
· مجموعة بيرل - وولفويتز - فيث بدأت تفقد سيطرتها على السلطة وعلى الحقيقة
· لماذا لا نجعل من سورية حليفاً لا عدواً للولايات المتحدة الأمريكية؟
· الجنرال انطوني زيني: المحافظين الجدد سيطروا على الرئيس ونائبه
· الأجندة الخفية للمحافظين الجدد: حرب دائمة من أجل استمرار نفوذهم في واشنطن
· المحافظون الجدد لا يريدون تضييق دائرة أعدائنا بل توسيعها لمصلحة إسرائيل

بقلم: بات بيوكانن
يقدم المرشح الجمهوري السابق لانتخابات الرئاسة الذي ينتمي الى جناح المحافظين (وليس المحافظين الجدد) في الحزب بات بيوكانن - في سياق تحليله لكتاب "نهاية الشر" لمؤلفيه ريتشارد بيرل وديفيد فورام - نقدا لاذعا لطروحات المحافظين الجدد في إدارة بوش، ويتهمهم بأنهم يقودون الولايات المتحدة نحو الكارثة بتوريطها في سلسلة لا تنتهي من الحروب ضد العرب والمسلمين ليس من أجل الدفاع عن أمن ومصالح الولايات المتحدة، بل خدمة لمصالح إسرائيل·
ويقول بيوكانن صاحب العبارة الشهيرة بأن "الكونغرس هو أرض أمريكية تحتلها إسرائيل"، أن مشكلة المحافظين الجدد ليست في كونهم من اليهود بل في كونهم ليسوا محافظين بل "ليبراليين لهم أسنان حادة" على حد تعبيره· ويعتبر أن لحظة الحقيقة قد أزفت لأنهم بدأوا يفقدون سيطرتهم على السلطة وعلى الحقيقة معا، فقد بدأ الرئيس بوش يدرك أبعاد الخديعة التي تعرض لها على أيدي هذه المجموعة داخل إدارته، وأنه بدأ يبحث عن مخرج للمأزق الأمريكي في العراق بدلا من التفتيش عن حروب جديدة يخوضها وفقا لأجندة بيرل وزمرته·
وينتقد بيوكانن قيام المحافظين الجدد بالتحريض ضد العرب والمسلمين باسم مكافحة الإرهاب، ولا يرى أن الأصولية تشكل تهديدا استراتيجيا للحضارة الغربية، خاصة وأنها فشلت في كل تجارب الحكم التي خاضتها من السودان الى أفغانستان فإيران·
ويجادل بيوكانن أنه إذا كانت الأمة العربية مجتمعة عاجزة عن مواجهة إسرائيل، فكيف تشكل خطرا وجوديا على أمريكا؟ ويعتقد أنه باستثناء كوريا الشمالية، فإنه يبدو أن وزارة الدفاع الإسرائيلية هي التي أعدت قائمة المحافظين الجدد لأعداء الولايات المتحدة· ويتساءل كيف تكون سورية والمملكة العربية السعودية وإيران أعداء لنا وهم لم يلحقوا أي ضرر بمصالحنا؟! وكيف يكون "حزب الله" و"حماس" في قائمة أعدائنا وهما لم ينفذا أي هجوم ضدنا؟!
وينتقد بيوكانن إدارة الرئيس بوش في تعاطيها مع مشكلة الإرهاب ويقارن بين بوش الأب الذي بنى تحالفا دوليا ضم روسيا والصين واليابان وألمانيا ومصر وسورية وغيرها من الدول في حرب الخليج عام 1991، بينما استعدى بوش الابن العالم علينا وخاض حربا دون تفويض من الأمم المتحدة·
ويسخر بيوكانن من محاولات المحافظين الجدد التهرب من مسؤولية الفشل في العراق، فتارة يقولون إن الخطأ يتمثل في عدم تتويج أحمد الچلبي حاكما على العراق، وتارة أخرى يقولون إن السبب هم خبراء وزارة الخارجية ذوو الميول العربية ARABISTS، وثالثة يلقون باللائمة على وكالة المخابرات المركزية ورابعة على "اف· بي· آي"·
وأخيرا، يحذر بيوكانن من مخططات المحافظين الجدد ومحاولاتهم فرض أجندتهم القائمة على جعل حربنا ضد "القاعدة" هي حرب إسرائيل ضد الفلسطينيين فضلا عن السعي للهيمنة على الشرق الأوسط، وهي السياسات التي أثارت مشاعر الكراهية للولايات المتحدة في المنطقة·
أغبياء وأذكياء
لقد وعدوه أن الحرب ستكون مجرد نزهة وأن قواته ستلقى الترحيب من العراقيين "كقوات تحرير" وأن الديمقراطية سوف تتجذّر في العراق وتزدهر في الشرق الأوسط وأن الإسرائيليين والفلسطينيين سيصنعون السلام، ولا بد أن الرئيس بوش يراجع نفسه ويقول إن "ما وعدني به هؤلاء الحكماء لم يحدث وأن ما قاله الأغبياء هو الذي يحدث"·
كيف ينظر بيرل وفورام إلى فشلنا الذريع في العراق؟ يقول الكاتبان أن "الأخطر من بين كل أخطائنا كان عدم رغبتنا في السماح للمؤتمر الوطني العراقي، أبرز فصائل المعارضة لصدام، بتشكيل حكومة انتقالية بعد سقوط بغداد· ففي عام 1944، سمحنا للقوات الفرنسية بدخول باريس قبل القوات الأميركية والبريطانية، وكان علينا إظهار البراعة ذاتها عام 2003"·
وهكذا، فنحن في مأزق لأننا لم نسمح لأحمد الچلبي أن يلعب دور شارل ديغول والسيطرة على بغداد·
ولكن لماذا تم تجاهل الچلبي المقرب من بيرل؟ يقول بيرل "لأنه أثار مخارف السعوديين وبالتالي، مخاوف أركان حكومتنا الذين يحرصون على استرضائهم"، وخاصة أولئك من ذوي الميول العربية ARABISTS داخل وزارة الخارجية·
وهذا الكتاب "نهاية الشر" الذي يبدو أنه كُتب على عجل ويحفل بالأخطاء ولا فهرس له، هو وثيقة للدفاع عن المحافظين الجدد ضد الاتهامات بأنهم لجأوا إلى الكذب لجرّنا إلى حرب ربما يثبت أنها أكبر كارثة تحل بنا منذ فيتنام· واتهام هذه المجموعة بممارسة الخداع والتضليل بصورة متعمدة له ما يدعمه·
ففي منتصف شهر ديسمبر 2001، وفي مقالة وزعتها وكالة "كوبلي نيوز" COPLEY NEWS، أكد بيرل أن "صدام يعكف على بناء برنامج لأسلحة الدمار الشامل·· وأنها مسألة وقت فقط قبل أن يمتلك هذه الأسلحة"·
وقد ذكر بيرل اسم خضير حمزة، "أحد الأشخاص الذين يديرون برنامج صدام للأسلحة النووية" كمصدر لمعلوماته وأعطى مصداقيتة لرواية حمزة عن الـ 400 موقع لتخصيب اليورانيوم تنتشر في شتى أنحاد العراق وبعضها يبدو كالمنازل وبعضها كغرف الدراسة وبعضها كمخازن، ولن يتم العثور عليها أبداً، ولايمكننا إنقاذ أنفسنا إلاّ بضربة وقائية نوجهها للعراق"·
ويقول بيرل إنه مع حلول عام 2001، كان خطر أسلحة الدمار الشامل العراقية وشيكاً، "فمع مرور كل يوم كان صدام يقترب من حلم بناء ترسانة نووية، ونحن نعرف أنه كان لديه برنامج سري موزع على عدة أماكن، لتخصيب اليورانيوم، وتعرف مصادر الاستخبارات أن بوسع أي شخص شراءه من السوق السوداء· ولكننا لا نعرف إلى أي مدى كان صدام قريباً من إنتاج السلاح النووي·· هل بعد ثلاث سنوات أو سنتين أو حتى غداً؟
مَنْ ضلّل مَنْ؟
وحين كتب بيرل ذلك، كان لديه - بصفته رئيساً لمجلس السياسة الدفاعية - اطلاع على المعلومات الاستخباراتية السرية·
ولذلك لا يمكن تفادي السؤال: "هل تعمّد حمزة تضليل بيرل، أم أن بيرل هو الذي تعمّد تضليلنا؟
وقد حاول الكاتبان إقناع من لم يصدقوا أن صدام كان يمثل خطراً وشيكاً، بأنه كانت له صلة بهجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 فقد كتب بيرل يقول أن "تعاون صدام مع الإرهاب موثق جيداً، وهناك أدلة مقنعة على لقاء عُقد في براغ بين مسؤول رفيع في المخابرات العراقية ومحمد عطا، قائد مجموعة 11 سبتمبر"·
إذن، هل حصل المحافظون الجدد على الحرب التي أرادوها؟ وبعد أن خاضت الولايات المتحدة الحرب التي دقوا طبولها، كيف يفسر لنا بيرل ورفاقه، لماذا لم تكن الحرب على النحو الذي حاولوا أن يصوروه لنا؟
الجواب: يجادل هؤلاء بأن أية مأساة تقع في العراق، سببها فساد وجُبن وزارة الخارجية والـ "سي· آي· إيه" و "إف· بي· آي"، والجنرالات المتقاعدين والسفراء السابقين الذين اشترتهم المملكة العربية السعودية· ويورد الكاتبان "أننا عرضنا توصيات محددة بينما لم يفعل المتساهلون ذلك، لأننا نريد أن نحارب وهم لا يريدون"·
وهذا يقودنا إلى نقطة البداية وهي أن ساعة المحافظين الجدد ربما تكون قد أزفت لأنهم بدأوا يفقدون سيطرتهم على الحقيقة وعلى النفوذ السياسي· وبدلاً من البحث عن حروب أخرى في الشرق الأوسط، يبدو أن بوش ورامسفيلد يبحثان عن مخرج من المأزق العراقي· ونُقل عن المستشار السياسي للرئيس بوش، كارل روف قوله أن "لاحرب في عام 2004"·
وبالإضافة إلى ذلك، بدأ الأمريكيون يقدرون ذلك، فإذا وضعنا جانباً، نشوة "الأحادية القطبية" و"الامبراطورية الأميركية"، فإن هناك حدوداً لما يمكن للقوة الأمريكية أن تحققه ونحن نقترب من هذه الحدود· فهي تنشر أكثر من 480 ألف جندي في مناطق مختلفة من العالم· وفي إشارة إلى تراجعه عن اللهجة الخطابية المتشددة التي أطلق من خلالها شعار "محور الشر" الشهير، قال بوش في خطاب حالة الاتحاد الأخير أن "لارغبة لنا للهيمنة ولاطموح لنا لإقامة إمبراطورية"·
إذن، لقد بدأ التراجع الطويل للامبراطورية الأميركية·
فهناك شائعات في واشنطن عن عودة جيمس بيكر واستبعاد بول وولفوتير· وكما قال فريدرك الأكبر، "فإن المرء يعصر البرتقالة ويلقي بقشرها في سلة المهملات"·
وإذا وضعنا في الاعتبار ما يحدث في العراق الآن، نجد أن مشاريع المحافظين الجدد الراديكالية التي تتضمن خوض حربين أو ثلاثة حروب خلال السنوات المقبلة، لم تكن متهورة فحسب بل غير واقعية أيضاً· فقبل أن يجرّنا بوش إلى الحرب مع أي من هذه الأنظمة، فإن عليه أن يُقنع شعبه بضرورة شن هذه الحرب وأن يُقنع الكونغرس بمنحة التفويض لشن الحرب· ومع ذلك، ففي ظل غياب جريمة بحجم الحادي عشر من سبتمبر يتورط فيها أحد الأنظمة الواردة في قائمة بيرل - فورام، فليس بوسع الرئيس بوش الحصول على هذا التفويض· ولا يبدو أنه ينوي المحاولة· وإذا فكرت الولايات المتحدة بمهاجمة ليبيا أو سورية أو المملكة العربية السعودية، فإنها سوف تستعدي حلفاءها في العالم الإسلامي وأوروبا، بمن فيهم رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير، وحتى إذا قررنا خوض أي من هذه الحروب، فمن يضمن أن أياً منها سيجعلنا أكثر أمناً وأبعد عن التعرض لهجمات إرهابية في الداخل؟
لب الخلاف
وفي الواقع، لأن الأميركيين لا يستطيعون الربط بين الحروب التي يطالب الكاتبان الولايات المتحدة بخوضها والأمن الداخلي، فإنهما يلجآن إلى التخويف من وقوع حروب إبادة جماعية ونهاية الحضارة الغربية وموتنا كأمة·
فإذا كان الدفاع عن الولايات المتحدة المقصود، فإن كتاب "نهاية الشر" يصبح مجرد هراء· فالوصفة التي يقدمها بيرل وفورام للحرب الدائمة يصبح لها معنى فقط إذا كان من مهام الجيش الأميركي جعل الشرق الأوسط مكاناً آمناً لشارون، وهنا نأتي إلى لب الخلاف مع الكاتبين·
ففي الحادي عشر من سبتمبر هاجمنا تنظيم القاعدة، أي أن "القاعدة" هو عدوّنا وليست سورية أو ليبيا أو المملكة العربية السعودية· والسبيل إلى خنق "القاعدة" وقتله يتمثل في عزله عن العالمين العربي والإسلامي وعن مراكز السلطة في كل من سورية وليبيا والسعودية وإيران·
فليس لأي من هذه الدول يد في ما وقع في الحادي عشر من سبتمبر 2001، وكلها لها مصلحة حيوية بعدم الارتباط بأية صلة بتنظيم القاعدة الذي تطارده قوة عظمى· وبالتالي، فبصرف النظر عن طبيعة هذه الأنظمة، فإن ثمة مصلحة مشتركة تربطهم بنا، وإذا كان بوسع الرئيس بوش أن يستخدم الجزرة لدفع بشار الأسد للمساعدة في محاربة تنظيم القاعدة - كما ساعدنا والده في طرد صدام من الكويت عام 1991 - فلنجعل من سورية حليفاً لا عدواً للولايات المتحدة·
ولكن هنا هو المحك: فالمحافظون الجدد لا يريدون تضييق دائرة أعدائنا، ولا يريدون قصر قائمة الأعداء على أولئك الذين هاجمونا، بل يريدون توسيعها لتشمل أعداء إسرائيل· وهم يريدون توسيع الحرب لتصبح حرباً من أجل الهيمنة في الشرق الأوسط، لقد كانوا يأملون باستغلال هجمات الحادي عشر من سبتمبر لإقامة الامبراطورية، وما إن رأوا حلمهم يتلاشى حتى امتد شعورهم بالإحباط دون حدود·
لقد وصف المحلل العسكري الأميركي الشهير جون بويد ذات يوم الاستراتيجية بأنها محاولة استمالة أكبر قدر ممكن من مراكز القوة باتجاهك وعزل عدوك عن أكبر عدد ممكن من مراكز القوة·
رشوة إمبريالية
هذه هي الاستراتيجية التي انتهجها جورج بوش الأب في حرب الخليج عام 1991، فقد أقنع روسيا والصين بالتصويت إلى جانبه في مجلس الأمن وأقنع ألمانيا واليابان بتمويل الحرب، وأقنع سورية ومصر بإرسال قوات وأقنع بريطانيا وفرنسا بالمشاركة فيها عسكرياً· وبإعطاء كل طرف جزء من النصر الأميركي - ولتسمه رشوة أمبريالية إن شئت - تمكن جورج بوش الأب من رصّ صفوف العالم كله في الحرب ضد العراق، وكما فعل جورج بوش (الابن) ببراعة في الحرب على أفغانستان·
ولكن ما يضغط بيرل وفورام على الرئيس من أجل أن يفعله الآن هو استراتيجية عكسية تماماً· إنهما يريدان أن يوسع بوش الحرب ومسرح العمليات ومضاعفة عدد أعدائنا وتجاهل حلفائنا· وإذا طبق بوش هذه الاستراتيجية فسوف يضع الولايات المتحدة وإسرائىل في جانب والعالمين العربي والإسلامي في الجانب الآخر مع بقاء أوروبا على الحياد وتطلع آسيا إلى أن تلحق بنا المهانة·
ودعونا نقول إنه لأمر حيوي أن نحقق الانتصار على "القاعدة" من أجل أمن بلادنا وسلامة أبناء شعبنا ومن أجل مصالحنا الأوسع في العالمين العربي والإسلامي اللذين يضمان 57 دولة تمتد من المغرب إلى ماليزيا، ولكن علينا ألاّ نسمح للمحافظين الجدد بأن يخلطوا بين حربنا على الإرهاب وحربهم من أجل الهيمنة، فالمحافظون الجدد يعتقدون أنه يجب سحق السلطة الفلسطينية وتصفية عرفات وسيطرة إسرائيل على مرتفعات الجولان والضفة الغربية والقدس الشرقية إلى الأبد·
وهم يريدون استئصال "حزب الله" ونبذ سورية وإسقاط النظام في المملكة العربية السعودية، وليؤمن المحافظون الجدد بما يؤمنون به، ولكن أجندتهم ليست أجندة الولايات المتحدة ومعركتهم ليست معركتنا، فليس للولايات المتحدة مصلحة حيوية فيمن يرفع علمه على الجولان أو القدس الشرقية، بينما كان أيهود باراك راغباً في التخلي عنهما معاً، ولكن إذا سمحنا للمحافظين الجدد بتحويل حربنا على "القاعدة" إلى حرب إسرائيل من أجل فلسطين، فإن حربنا لن تنتهي أبداً·
وهذه هي الأجندة الخفية للمحافظين الجدد، أي حرب دائمة من أجل استمرار نفوذهم في واشنطن كما يعترف بيرل وفورام بأن هذه "قضية جيلنا الكبرى"·
"فمن هم أبناء هذا الجيل"؟ من هم أولئك الذين يريدون إدخال بلادنا في سلسلة من الحروب الاستباقية والحروب الانتقامية على طول قوس الأزمات الممتد من ليبيا إلى كوريا؟
فورام ليس أمريكياً، إنه كندي لم يحصل على الجنسية الأمريكية حتى حصل على وظيفة كاتب خطابات الرئيس ثم طُرد من عمله بعد أن روجّت زوجته أن زوجها هو مخترع مصطلح "محور الشر" ثم عثر على وظيفة لدى مجلة "ناشيونال ريفيو" حيث ألف عشرات القصص عن "المحافظين غير الوطنيين" الذين يكرهون المحافظين الجدد ويكرهون بوش والحزب الجمهوري، بل يكرهون أمريكا "ويتمنون هزيمتها في الحرب على الإرهاب"·
ومن هو بيرل؟ على العكس من فورام الذي لا يفهم شيئا في السياسة الخارجية، ظل بيرل لاعباً خطيراً في السياسات الأمريكية منذ عهد نيكسون، لقد كان مهووسا بالسياسة الخارجية القائمة على القوة، ففي عام 1996، قدم استشارات للمرشح لرئاسة الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو بإلغاء اتفاق أوسلو واحتلال الضفة الغربية ومواجهة سورية·
وأبلغ بيرل رئىس الوزراء الإسرائيلي أن الطريق إلى دمشق يمرّ عبر بغداد·
العداء للسامية
وفي الوقت الذي كان يعمل فيه مستشارا لمرشح الرئاسة الأمريكية الجمهوري بوب دول، كان يقدم النصائح سراً، لحكومة أجنبية بإلغاء اتفاق سلام دعمته حكومته، وفي عام 1998، وقع مع مجموعة أخرى من المحافظين الجدد رسالة إلى الرئيس كلينتون تحثه على شن الحرب على العراق متعهداً أن يؤيده المحافظون الجدد إذا شن الحرب·
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن لماذا يسمح لبيرل أن يحتفظ بمنصبه في وزارة الدفاع في الوقت الذي يحرّض فيه على شن الحرب على أربع أو خمس دول، بما فيها المملكة العربية السعودية التي تربطها علاقة صداقة بالولايات المتحدة؟ ولماذا يسكت الرئيس بوش على ذلك؟ لو كان الرئيس بوش الأب في السلطة لما وافق على ذلك أبداً·
وقد بدأ المحافظون الجدد أيضا يشوهون سمعتهم ويعزلون أنفسهم بفضل قذارة ولا منطقية هجماتهم، لقد أصبحوا مُفلسين ويتمترسون وراء تهمة "العداء للسامية" التي يوجهونها لكل من يخالفهم أو ينتقدهم، ولكن هذا الاتهام لم يعد يخيف الناس·
الجنرال أنطوني زيني، وهوقائد سابق للقيادة المركزية للقوات الأمريكية، كان أحد أبطال فيتنام، لقد عارض الحرب على العراق، وجادل بأن القوات الأمريكية انتشرت على نطاق واسع في أرجاء مختلفة من العالم وأن ذلك قد يجعلنا نفقد السيطرة عليها، وقال زيني في مقابلة أجريت معه مؤخراً "إنني أزداد قناعة كل يوم بأن هذه الحرب كانت نتاجا للمحافظين الجدد الذين لا يفهمون المنطقة، إنني لا أعرف من أين جاء وولفويتز ورفاقه من المحافظين الجدد، وهذه ليست الأجندة التي خاض بوش وتشيني الانتخابات على أساسها·· لقد سيطر المحافظون الجدد على الرئيس وعلى نائبه"·
وجاء رد "ناشيونال ريفيو" باتهام زيني بأنه معاد للسامية· وقال جويل موبراي إن الجنرال "يُلقي باللائمة على اليهود" وأصرّ على أن المصطلح "محافظون جدد" ينطوي على معاداة للسامية ويقصد به اليهود، ولكن مثل هذه الحيل لاتنفع المحافظين الجدد بل تزيد عزلتهم والنفور من تكتيكاتهم·
وقد بدأ ديفيد بروكس الكاتب في صحيفة "نيويورك تايمز" يوصم منتقدي المحافظين الجدد بمعاداة السامية، وقال إن اختصار المحافظين الجدد NEOCONS هو عبارة عن NEO أي اليهود و CONS أي المحافظين·
ليبرالية لها أسنان
ولكن مشكلة المحافظين الجدد لا تكمن في كون معظمهم من اليهود، بل في أن القليل منهم هم محافظون· فقد صرّح لورانس كابلان، زميل بيرل الذي اشترك مع وليام كريستول في تأليف أحد الكتب قائلا "إن هذه ليست مُحافظة، إنها ليبرالية بأسنان حادة"·
فإذا كان المحافظون الجدد يعتقدون أن دوافع أي شخص إنما تنطلق من كُره اثنين، فهل من غير العدل ألاّ نستكشف انتماءاتهم الإثنية؟ ولماذا تقوم كل طروحاتهم من "الإمبراطورية الأمريكية" إلى "الهيمنة الكونية الخيّرة" إلى "السلام الأمريكي" أو PAX AMERICANA إلى "ثورة ديمقراطية عالمية" على أساس التضامن مع شارون والتحريض على استخدام قوة الولايات المتحدة ضد أعداء إسرائيل؟
ولماذا يجري إفشال أي خطة سلام يقترحها أو يصادق عليها رئىس أمريكي من مشروع روجرز مروراً باتفاق أوسلو ثم كامب ديفيد وخطة طابا والمبادرة السعودية وخطة ميتشيل وحتى خارطة الطريق؟ ولماذا يُتّهم كل وطني أمريكي يطالب شارون بوقف بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية وبناء جدار حول مدينة القدس بأنه من ذوي الميول العربية "ARABIST" في وزارة الخارجية أو أنه مخلب الـ "لوبي النفط التكساسي" أو أنه معادٍ للسامية أو أن السعوديين قد اشتروه؟
الولايات المتحدة تظل على التزامها الأخلاقي والسياسي تجاه أمن وبقاء إسرائيل وتزويدها بالأسلحة لضمان ذلك، ولن يتراجع أي رئيس أمريكي عن هذا الالتزام، ولكن كون إسرائيل دولة صديقة لا يعني أن للشاورنيين الحق في الاستيطان والاستيلاء على أراضي العرب أو حرمان العرب من الحقوق التي ننادي بها للآخرين في العالم، فمن مصلحة الولايات المتحدة القومية أن تقول "لا" بوضوح لمثل هذا السلوك·
إنها لحظة الحقيقة، فمع زوال القوة العسكرية للإمبراطورية السوفييتية وغياب وجودها في المغرب العربي والشرق الأوسط، لم تعد المصالح الأمريكية والإسرائيلية متوافقة، بل إن هذه المصالح، مع صور المعاناة التي تنشرها قناة "الجزيرة" للفلسطينيين كل ليلة، بدأت تتناقض·
وهكذا بدأ الشقاق والنزاع الذي لا سبيل إلى حله بين المحافظين التقليديين والمحافظين الجدد، فنحن "اليمين القديم" ليس لنا سوى دولة واحدة ونعتقد أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة يجب أن تحددّها مصالحها، ومصلحة الولايات المتحدة هي فيما علمنا إياه "أجدادنا الأوائل" إذا أردتم الحفاظ على هذه الجمهورية، فلا تتورطوا في حروب خارجية وتجنبوا "الأحلاف الدائمة" واحذروا "الصلات العاطفية" مع الدول الأخرى·
ففي عام 1778 قامت واشنطن تحالفاً مع فرنسا ولكن ما إن تحقق النصر، استدرجنا ذلك التحالف إلى حروب أوروبا، والحكام الأمريكيون الذين احتفوا بالتحالف مع فرنسا، سعوا إلى فك عُرى ذلك التحالف ونجحوا في ذلك بالفعل·
فمع انتهاء الحرب الباردة، لم يعد التحالف مع إسرائيل مركزياً لمصالح الولايات المتحدة، وعلى العكس من ذلك، فإن سمعتنا كمزودين للأسلحة وحلفاء لإسرائيل ألحق بنا ضرراً كبيراً في الوقت الذي يواصل فيه شارون هيجانه في الضفة الغربية ويبني الجدران على الأرض العربية ويحرم الفلسطينيين حقهم في تقرير المصير، ونحن الأمريكيين، نؤيده في ذلك، إن شارون يجعل منا أناساً منافقين ونحن جبناء إن سمحنا له بذلك·
أمريكا الإيديولوجية
إن الصهيونية، بالنسبة إلى المحافظين الجدد، هي طبيعة أخرى، فهم لا يتخيلون وجود سياسة خارجية جيدة للولايات المتحدة مالم تكن متضامنة بشكل مطلق مع إسرائيل لقد أصبحوا قريبين جداً من الفكرة المسموحة التي دفعت بجوناثان بولارد (المواطن اليهودي الأمريكي) إلى الخيانة وهي أنه "ما هو جيّد لإسرائيل، لا يمكن أن يكون سيئا للولايات المتحدة"·
ولتفادي الإقرار بالحقيقةالواضحة، بدأ المحافظون الجدد بإضفاء طابع منطقي على صلاتهم العاطفية مع دولة أجنبية، إذ يقول بيرل وفوارم إن "النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني ليس سبباً للتطرف الأصولي"·
ولكن حين يقول كل صحافي يزور المنطقة وكل دبلوماسي عائد منها وكل استطلاعات الرأي أن الدعم الأمريكي غيرالمشروط لإسرائيل وإحجامها عن انتقاد القمع الإسرائيلي للفلسطينيين هو الذي جعلنا مكروهين في المنطقة، فكيف يمكن للناس المخلصين كتابة ذلك؟ وهل أغمضوا أعينهم عن الحقيقة، لأنها مؤلمة جداً؟!
لقد كتب إيرفنغ كرستول يقول إننا نقف إلى جانب إسرائيل لأن أمريكا دولة "إيديولوجية" تماما كما كان الاتحاد السوفييتي في الماضي، فنحن وإسرائيل دولتان ديمقراطيتان أما العالم العربي فليس كذلك وهذا كل ما في الأمر·
ويضيف: "لهذا السبب كان من مصلحتنا القومية أن ندافع عن فرنسا وبريطانيا في الحرب العالمية الثانية، ولهذا السبب نشعر أن من الضروري الدفاع عن إسرائيل اليوم وحين يتعرض بقاؤها للخطر، ولا حاجة لأي حسابات جيوسياسية معقدة لمصالحنا القومية"·
ولكن هذا مجرد هراء، وكريستول يعرف ذلك· فحين أعلنت بريطانيا وفرنسا الحرب على هتلر في الثالث من سبتمبر 1939، لم يتدخل فرانلكين روزفلت لـ "الدفاع عن فرنسا وبريطانيا"، ووعد بأن تبقى الولايات المتحدة على الحياد، وحين انهارت فرنسا في شهر مايو 1940 وطلبت منا مساعدات على شكل طائرات، فكان رد روزفلت الاكتفاء بإرسال كلمات التشجيع ولم نعلن الحرب على هتلر إلاّ بعد 18 شهراً على سقوط فرنسا وبعد أن أعلن هتلر الحرب علينا، إذن لم نخض الحرب دفاعاً عن الديمقراطية في بريطانيا أو فرنسا، بل خضناها من أجل تحطيم الإمبراطورية اليابانية التي هاجمتنا في "بيرل هاربر" إذن فما يفعله كريستول هو ترديد أساطير ليبرالية كالببغاء·
وفي الحرب الباردة، تحالفت الولايات المتحدة مع شيانغ كاي شيك وسالازار وفرانكو وسوموزا وشاه إيران وسوهاروتو وسينغمان ري وبارك شانغ هي وجنرالات كوريا وكولونيلات اليونان والأنظمة العسكرية في البرازيل والأرجنتين وتركيا والدكتاتور الفلبيني فيرديناند ماركوس ودكتاتور تشيلي بنيوشيه لأن هؤلاء الحكام السلطويين أثبتوا أن بالإمكان الاعتماد عليهم أكثر من حكام ديمقراطيين مثل نهرو وأولف بالمه وويلي برانت وبيير ترودو· وحين يتعلق الأمر بحرب تشكل تهديداً لنا، سواء كانت باردة أم ساخنة، فإننا قد نتحالف مع الشيطان·
فساد ثقافي
فالهند دولة ديمقراطية وأكبر من إسرائيل 2000 مرة ومع ذلك، فحين اندلعت الحرب بينها وبين باكستان، وقفنا إلى جانب باكستان، لماذا؟ لأن الباكستانيين كانوا حلفاءنا، بينما كانت الهند تتحالف مع موسكو ولم نكترث لكون الهند ديمقراطية وكون باكستان دولة سلطوية·
وبالنسبة إلى إسرائيل، هل قدمت لها الولايات المتحدة مساعدات تزيد عن مئة مليار دولار ووقفت إلى جانبها في كل حروبها مع العرب، لأنها دولة ديمقراطية؟
اذهبوا وقولوا ذلك إلى المؤرخ البريطاني طوني جوت الذي تعرض لهجوم مقذع من قبل المحافظين الجدد في الولايات المتحدة حين اقترح قيام دولة ثنائية القومية في فلسطين يتمتع فيها الفلسطينيون بحقوق متساوية مع اليهود·
فقد وصف فوارم فكرة جوت بأنها "ليبرالية تودي باليهود إلى التهلكة" ووصفها جون بودوريتز بأن "من غير الممكن تصورها" وأنها نابعة من "فساد ثقافي" وتنم عن كبرياء وبشاعة·
ولكن إذا كان الحل العادل لمشكلة جنوب إفريقيا بإلغاء نظام البانتونات وإقامة ديمقراطية حقيقية فلماذا يكون من المحظور مناقشة تطبيق هذا الحل على المشكلة الفلسطينية؟
ويكشف المحافظون الجدد عن أنفسهم في كونهم يحملون فكراً ليس محافظاً، فهم "اليعقوبيون الجدد" (أو اليعاقبة الجدد وهم جماعة سياسية متطرفة عُرفت بنشاطها الإرهابي خلال الثورة الفرنسية)، وفقاً للباحث كلايس رايان، الذي يقول إنهم أناس يتبعون نزواتهم الشريرة·
خطأ قاتل
ويضيف موضحاً أن "النزوات الكبرى فقط هي التي تُلهم حلم الهيمنة العالمية المسلحة، وإيديولوجية الإمبراطورية الأمريكية الخيّرة والديمقراطية العالمية تخفي وراءها شهية متوقدة للسيطرة والقوة· إنها تشير إلى صعود أمريكي من نوع خاص إلى السلطة، يختلف اختلافا عميقا عن ذلك النوع من المسؤولين الأمريكيين الذين تميزوا بالتواضع وضبط النفس"·
وكتاب بيرل - فورام غارق في الأوهام، وهو الأمر الذي ربما يكون خطأ المحافظين الجدد المميت، ففي مرحلة التحضير للحرب حين كان المنتقدون يكشفون عن خطط شن الحرب قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 بوقت طويل، لم يكلّف المحافظون الجدد أنفسهم عناء نفي وجود مثل هذه الخطط· بل كشفوا عن وجودها بالفعل، وأخذوا يتباهون بمعتقداتهم وخلفياتهم وكيف أنهم يختلفون عن الآخرين وكيف أصبحوا يشكلون النخبة الجديدة في واشنطن، وحين رقص جورج بوش وديك تشيني ودونالد رامسفيلد على دقات طبول الحرب التي قرعوها، خرج أحدهم ليعلن بغطرسة متناهية "نحن كلنا محافظون جدد الآن"!
ولكن ليس من الحكمة دائما أن يتباهى أحد أفراد الحاشية الملكية بنفوذه القومي أمام الأمير وهاهم المحافظون الجدد قد خرجوا من اللعبة فنحن نعرف من هم ونضعهم الآن في الزاوية·
والآن، وبعد تعثر العملية الأمريكية في العراق، يبدو أن المحافظين الجدد يخشون أن يتحملوا المسؤولية عن تدهور الوضع تماما كما حدث لوزير الدفاع الأسبق روبرت مكنمارا وزمرته الذين دفعوا ثمن الهزيمة الأمريكية في فيتنام·
ويبدو أنهم (أي المحافظين الجدد)، فهموا الأمر فهماً صحيحاً هذه المرة·
AMERICAN CONSERVATIVE
" عن أميركان كونسيرفاتيف "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com