في منتصف أغسطس 2003 بدأت اللجنة الدولية للصليب الأحمر زيارة جديدة للأشخاص المحتجزين في معسكر غوانتانامو للاحتجاز الذي تديره الولايات المتحدة، تواصل هذا العمل منذ بدء توافد المحتجزين على المعسكر في يناير 2002، يشرح المقال التالي لماذا وكيف تجري اللجنة الدولية هذه الزيارات وأسباب اهتمامها بتأثير ما يبدو احتجازا لا متناهيا على المحتجزين·
تزور اللجنة الدولية نحو 660 شخصا محتجزا في الوقت الراهن في غوانتانامو، ويأتي المحتجزون من أكثر من 40 بلدا، ويتحدثون 17 لغة، تستمر كل زيارة نحو ستة أسابيع وتشمل فريقا من مندوبي اللجنة الدولية ذوي الخبرة الكبيرة بالعمل المتصل بالاعتقال، فضلا عن أطباء ومترجمين، وبحلول أغسطس 2003 كانت اللجنة الدولية قد سهلت تبادل أكثر من 5800 من رسائل الصليب الأحمر بين المحتجزين وأسرهم·
أهداف الزيارة
إن الأشخاص المحتجزين نتيجة لنزاع أو عنف مسلح محميون بموجب القانون الدولي الإنساني ويتعين أن يلقوا معاملة إنسانية·
رفضت حكومة الولايات المتحدة منح أي محتجز في غوانتانامو وضع أسير الحرب، في الوقت نفسه قالت هذه الحكومة إنها ستعاملهم "معاملة إنسانية وبطريقة تتسق بالقدر الملائم للضرورة العسكرية، مع مبادئ اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949"· (نشرة البيت الأبيض)·
وقد وافقت الولايات المتحدة على السماح لفرق اللجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة غوانتانامو كامتداد للعمل الذي بدأته المنظمة بالفعل في مراكز الاعتقال في أفغانستان أثناء نزاع عام 2001 وبعده·
ويتمثل دور اللجنة الدولية، كمنظمة إنسانية مستقلة تنأى بنفسها عن إصدار الأحكام، في التقييم المنتظم لأماكن الاحتجاز والحديث مع المحتجزين والإبقاء على حوار متصل مع سلطات الولايات المتحدة من أجل طرح الملاحظات وتقديم التوصيات عند الاقتضاء، وعلى حين تراقب اللجنة الدولية ظروف الاحتجاز في غوانتانامو، فإن مسؤولية ضمان أن الأشخاص المحتجزين هناك يلقون بالفعل معاملة إنسانية تقع على عاتق سلطات الولايات المتحدة·
لماذا اللجنة الدولية للصليب الأحمر؟
دأبت اللجنة الدولية على زيارة الأشخاص المحتجزين لأسباب تتصل بالنزاعات المسلحة منذ عام 1915 حينما تفاوض مندوبوها بشأن الحق في زيارة عشرات الآلاف من الأسرى المحتجزين أثناء الحرب العالمية الأولى، وتقنن اتفاقية جنيف الثالثة التي تعد الولايات المتحدة فضلا عن 190 دولة أخرى أطرافا فيها ما دأبت عليه اللجنة الدولية من زيارة لأسرى الحرب المقاتلين المأسورين أثناء نزاع مسلح دولي، كما تمنح المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع اللجنة الدولية الحق في طلب زيارة الأشخاص المحتجزين في الحروب غير الدولية·
وفي عام 2002 زارت اللجنة الدولية نحو 450 ألف محتجز في أكثر من 75 بلدا عبر أنحاء العالم·
شواغل قانونية
بالنسبة للجنة الدولية تظل قضية الوضع القانوني للأشخاص المحتجزين في خلية غوانتانامو والإطار القانوني المنطبق عليهم غير محسومة·
ويتمثل الشاغل الأساسي للجنة الدولية اليوم في قيام سلطات الولايات المتحدة بوضع المحتجزين في غوانتانامو خارج إطار القانون، ويعني ذلك أن المحتجزين، بعد أكثر من ثمانية عشر شهرا رهن الاعتقال، لا يزالون يجهلون مصيرهم تماما ويفتقرون الى أية إمكانية للجوء الى آلية قانونية·
ومن خلال زياراتها حظيت اللجنة الدولية بوضع فريد يتيح لها أن تشهد ما كان لانعدام اليقين هذا من تأثير على المحتجزين، وقد لاحظت تدهورا مثيرا للقلق في الصحة النفسية لعدد كبير منهم، الأمر الذي دفع اللجنة الدولية لمطالبة سلطات الولايات المتحدة بإيجاد إجراءات قانونية سليمة تتسق مع الضمانات القضائية المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني، ومن شأن هذه العملية تحديد وتوضيح مصير كل فرد في غوانتانامو ووضع نهاية لنظام الاحتجاز اللامتناهي القائم حاليا فيما يبدو، كما طالبت اللجنة الدولية سلطات الولايات المتحدة أيضا بإجراء تغييرات كبيرة في خليج غوانتانامو·
وللولايات المتحدة الحق في الملاحقة القانونية لأي محتجز في خليج غوانتانامو يشتبه في ارتكابه جرائم حرب أو أي فعل إجرامي آخر يعاقب عليه في ظل قانون الولايات المتحدة·
الإجراءات
تم العمل في غوانتانامو بتدابير العمل الاعتيادية نفسها التي تطلبها اللجنة الدولية في كل مكان اعتقال تزوره عبر أنحاء العالم ويعني ذلك ما يلي:
- يصر مندوبو اللجنة الدولية على الحديث على انفراد تام الى كل شخص محتجز، ويتعين أن يكون بوسع الفرق تفتيش جميع الزنازين وغيرها من المرافق·
- تجري الزيارات بوتيرة تحددها اللجنة الدولية ويستمر ذلك ما ظل الأشخاص رهن الاعتقال·
- يتعين أن يكون بوسع جميع المعتقلين إمكانية الكتابة لأسرهم باستخدام نظام رسائل الصليب الأحمر·
- يجري المندوبون مناقشات سرية مع مسؤولي المعسكر قبل وفي ختام كل زيارة لإثارة القضايا محل القلق وتقديم التوصيات عند الاقتضاء·
- كل محتجز على وشك الترحيل من غوانتانامو تتم مقابلته على انفراد قبل مغادرته للتأكد من موافقته على إعادته الى وطنه·
الأطفال القاصرون
زارت اللجنة الدولية جميع الأحداث المحتجزين في "غوانتانامو" بمن فيهم القاصرون الثلاثة الذين أطلق سراحهم يوم 29 يناير 2004 فاللجنة الدولية لا تعتبر غوانتانامو مكانا مناسبا لاحتجاز الأحداث، وهي قلقة بشأن احتجازهم بعيدا عن أسرهم، كما تعرب عن انشغالها بالأثر النفسي المحتمل الذي قد يترتب عن هذه التجربة في هذه المرحلة المهمة من نموهم·
الأحداث
زارت اللجنة الدولية جميع الأحداث المعتقلين في غوانتانامو، وبذلت سلطات الولايات المتحدة جهودا من أجل كفالة تدابير خاصة لبعض الأحداث، بما في ذلك وضعهم في أماكن منفصلة عن المحتجزين البالغين وتقديم المشورة المتخصصة لهم، ومع ذلك فإن اللجنة الدولية لا تعتبر غوانتانامو مكانا ملائما لاعتقال الأحداث، ومما يثير قلق اللجنة الدولية بشكل خاص احتجاز الأحداث بعيدا عن أسرهم، كما أن لديها مخاوف بشأن التأثير النفسي المحتمل لهذه التجربة خلال مرحلة مهمة من مراحل نموهم·
العلاقة مع سلطات الولايات المتحدة
عند بدء وختام كل زيارة لغوانتانامو تناقش اللجنة الدولية ما توصلت إليه من نتائج مع السلطات العسكرية في المعسكر وكذلك مع السلطات المعنية في واشنطن، وقد تم تنفيذ عدد من التوصيات جزئيا إلا أن اللجنة الدولية ترى الحاجة الى تغيرات كبيرة·
ويظل حوار اللجنة الدولية مع الولايات المتحدة بشأن ظروف الاحتجاز ومعاملة المحتجزين صريحا ومفتوحا، بيد أن اختلافات كبيرة في الرأي تظل قائمة بين الطرفين بشأن عدد من القضايا بالغة الأهمية·
السرية
متى زارت اللجنة الدولية أماكن اعتقال فإن ما تتوصل إليه من نتائج وملاحظات بشأن ظروف الاعتقال ومعاملة المعتقلين يناقش على نحو سري مع السلطات المسؤولة، ولا يمثل خليج غوانتانامو استثناء·
وتعد السرية أداة عمل مهمة للجنة الدولية لكي تحافظ على الطابع الإنساني حصرا لعملها، ومما يقلق اللجنة الدولية أن أي معلومات تفشيها بشأن ما توصلت إليه من نتائج يمكن أن تستغل بسهولة لتحقيق مكاسب سياسية، وإضافية الى ذلك تضمن سياسة السرية حصول اللجنة الدولية على الحق في زيارة عشرات الآلاف من المعتقلين عبر أنحاء العالم واحتفاظها، وهذا هو المهم، بهذا الحق·
رسائل الصليب الأحمر
بالنسبة إلى كثير من المحتجزين في غوانتانامو تمثل رسائل الصليب الأحمر الصلة الوحيدة بينهم وبين أسرهم في العالم الخارجي، ومع تزايد الشعور بالعزلة واليأس، اكتسبت هذه الرسائل قيمة متزايدة بالنسبة إلى المحتجزين وأسرهم· تتضمن رسائل الصليب الأحمر أخباراً عائلية فقط ويتم فحصها من قبل سلطات الولايات المتحدة للتأكد من ذلك وينسجم ذلك مع الممارسة الاعتيادية السائدة على مستوى العالم متى زارت اللجنة الدولية أماكن اعتقال، وتعد رسائل الصليب الأحمر في غوانتانامو عملية لوجستية كبرى يشارك فيها عدد من بعثات اللجنة الدولية فضلا عن جمعيات وطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر عبر أنحاء العالم، ويتم توصيل كل رسالة يدويا للعنوان المقصود·
اللجان العسكرية
أعلنت الولايات المتحدة عن خططها لإنشاء لجان عسكرية لمحاكمة بعض المحتجزين في غوانتانامو على الأقل، وينص القانون الدولي الإنساني على أن أي إجراءات ضد المعتقلين يتعين أن تحترم الضمانات القضائية الأساسية مثل افتراض البراءة والحق في المثول أمام محكمة نزيهة ومستقلة والحق في الاستعانة بمحام للدفاع واستبعاد أي أدلة تم انتزاعها نتيجة للتعذيب أو غيره من صنوف المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة·
وتتبع اللجنة الدولية تطور اللجان العسكرية عن كثب وقد بدأت حوارا مع سلطات الولايات المتحدة من أجل مناقشة القضية بمزيد من العمق وإثارة أي دواع للقلق قد تكون لديها·