كتب حيدر المسعودي:
بعد عام من بداية الحرب على نظام صدام حسين وإزالته لا يزال العراق يعيش حالة من الفوضى والاضطراب كنتيجة حتمية لغياب الدولة ومؤسساتها رغم بعض المؤشرات الإيجابية المتعلقة بتوقيع مجلس الحكم الانتقالي لوثيقة دستورية موقتة وإعادة بناء جزئية لجهاز الشرطة وانتعاش الحركة التجارية والحريات الجزئية التي يتمتع بها الناس وإن كانت تحت مظلة الاحتلال، إلا أن الخلل الأمني الذي يخيم على حياة الناس يضعف الثقة في احتمال زوال الاحتلال وسيادة الشعب العراقي على مقدراته·
كما أدت أخطاء إدارة الاحتلال في العراق الى تحويله حلبة صراع مع كل القوى التي تعادي أمريكا بما فيها تنظيم القاعدة والجماعات المؤيدة لنظام الحكم السابق حيث خلق الفراغ الأمني تحالفات جديدة بين هذه القوى لم تقف قافلة ضحاياها عند الجنود الأمريكان بل تعدتهم لتطال المدنيين من الشعب العراقي·
إن المتتبع لتفاصيل الأحداث وتطوراتها في العراق خلال العام المنصرم يجد بشكل واضح أن إدارة الاحتلال ارتكبت مجموعة من الأخطاء التي لا تزال ترمي بظلالها على الوضع الأمني والمعيشي للعراقيين، فقد كان حل الجيش العراقي وحرس الحدود والشرطة من أبرز هذه الأخطاء غير المبررة التي دفعت بمئات الآلاف من العراقيين الذين كانت المؤسسات العسكرية لهم بمثابة مصدر رزق وحيد، دفعت بهم الى الشارع حيث البطالة والجوع وفي الوقت ذاته لم تتمكن هي من سد الفراغ الذي تركه هذا الحل·
الآن وبعد عام ثبت خلاله فشل ذلك القرار تحاول قوات الاحتلال إعادة بناء هذه المؤسسات العسكرية بشكل بطيء وغير فاعل في كثير من الأحيان، إلا أنها وتحت الضغط اليومي للعمليات الانتحارية وعمليات العنف الأخرى وجدت تلك القوات نفسها مضطرة لتسليم العراقيين ملفهم الأمني تمهيدا لتسليمهم الملفات الأكثر حساسية وتلك التي ترتبط بالسيادة وإدارة شؤون الدولة·
إلا أن هذه التطورات أتت في وقت احتدمت فيه المعركة الانتخابية للرئاسة في أمريكا حيث تحول الملف العراقي الى ورقة انتخابية يستخدمها مرشح الحزب الديمقراطي ومؤيدوه على أنها ورقة رئيسية ربما حددت مصير هذه الانتخابات·
هذا التحول السريع لمجريات الأحداث على الساحة الأمريكية أتى على خلفية فشل الإدارة الأمريكية الحالية في العثور على مبررات خوضها للحرب بالدرجة الأولى وكذلك الاتهامات الموجهة لها بتحوير المعلومات الاستخباراتية لتبرير تلك الحرب التي يرى الديمقراطيون أن قرارها اتخذ بناء على دوافع أيديولوجية للقائمين على الإدارة الحالية بدءا من الرئيس بوش وصولا الى جميع أعوانه الذين يمثلون فئة جديدة طرأت أخيرا كلاعب جوهري على الساحة السياسية الأمريكية، وما يزيد من حجة الديمقراطيين هذه قوة تلك الهجمة التي يقودها المحافظون التقليديون من أمثال بات بيوكانن (انظر صفحة الترجمات) على بوش وجماعته الأيديولوجية الحاكمة·
وما يضيف الى تعقيد الموقف الأمريكي وإدارته لملف العراق هو ضعف التحالف الهش الذي استند إليه الرئيس جورج بوش في اتخاذ قراره لغزو العراق، فقد سقطت حكومة أثنار المحافظة في أسبانيا واستلم الاشتراكيون الحكم ليكون أول قراراتهم سحب القوات الأسبانية من العراق إذا لم تتولَ الأمم المتحدة إدارة الملف بكامله بحلول شهر يونيو المقبل· سقوط الحليف الأسباني وضعف البولندي، واهتزاز بلير في بريطانيا، ودخول حلفاء مساهمتهم اسمية أكثر منها أي شيء آخر، هذا الضعف المتسارع في معسكر حلفاء بوش من جهة، واحتمالات الضعف الداخلي نتيجة لمنافسة جون كيري المعروف بعلاقاته وخبرته في السياسية الخارجية من جهة أخرى وكذلك تعويله على نجاحات الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلنتون في إدارة الاقتصاد الأمريكي نحو انتعاش غير مسبوق، كل هذه العوامل ربما تدفع الإدارة الحالية الى التعجيل ببعض "النجاحات" على الساحة العراقية لكنها في المقابل قد تحمل في طياتها حلا ينتظره الكثيرون وهو فوز رئيس ديمقراطي يعيد الأمم المتحدة كلاعب رئيسي في الملف العراقي ما سيؤدي بدوره الى صياغة تحالف جديد يدفع بمعالجة القضية العراقية بعيدا عن الحسابات الضيقة لليمين الأمريكي المتطرف المتمثل بالرئيس بوش والمجموعة الملتفة حوله، فهل يحمل العام الثاني من سقوط نظام صدام بداية الحل واستقرار العراق؟ سؤال تحسمه الأشهر القليلة المقبلة·