الشعر الخليجي المعاصر - تأطير زماني ومكاني* (2-2)

آدم يوسف
الهجرة والرحيل
في الشعر العماني المعاصر:
الهجرة والرحيل الدائم من مكان لمكان، والوجوه الجديدة والأماكن الغريبة والناس المختلفون، كلها عوامل تصنع القصيدة المختلفة، وتحفز الشاعر للإبداع بلغة جديدة ورؤية شعرية مختلفة تستند إلى مخيلة الشاعر وتصاويره المستقاة من تفاعلاته مع المكان والناس من حوله، ولعل الشاعر العماني سيف الرحبي (8) يمثل تجربة رائدة في هذا المجال، فهو يمتلك موهبة شعرية فذة وغزارة في الإنتاج (له حتى الآن أكثر من عشرة دواوين شعرية) إضافة إلى جرأة كبيرة على طرح الجديدة والمختلف من خلال لغة شعرية لا تتوسل كثيرا بالتكثيف المجازي ولا الصورة الشعرية الغربية، وهما مسألتان اتخذت منها الحداثة العربية عنوانا لها، وكما يبدو فإن سيف الرحبي لا يسعى لأن يكون من ركب الحداثيين العرب·
ولم تكن تجربة الهجرة والرحيل أداة تتملك قصيدة سيف الرحبي وحده وإنما هي ممتدة إلى شعراء آخرين من عمان، فالشاعر زاهر الغافري عاش متنقلا من بغداد إلى المغرب إلى أمريكا وصدرت له عدة مجموعات شعرية أهما: (الصمت يأتي للاعتراف) دار الجمل 1993، و"عزلة تفيض عن الليل" مطبعة الألوان مسقط 1993م ويرى دكتور محسن الكندي إن المدن العربية تعتبر موطنا آخر لانبثاق تجربة الشعر العماني الحديث، فمدن مثل القاهرة وبغداد وبيروت ودمشق والرباط لعبت دورا كبيرا في تجلية وتمحيص تجارب الشعراء الجدد في عمان(9) وهناك شعراء آخرون ترتبط تجربتهم بمفردات السفر والرحيل مثل الشاعر محمد الحارثي الذي تستند قصائده على قاموس لغوي خاص يتخذ من التراث العماني في زنجبار محورا له وديوانه الأخير "أبعد من زنجبار" يعكس تلك التجربة، كما له ديوان آخر صدر عن دار نجمة في المغرب 1992م بعنوان "عيون طوال النهار" وهناك الشاعران عبدالله الريامي وناصر العلوي الأول له ديوان "فوق الهواء" والثاني "نصف الحلم يسرد نصفه الآخر" صادران عن دار نجمة في المغرب 1992م وفي الحقيقية فإن التجربة الشعرية في عمان غنية وليست كلها مرتبطة بالهجرة والرحيل، وهناك شعراء لابد من الإشارة إليهم مثل سماء عيسى، مبارك العامري، صالح العامري، عبدالله البلوشي، يحيى اللزامي، محمد اليحيائي، وطالب المعمري·
ويمكن أن نشير إلى الدور الذي لعبته المنابر الثقافية في الخليج في تطوير وصقل التجربة الشعرية العمانية الجديدة مثل دور أسرة الأدباء والكتاب في البحرين ممثلة في مجلتها "كلمات" التي احتضنت براعم تجربة الحداثة العمانية الأولى(10)·
ومسألة أخيرة تتعلق بالشعر العماني الحديث لابد من الوقوف عندها وهي ما يراه بعض الباحثين من غياب لقصيدة التفعيلة كحلقة وصل بين الشعر العمودي وقصيدة النثر أو القصيدة الحرة كما يحب البعض أن يسميها·
فالتجربة الشعرية في عمان شهدت قفزة من الشعر الكلاسيكي الذي مازال يحتفظ بألقه وله مريدوه الكثر إلى قصيدة النثر التي أثبتت وجودها بقوة، وهو ما خلق حالة من الانفصال في القصيدة الجديدة في عمان(11)·
القصيدة الجديدة
في الكويت:
وفي الكويت ظهر جيل جديد في التسعينات يحاول أن يكتب قصيدة مختلفة، ويحرص على أن يتابع التطور الفني والتقني في أرجاء الوطن العربي منهم: إبراهيم الخالدي الذي أصدر ديوانين الأول "قصائد عشق للأنثى الأخيرة" 1994م، والثاني "عاد من حيث جاء" 1997م، ويتميز الديوانان بنبرة إيقاعية عالية يوظف فيها الشاعر كثيرا من مفردات الموروث الثقافي والشعبي، وكذلك الشاعر دخيل الخليفة الذي أصدر ديوانين الأول "عيون في بوابة المنفى" والثاني "بحر يجلس القرفصاء" 1999م من شعر التفعيلة، وقد خاض الشاعر مؤخرا تجربة قصيدة النثر من خلال بعض قصائد المنشورة في الصحافة المحلية، وكذلك الشاعر نشمي مهنا الذي أصدر ديوانا بعنوان "البحر يستدرجنا للخطيئة" 2001م يحتوي على قسمين: شعر تفعيلة وقصائد نثر يقول الناقد الدكتور سليمان الشطي عن هذا الديوان: "فتح جديد يبشر ويدل على أن بوابة الشعر لاتزال مشرعة، فنشمي مهنا يدرك أن كل الأشكال نبع ومرتكز للتجربة العميقة لذلك نجد أنه إذا لجأ إلى القصيدة العمودية لمست نفسا متماسكا، وتلاحظ أيضا تمكنا وفهما دقيقا للأشكال الجديدة، وإذا قام بالمزج الحيوي بين هذه الأطر كان الانسياب سمة يشعر بها المتلقي"(12)·
الشاعر الرابع من هذا الجيل هو صلاح دبشه الذي يكاد يكون تجربة فريدة من حيث اعتناؤه بالتفاصيل اليومية ونزعته نحو التجديد في أطر وأشكال القصيدة بلغة جديدة، لغة متطورة تنمو في ذاتها، فكل مفردات الحياة اليومية لديه من الممكن أن تشكل جملة شعرية يقول عنه دكتور سليمان الشطي "صلاح في ديوانه "نحوك الآن كأني" صوت مغاير لا تهمه مقاييس اختيار الجملة الشعرية كما استقرت في الاستخدام السائد، فهو يتعامل مع الكلمة من حيث هي مفردة دون وصف لها بالشعرية وغيرها ثم يقيم علاقات الغرابة باعتبارها عالمه الخاص"(13)·
وينضم لهذا الجيل أيضا الشاعر علي حسين الفيلكاوي الذي يتميز بموهبة شعرية ولغة تميل نحو المجاز والتكثيف ومن أعماله: "لمسات ضوئية" 1997م·
وثمة أصوات نسائية شكلت حضورا شعريا كبيرا في الكويت منهم الدكتورة نجمة إدريس ولها ثلاثة دواوين شعرية أهمها: "طقوس الاغتسال والولادة" 1998م، و"مجرة الماء" 2000م، والشاعرة جنة القريني ومن أعمالها "حدائق اللهب" 1988م، و "الفجيعة" 1991م، الشاعرة فوزية شويش السالم ومن أعمالها "إن تغنت القصائد أو انطفأت فهي بي" و "مرآتي تتشهين عصفور الذهب" والشاعرة سعدية مفرح ومن أعمالها: "آخر الحالمين كان" و "مجرد مرآة مستلقية"·
وقبل أن نختم حديثنا عن القصيدة الجديدة في الكويت لابد من الإشارة إلى بعض الشعراء العرب الذين كان لحضورهم في الكويت وإقامتهم فيها تأثيره الكبير على القصيدة الجديدة فقد شكل هؤلاء رؤية شعرية متجددة سواء في قصائدهم التي نشرت في الصحافة المحلية أو عن طريق انضمامهم إلى "ملتقى الثلاثاء الأدبي"(14)، ومن هؤلاء: محمد يوسف ومن دواوينه "أناهيد"، وعباس منصور وله ديوان بعنوان "في المقهى طبعا"، ونادي حافظ وله "منذور لرمل"، ومخلص ونوس وله "شجر الكلام"، ومختار عيسى وله "يحط اليمام على ضفتيك"·
القصيدة الجديدة في البحرين والإمارات وقطر:
يؤرخ بعض الباحثين الانطلاقة الواعية للشعر الحديث في البحرين مع الشاعر علي عبدالله خليفة، حين أسقط قضية البحار أو الغواص على واقع الإنسان المعاصر وذلك في مجموعته الشعرية الأولى "أنين الصواري" الذي خصص معظم قصائدها لهذا الهم الواقعي، ثم يأتي قاسم حداد في مجموعته الأولى "البشارة" ليؤكد هذا الهم الواقعي من خلال التعبير عنه تعبيرا رمزيا شفافا، ويأتي الدكتور علوي الهاشمي كصوت ثالث متفرد في حركة الشعر الشابة في البحرين وتشعرك مجموعته الأولى "من أين يجيء الحزن" أنك أمام شاعر يمتلك السيطرة على اللغة والموسيقى، وبعد هؤلاء الثلاثة يدخل الحركة الشعرية مجموعة من الشعراء الشباب تميزت أصواتهم بالتنوع والطموح نحو التجديد أبرزهم يعقوب المحرقي، عبدالحميد القائد، علي الشرقاوي، حمدة خميس، يوسف حسن، إيمان أسيري، إبراهيم بو هندي، ثم تلتهم صفوف من الشعراء الطالعين الذين تبلورت تجاربهم في اتجاهات شعرية مختلفة في مقدمتهم: سعيد العويناتي، أحمد مدن، أحمد العجمي، فوزية السندي، فتحية عجلان، سليمان الحايكي، فاطمة التيتون وغيرهم·
وقد تميز من بين هؤلاء جميعا تجربة كل من الشاعرة حمدة خميس والشاعر علي الشرقاوي، نظرا لاستمرار كل منهما وتطوره الملحوظ على المستويين الكمي والكيفي فقد صدر لحمد خميس خمس مجموعات شعرية وللشرقاوي ضعف ذلك على مدى عشرين عاما(15)·
وأما في قطر فإن السائد هو القصيدة العمودية من حيث المضمون والشكل وقلما نجد تجارب لكتابة قصيدة النثر والأنماط المستحدثة من الكتابة الشعرية باستثناء بعض المحاولات في دواوين الشاعرتين الدكتورة زكية مال الله وسعاد الكواري·
وأما في الإمارات فإننا نجد محاولات جادة في كتابة قصيدة النثر ومنها على وجه الخصوص قصيدة التفاصيل اليومية يظهر ذلك في قصائد الشعراء: نجوم الغانم، ثاني السويدي إبراهيم الملا، عبدالعزيز جاسم، ظبية خميس، وميسون صقر القاسمي· وسنتوق عند بعض هؤلاء الشعراء في الفصول التطبيقية من الدراسة·
ü فصل من رسالة الماجستير للباحث غير منشورة بعنوان "قصيدة التفاصيل اليومية في الشعر الخليجي المعاصر"·
الهوامش
(8) عاش متنقلا بين القاهرة ودمشق وباريس ومن دواوينه التي تعكس تجربة الرحيل والحنين: "رأس المسافر"، "الجبل الأخضر"، "يد في آخر العالم"، يرأس تحري مجلة نزوى وهي فصلية ثقافية·
(9) الدكتور محسن بن حمود الكندي، معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين، الناشر مؤسسة البابطين للإبداع الشعري الكويت الجزء السادس ص 353·
(10) السابق ص 352·
(11) أشار إلى ذلك كل من:
- شريفة خلفان اليحيائي، مقال بعنوان الغياب التنظيري والنقدي للقصيدة الحرة في الخليج العربي، عبر شبكة الإنترنت موقع بعنوان www.jehat.com ·
- محمد الحارثي: قصيدة التفعيلة الحلقة المفقودة في التجربة في عمان، الملحق الثقافي في جريدة عمان تاريخ 18 أبريل 1999م ص 3·
- حوار مع سيف الرحبي: بعيدا عن الشللية، مجلة المدى العدد 17، 1997م ص 57·
(12) الدكتور سليمان الشطي وخليفة الوقيان، مختارات من الشعر العربي في القرن العشرين، الجزء الرابع، إصدار مؤسسة جائزة البابطين ص 218·
(13) السابق ص 227·
(14) ملتقى أدبي يعقد مساء كل ثلاثاء، يضم مجموعة من الشعراء وكتاب القصة العرب والكويتيين، يعقده الروائي الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل·
(15) بتصرف عن: الدكتور علوي الهاشمي: الشعر المعاصر في البحرين، معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين الجزء السادس الناشر مؤسسة جائزة البابطين ص 6·