيويورك إرسال فريق الى بغداد للتفاوض حول الخطة “أو الخيار” الذي يقبله العراقيون·
ويؤكد المحللون على أن الدور المسند الى المنظمة الدولية حاليا في العراق هو دور مرسوم بدقة من جانب الإدارة الأمريكية للعبور فقط من الأزمة السياسية الانتقالية التي فرضها موقف آية الله السيستاني، وهو دور أصغر كثيرا من الأدوار التي كان يطالب بها سيرجو دوماليك ممثل الأمم المتحدة السابق في العراق·
ويشير المراقبون الى أن دور الأمم المتحدة في المستقبل السياسي العراقي لن يكون ملزما للعراقيين - كمــا أعلـــن الرئيس الحالي لمجلس الحكم - أي أنه ليس أكثر من دور على الورق لامتصاص الأزمة·