حكاية الرويبضات في بلدي!
نشمي مهنا
يحكي تاريخنا العربي (المستنسخ في حاضرنا والقابض بكفيه على عنق مستقبلنا) أن عابثا من ولاة أمرنا الأقدمين، أراد أن يهب أحد ندمائه الخلصاء ولاية، لينعم بخيراتها، ويتنعم بدراهمها وذهبها وجواريها، ويدير مصائر أهلها، لكنه موقن - في سريرة نفسه - أن هذا النديم الطيب والساذج جدا لا قدرة له ولا طاقة على مثل هذه الأمور القيادية التي تتطلب حنكة ووعيا وذكاء ومؤهلات لا يملك منها هذا الصديق “المدمّغ” شيئا، فكلف أمير المؤمنين أحد دهاة الخلافة (وهم كُثر) أن يرافق الوالي الجديد، ويلازمة كالظل ليعينه في مهمته الصعبة، وأي مهمة أصعب من حكم ولاية في العراق؟!
بعد شهور قليلة من وصولهما الى أرض العراق، بدأت دماء العراقيين تفور - كعادتها - بسبب حيرة الوالي الجديد وقلة حيلته وتفرجه دون اتخاذ قرار أمام سوء أحوالهم وتردي معيشتهم، والمظالم التي تنهال فوق رؤوسهم·
وبدأ دور الدهاة!
قدحت برأس “المستشار” فكرة جهنمية، كانت هي المفتتح والختام لاستتباب أمر الولاية· قال فكرته، وعمل بها الوالي مباشرة، فشرع - وفق النصيحة - بما يسمى حاليا “إعادة هيكلة الوظائف”: نقل القاضي بائعا في سوق الخضرة، والبائع حاجبا، والراعي محتسبا، والمحتسب حدادا، وصاحب الحانة قاضيا، والجندي بزازا، والبزاز جنديا في أحد ثغور الدولة، والمؤذن نادلا، والنادل إماما، وسائس الخيل حانوتيا، والحانوتي بستانيا و··· وتعددت هذه “الخربطات” في مهن الولاية ومناصب القادة فيها·
خلاصة هذه الحكاية الطويلة المملة، أن الناس (في ذلك العصر!) بعدما ضجروا وانقلبت أحوالهم بسبب انقلاب أحوال أصحاب المهن والمسؤولين، وحينما رأوا أن لا أحد يحسن وظيفته، أصبحوا يرون الوالي الجديد بصورة “المنقذ”، ونسوا أنه “السيئ” بعدما تعممت صور السيئيين واستفحلت في ولايتهم (انتهى التاريخ)·
(ابتدأ الحاضر) لا حكمة ولا موعظة أعني من هذه الحكاية، فلن تفيد ولن نستفيد، لأنها تتكرر وستظل كذلك دون أن يتغير حالنا، حتى أصبحت كالأفلام الكرتونية تعاد يوميا على شاشة عيون أطفالنا، فيبتهجون·
التفتْ الى المسؤولين الكبار من حولك، أو فوقك في الأدوار العليا، القادة، الوزراء، الوكلاء، المدراء، مدير مؤسستك، نواب المدير، رؤساء الأقسام، مسؤولك المباشر، ستجد أن هذه “الخربطة” الإدارية حكمة عربية أصيلة·
قارئي، أعتقد أنك الآن تذكرت “الرويبضة”! ذاك الذي ورد في الحديث الشريف عندما سُئل الرسول الكريم عنه فقال إنه سيُولى علينا، وعرّفه بـ “التافه من الناس يُولى أمور العامة”·
لا تشغل نفسك بتذكر وتعداد أسمائهم ومناصبهم ووزاراتهم ومؤسساتهم، فالكويت مليئة بـ “الرويبضات”·
علق أحد الأصدقاء على هذه الفكرة بقوله: “لأن كل رويبضة لا يأمن أن يُولي إلا رويبضة مثله”! حكمته أصابت فكانت أفضل من المقال كله·
nashmi@taleea.com