
الديين يلقي محاضرة
كتب المحرر الثقافي:
عقد أحمد الديين مقارنة بين مواد نظام المطبوعات العثماني الصادر عام 1865، وقانون المطبوعات والنشر الكويتي الصادر 1961 للتدليل على تخلف البيئة القانونية التي تعمل بها الصحافة الكويتية، كما ذكر النصوص المشتركة بين القانونين رغم مضي قرن من الزمان بين إصدار القانونين مما يشكل إدانة واضحة لقانون المطبوعات في الكويت·
وكان الصحافي والناشر أحمد الديين قد ألقى محاضرة بعنوان "قانونا المطبوعات العثماني والكويتي: قراءة ومقارنة"، ضمن البرنامج الثقافي الأسبوعي الذي تقيمه رابطة الأدباء·
يقارن المحاضر بين نص المادة الخاصة بإصدار الصحف والمجلات في القانون العثماني والتي تشكل قيدا على حرية الإصدارات "كل جريدة أو أوراق سائرة انطوت على مواد سياسية وإدارية سواء كانت مجزأة أو صادرة بهيئة منتظمة وأوقاف معينة أو غير معينة بأية لغة كانت من دون رخصة لا يجوز نشرها ولا إحداثها، وعليه فالراغبون من تبعة الدولة العلية في نشر جريدة أو أوراق من مثل هذه أن يتلمسوا ذلك من نظارة المعارف الجليلة"·
ويشير المحاضر الى أن هذه المادة قد تعاملت مع أمر إصدار الصحف بموضوع سيادي مطلق تمتلكه الحكومة ومحصن تجاه القضاء الإداري، وبالمضمون نفسه والقيود الواردة في المادة السابقة يذكر المحاضر مادة من قانون المطبوعات الكويتي تنص على "لا يجوز إصدار جريدة إلا بعد الترخيص بإصدارها من رئيس دائرة المطبوعات والنشر"· كما يضيف أن مثل هذا القرار، وبعد تقديم التظلم فإن لمجلس الوزراء الحق في تأييد قرار الرفض، ويكون هذا نهائيا ولا يجوز الطعن فيه·
كما يذكر المحاضر مواد أخرى في القانون العثماني لا يختلف عنها القانون الكويتي الحالي إلا بلغتها، حيث يبدو "العثماني" بصياغة قديمة ومصطلحات وتراكيب تراثية، بينما تجاوزه "الكويتي" بتلك اللغة، وأخذ روح نصوصه ومضمونها في المنع وتضييق الحريات·
ويذكر الديين من بين ما يجرمه "القانون العثماني" التصدي "لحكومة الحضرة الشاهانية السنية" و"من استعمل ألفاظا تمس الحكومات المتحابة مع الدولة العلية" و"ذم سفراء ومرخصي ومعتمدي الدول الأجنبية المقيمين في الممالك المحروسة الشاهانية"· وفي المقابل يجرم قانون المطبوعات الكويتي أيضا وبمعان فضفاضة "نشر ما من شأنه المساس برؤساء الدول أو تعكير صفو العلاقات بين الكويت وبين البلاد العربية أو البلاد الصديقة، وفي باب العقوبات يعمم "القانون العثماني" عقوبات النشر "تقع أولا: على المدير المسؤول أو على الناقل، ثانيا: على صاحب المقالة الموقع توقيعه بذيلها، ثالثا: على صاحب المطبعة، رابعا: على البائع أو الموزع"، ويذكر المحاضر ما يقابل هذا النص في تعميم العقوبات في "القانون الكويتي" "يعاقب رئيس التحرير وكاتب المقال بالحبس مدة لا تجاوز ستة شهور وبغرامة لا تجاوز ألف روبية أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا نشر في الجريدة ما حظرته المواد الخمس السابقة"·
وفي الرقابة على الصحف يشير المحاضر الى النص "العثماني" المتضمن "إن الجرائد والنشرات الموقوتة، التي تطبع في البلاد الأجنبية والأيالات الممتازة يمكن منع نشرها وتوزيعها في البلاد العثمانية بموجب قرار خاص من مجلس الوكلاء، ويمكن لنظارة الداخلية أن تمنع عددا واحدا منها، أما الذين يبيعون أو يوزعون جريدة أو نشرة ممنوعة على هذه الصورة مع علمهم بمنعها فيعاقبون بالجزاء النقدي من ذهبين الى خمسة عشر ذهبا"· كما ينص "الكويتي" على المضمون نفسه "يجوز محافظة على النظام العام أو الآداب أو حرمة الأديان منع تداول مطبوعات واردة من الخارج، ويكون هذا المنع بقرار يصدر من رئيس دائرة المطبوعات والنشر"·
كما يتوقف المحاضر عند صياغة القانون الكويتي وأوجه الشبه مع "العثماني" من حيث ورود عبارات مطاطية وغير دقيقة أو محددة، يمكن تفسيرها على أوجه عدة·
ثم يعرض الديين الملامح العامة لقانون المطبوعات والنشر الكويتي:
*إنه قانون متخلف عن قيم العصر وعن معطيات ثورة المعلومات والاتصالات، التي اختزلت المكان والزمان وتجاوزت القيود والرقابة، وهو ينطلق من مبدأ الحظر والمنع، الذي يفترض أنه استثناء وليس أصلا، فالأصل في الأمور الإباحة·
* القيود الشديدة المفروضة على حرية إصدار الصحف، حيث إن الأمر كله خاضع لقرار الوزير أو الحكومة، ولا يمكن اللجوء الى القضاء الإداري للطعن في قرار منع الترخيص·
* ما يتضمنه القانون من عقوبات سالبة للحرية في جرائم الرأي، كما في المادة 26 التي تتضمن عقوبة الحبس مدة لا تجاوز ستة شهور، ويمكن عند العودة الى تكرار المخالفة الحكم بالحبس مدة لا تجاوز سنة واحدة·
ما يتضمنه من عقوبات إدارية مشددة تتمثل في المصادرة والمنع والتعطيل الإداري للصحف وسحب التراخيص، بقرارات إدارية ومن دون أحكام قضائية·
* تعدد القوانين والتشريعات المتصلة بالصحافة، حيث لا يتم الاكتفاء في جرائم النشر بالقانون الموضوع، وهو قانون المطبوعات والنشر، وإنما يتم التوسع في الاتهام ليشمل جرائم منصوصا عليها في قوانين أخرى، فعلى سبيل المثال نجد أنه بالإضافة الى قانون المطبوعات والنشر، فإن قانون الجزاء يشمل من بين ما يشمل جرائم النشر أيضا كما في المواد 111 الى 113 في شأن المس بالأديان، وكذلك تشملها المواد من 209 الى 216 في باب جرائم القذف والسب، كما أن هنالك قانونا ثانيا، وهو القانون رقم 31 لسنة 1970 في شأن الجرائم المتعلقة بأمن الدولة يشمل في نطاقه جرائم النشر، كالمادة 12 المتصلة بإذاعة أسرار دفاعية، والمادة 14 المتصلة بالدعاية المثيرة زمن الحرب، والمادة 15 المتصلة بنشر أخبار أو بيانات كاذبة من خارج البلاد من شأنها إضعاف الثقة المالية بالدولة أو هيبتها أو الإضرار بالمصالح القومية للبلاد، والمادة 29 في شأن الدعاية عن طريق النشر لاعتناق مذاهب ترمي الى هدم النظم الأساسية، وبذلك فإن لم يسعف اتهام الصحافي عبر قانون المطبوعات والنشر يتم الانتقال الى قوانين أخرى لملاحقته وعقابه·
* اتساع قائمة الممنوعات والمسائل المحظور نشرها، فهي الى جانب ما سبق ذكره في مواضع سابقة، تشمل: حظر نشر أنباء الاتصالات السرية الرسمية - حظر نشر الاتفاقات والمعاهدات التي تعقدها حكومة الكويت قبل نشرها في الجريدة الرسمية - حظر نشر أنباء من شأنها التأثير في قيمة العملة الوطنية - حظر نشر ما من شأنه أن يخدش الآداب العامة، ولا فرق هنا بين نشر مادة في الثقافة الجنسية ومادة إباحية·
* تجاهل الكثير من المبادئ القانونية، مثل: تجاهل "مبدأ شخصية العقوبة" الذي يتم خرقه حيث تشمل دائرة الاتهام والتجريم والعقاب رئيس التحرير الى جانب كاتب المقال أو محرر المادة، بالإضافة الى صاحب المطبعة، تجاهل خصوصية جرائم الرأي ومخالفات قانون المطبوعات والنشر، التي يفترض مراعاتها، حيث يتم توقيف الصحافيين عند الادعاء العام، شأنهم شأن أي مجرم عادي، التوسع الخاطئ في تطبيق مفهوم "الجريمة المشهودة" على جرائم الصحافة ومخالفات قانون المطبوعات والنشر، بحيث يحق لغير ذوي الصفة تقديم بلاغات وشكاوى وتحريك الدعاوى القضائية ضد الكتاب والصحافيين، استنادا الى تطبيق غير دقيق للمادة 14 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية"·
ثم يختتم الديين محاضرته بالمطالبة بتشريع قانون ديمقراطي وعصري للمطبوعات والنشر بحيث يتوافق مع ما قرره الدستور الكويتي من ضمانات تكفل حرية الرأي والتعبير والنشر وحرية الصحافة، بالإضافة الى ضرورة توافقه مع الثورة العصرية في المعلومات والاتصالات·
وبعد فتح باب التعقيبات والأسئلة، توجه الصحافي محمود حربي بالتساؤل حول التوسع في تجريم الكتابة والنشر عن "الصحابة" لما يمثله مفهوم الكلمة من دائرة واسعة من الأشخاص في العصر النبوي·
واقترح الدكتور خليفة الوقيان في تعقيبه على المحاضرة أن يضم مشروع قانون المطبوعات والنشر المطروح حاليا مادة تعاقب على "التكفير" للحد من الظاهرة واستسهالها كما يحدث حاليا في الكويت·