· تجربة المنفى تنقِّي صورة الوطن من أدرانها
· قلم مضمخ بقلق الأسئلة الوجودية الكبرى
بقلم: نزار فلّوح
"رسائل الحنين الى الياسمين": الكتاب الثلاثون لغادة السمان، وهو مجموعة نصوص شعرية، والكتاب السادس في هذا الحقل الشعري الخاص···
تهدي غادة السمان كتابها الى المدينة الأم، مسقط القلب - دمشق - مملكة الياسمين والضوء، حيث تسبح في محيط من الأحلام، وتحلق فوق قارات من المشاعر والعواطف، ترسم الخارطة الشعورية للمكان، وتصور تجربة الرحيل، وتحوله من حلم منشود الى منفى حارق، يصعِّد الرغبة في استعادة حلم العودة، والحنين الى الوطن الأول منبع الأفكار والأحلام، وهو ليس مجرد وطن رومانسي يدفعها إليه حنين فطري ساذج، فغادة السمان هي نفسها القائلة في أحد كتبها السابقة ما معناه: "كل حديث عن الوطن هو خرافة، فأي مكان دافئ في العالم هو وطني···"· الوطن هنا هو حضن الأمومة الحاني، ومرابع الطفولة الغنّاء، وأحلام الشباب الفتية، وأنشودة التاريخ الخالد المتجدد: "ليس قليلا أن تكون أمك الملكة زنوبيا، ووالدك صلاح الدين وخالتك ملكة ماري···"
أشواق المنفيين إلى أوطان نبيلة
ُتُترجم صاحبة "رسائل الحنين" آلام المهاجرين، وأشواق المنفيين في العودة الى أوطان نبيلة، وتصور في قلق مبدع تمزقها بين ألم الإقامة وأمنية الترحال وحلم العودة "وأنا في الوطن كنت أبكي شوقا للرحيل الى المنفى/ وها أنا اليوم أبكي لأنني حققت أحلامي···"، فالعشق للوطن الأم هو عشق مصيري يبلغ حد الذوبان النهائي: "جسدي نفسه سيستحيل حفنة من تراب سورية أينما دفنوه"·
يولد الياسمين في كتابات غادة رمزا جديدا لدمشق وعوالمها البهية، تماما كرمز النخيل في شعر السياب، والزيتون والبرتقال في الشعر الفلسطيني المعاصر: "في العيد التذكاري للفراق أتكئ على شجرة الياسمين العتيقة كعكاز، وأمشي في شوارع التشرد المزروعة بفخاخ الغربة، والعيون المفروشة بالألغام، وفي الليل ألتحف بحنان ياسمين الذاكرة وأنام في حضن دمشق··"·
المكان المتحوّل
تحن غادة الى دمشق كما كانت، والتي لم تعد في صورتها الراهنة مثلما هي في أحلام العشاق المنفيين، إذ تغير المكان وتبدلت ملامحه بحسب مشيئة التاريخ وظروف الزمن المتعاقبة·· تلوث النبع الذي كان يقطر عذوبة ونقاء في القصائد، ولم يعد النهر الذي ألهم الشعراء والمغنين أكثر من جدول خجول يبعث مجراه روائح كريهة على صحراء مدججة بالأسمنت الزاحف على ما تبقى من مظاهر الخضرة والألفة والجمال، وهنا مفارقة تبرز قيمة ما قدمته غادة السمان في رسائل الحنين، من صورة مصفاة لوطن منفي، رسمت خطوطها بريشة الحب والحنين، ومع ذلك تستبق غادة القارئ، وتستدرك لتقول عن دمشق: "لم أرسمها طالعة من مرايا الماضي، وصناديق الحنين، بل رسمت شهوة مستقبلي معها لا ماضَّي وحده!"··· فهل كان لجذوة الحنين أن تتقد على هذا النحو المتألق، لو كانت غادة السمان تعيش بيننا في بيتها الدمشقي القديم··؟ ربما كان حب الكاتبة لوطنها سيتخذ في هذه الحالة مضمونا تعبيريا وعاطفيا آخر، فتجربة المنفى - في بعض محاسنها أو مساوئها! - تنقي صورة الوطن من أدرانها، وتحجب عن بصر المهاجر وبصيرته غشاوة الألم وغصص القهر الكثيرة، لتحل مكانها حنينا رومانسيا وأشواقا متدفقة، وتكفينا صاحبة الرسائل مشقة السؤال، لتؤكد أن المنفى وحده هو الذي يخلق مسافة الحنين، تقول: "حين عشت في دمشق لم أرها جيدا، كنت كمن يلصق وجهه بمرآة فلا يرى شيئا·· واليوم· بوضوح أراها من بعيد، بحلوها ومرّها·· فهل عين الحلم أكثر صحواً من عين الصّحو؟"·
شهوة الألم
تخترق "الرسائل" حاجز الزمن والكهولة، فتكتب بقلم طفولي نضر مراهق مشاغب باحثة عمّن يمنح حلمها لحظة ألفة مشابهة لتسبح في النهر مرتين، وتفتح عين الأمل على مستقبل لم تولد بشائره بعد: "رسمت شرفتي العتيقة في ساحة النجمة، ووقفت عليها أمشط شعري·· لم أنتحب بل ابتهجت، إذ شاهدت تحت شرفتي الجيل النضر الذي ولد خلال غيبتي، والجيل الذي سيولد بعد أن أموت!"·
أمّا لماذا لا تحمل هذه المهاجرة أشواقها، وتعود بها الى المهد الأول، بعد كل هذا الحب والاكتواء بنار الحنين، فهو شيء أقرب الى شهوة الألم عند العذريين، تقول غادة: لا أعود لأنني خائفة· أمام الحب الكبير أنا ملكة الجبناء، وليس بمقدوري أن أخسر دمشق مرتين، كأنني أريد أن أظل بعيدة كي تظل دمشق تحبني، مثل عاشقة لا تجرؤ على لقاء حبيبها كي لا يخيب أمله فيها"·
هذه الرسائل مفعمة - إذاً - بأجواء الحب وحكايات العشاق الكبيرة والصغيرة، والمترعة بلحظات اللقاء والعناق والشجار والفراق: "فهل يتصرف المرء بحماقة نادرة المثال إلا حين يكون عاشقا، لقد كنت دائما عاشقة رديئة، أقول لا، وأضمر نعم، وكلما كبرت "النعم" قلت: "لا" بصوت أعلى"· تقلب غادة دفاتر الحب منذ أبجدياته الأولى وحماقاته وآلامه وطقوسه ودروسه ومغامراته، وصولا الى نهاياته ومصائره الحزينة، فيندر ألا يجد القارئ شيئا من ذاته في طقوس الحب التي تستعيدها رسائل الحنين قدرا ومصيرا محتوما يمسك بتلابيب العشاق، فلا ينفكون منه إلا بالعناق أو الموت:
"أيها الشقي··
يتبعني حبك كالضوء متسللا تحت خواتمي
وداخل شعري حين أحُلُّ عقدته
حين أنجو منك الى النوم
أجدك في براري الحلم بانتظاري
لأتابع موتي بك، واحتضاري السيزيفي
فأين المفر، وعيناك من أمامي، والذاكرة من ورائي؟
وفي فصل آخر من فصول الحب، تجاهر الأنثى العاشقة بالصدود والتمرد، كما جاهرت بالحب والحنين، فتكتب بذلك وعيا مختلفا، وتاريخا جديدا لسلوك النساء حين يحترق حبهن بنار النرجسية الذكورية الطاغية:
"شهر زاد ذبحت الديك الذي كان يصيح لتسكت!
ذبحت السياف الذي له هو أيضا وجه شهريار
عزة قالت لـ"كثير" إنها لا تحب أشعاره
وانتسبت الى كلية الطب بعيدا عن ثرثرته!
الخنساء تعبت من رثاء صخر عصورا
وها هي تكتب قصائد الغزل في شبان القبيلة
ولادة بنت المستكفي هجرت ابن زيدون، وانتقلت
من البكاء على صدر الحبيب الى البكاء على مصير الوطن··
فكيف يدهشك أن أقول لك وداعا
وأذهب في رحلة حول العالم الذي لم تعد محوره"·
عوالم طازجة
وعالم غادة السمان في هذه الرسائل - كما في كتبها الأخرى - فسيح واسع تبحر فيه الى عوالم طازجة حافلة بالفن والشعر والجمال، حيث الريشة واللوحة والنغم والقوافي·· تغتني كتابتها بمرجعيات فنية وثقافية معبرة، ورموز حضارية عالية، تشف عن قارئة جادة كما تفصح عن الكاتبة المبدعة، التي تجول بنا على الخنساء وشجرة الدر وعطيل والرسام دافيد وشوبان وجبران وخليل حاوي والشعر العربي وغير ذلك من الآفاق البعيدة التي تمضي الكاتبة بالقارئ إليها، ليعود محملا بسيل من الدهشة والحلم والإعجاب·
قد يرى بعض النقاد في نصوص غادة نوعا من الكتابة المترفة المنشغلة بهموم نسوية عاطفية خالصة، ولكن القراءة الأكثر شمولا لأعمالها، ولهذه الرسائل خاصة، تكشف كم يبدو قلم هذه الكاتبة مضمخا بقلق الأسئلة الوجودية الكبرى، وعذابات الوطن، ومعاناة الإنسان في المجتمع العربي الذي تنتمي الى آلامه، وما صوت الذات الذي تتفرد غادة في غنائه إلا طريقتها الخاصة في البوح عن موضوعاتها وأفكارها، والتعبير الأجمل عن الأوجاع والهواجس التي تسكنها وتسكننا:
"ها أنا أهرول من قطار ماطر الى آخر،
مكتظة بالحب والحزن والذكريات،
مكتظة بوجوه شعب مرصود للمذابح··
مكتظة بأحلام قبيلتي المنتشرة على مدى قارتين··
وجرحين، وعمرين، وقناعين، وشخصيتين مشطورتين، وآلاف الجلادين!
وسأظل أرحل في فضاءات الليالي مطلقة السراح،
حتى أكتشف بكاء الكبرياء المتوحد··
على حدود الضوء·· والموت·· والحرية··"·
ولعل المأثرة الكبرى "لرسائل الحنين" تكمن في قدرتها على بث روح الحياة في رماد السنين الآفلة، وإحياء هذه الحزمة من التفاصيل الحميمة الآخذة بالغياب، فنحن هنا إزاء كاتبة حافظة لألق الذاكرة، ومبدعة لهوية نبيلة تنعش جذور الحب والانتماء التي يتشوه مضمونها بمرور الزمن·
ذاكرة غادة السمان·· الذاكرة "السجّانة المدججة بالصدق القاسي" أنجبت لنا أغنية عذبة ذات لحن قديم جديد، وتركت للتاريخ الوجداني العربي وثيقة شعرية نادرة من وثائق الحب والحنين·