رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 17 صفر 1425هـ - 7 أبريل 2004
العدد 1622

قراءة اتصالية في "حدائق العاشق"
الطريق الى عين التمر

                                                                     

 

مقداد مسعود

"(سافاثا): أو عين التمر، مدينة آرامية دائرة، هي الآن أطلال خاوية على عروشها ممعنة في الصحراء غربي كربلاء، سكنتها قبيلة جدي وعاشت في أحد أحيائها الأربعة قبل ستمئة عام·· لا طريق إليها، (154/ حديقة العاشق)·

(سافاثا) تتجاوز دلالتها الجغرافية على الخريطة لتتجاور اتصاليا مع مدن أخرى: (ايثاكا/الشاعر كفافي) أو نجد الشاعر المتنبي إنها طراز خاص من اليوتوبيا يفرد لها العاشق فصلا باسمها (سافاثا/ص53)، لكن هذا الفصل لا يجعلنا ندخل المدينة من بابه، ولا يتعدى في وظيفته العلاماتية حدود سهم الإشارة الذي الى جهة يشير، وتلك حدود مسؤوليته، فالسهم لا يعين لك مدخلا بل يبث في السالك حيرة التائه ويجعله يتساءل: "ربما هي أمامي من دون أن أدري، ربما هي في أقصى ماضيك أو ماضي الكون··/ص52" نص سافاثا خال من الواحدية المطلقة فالسيادة فيه لتعددية النسبي "يتعدد هذا النص، ليل كستنائي، ليل برتقالي، ليل ساطع" والجهد الأركيولوجي المبذول، لم يتوصل الى الهوية الجغرافية "لا يعرف ما إذا كانت سافاثا مدينة نهرية؟ أم مدينة صحراوية؟ موطن أمة واحدة أم موطن أمم متعددة···/ص123)·

 

***

 

(1)

 

اتصالية الخطاب الروائي:

"حدائق العاشف" رواية توجه خطابها الى متلق متحرر من هيمنة الأشكال الروائية كافة·· متلق استوعب ليتجاوز، لا استيعاب للأشكال، لتقيم استجابته مطمئنة في ذائقة قارة إنه إذن متلق لا يقاضي النص وفق المنطق الأوسطي، بل يحاور النص عبر حرية مشروطة بشروط الكتابة الحداثية وأخلاقياتها في القراءة، والروائية من جانبها تحذر القارئ من التورط في اللجوء الى منطق التأويل الذي يفسد نكهة الغامض بذريعة توضيحه (التأويلات رغم جمالها تحول السر الى معرفة فتفصلنا عن رجفته الأولى··/ ص124 - الرواية) هذا التحذير الذي لم يتعظ السارد به فتورط هو الآخر في نسق ثلاثي تأويلي (انظر الى ص 126 من الرواية) إذن اتصالية الخطاب الروائي ليست هي اتصالية عامة بل هي اتصالية خاصة موجهة الى قارئ حداثي، لا تستفز استجابته هذه الأشكال الروائية بل يتلذذ بقراءتها فهي تحقق له بعض ما ينتظره من الرواية العربية الحداثية·

 

(2)

 

التكرارية الاتصالية: لا تخضع سيرورة أولويات رواية "حدائق العاشق" لميكانكيزم روائي متعارف عليه وعلى حد قول السارد (لا أذكر الأيام حسب تواليها المعهود فأنا أقول الثلاثاء فالاثنين الخامسة فالرابعة·· هناك فجوة دائما، شيء مفقود/ ص112)· الحدث في الرواية لا يبدأ لينتهي بل ثمة عودة مستمرة للحدث ذاته نسميها تكرارا اتصاليا·· ويحدث ذلك أيضا مع الأمكنة التي هي "أزمنة ثابتة بلا حركة/145" ومع الآخر الذي هو أنا أكثر مني·

مع تغيير في زاوية المنظور·· العاشق يتنقل من "صوفيا" الى "دمشق" ليعود الى "صوفيا" التي توصله الى المدينة اليوتوبيا أعني "سافاثا" وحين يتأمل "خزانات الجوز" فهو الى "حجر الروح" و"زجاج الروح" و"ميناء الأشباح": يصل وما إن يصل القارئ الى "ص/108" من الرواية، حتى يعيده السرد الروائي الى "ص8"·· وحين يصل القارئ الى "ص121" فهو سيعود الى "ص11"، وما تهمس به الكاهنة في "ص11" سيعرضه علينا السارد ضمن الحفريات في "سافاثا /ص125"·· لذا يمكن اعتبار هذا المنتوج اللذيذ (حدائق العاشق) للشاعر والروائي والمترجم (محمد الأسعد) حفريات روائية / حداثية متقدمة في حداثيتها··· حفريات اتصالية في الأزمنة/ الأمكنة/ العلاقات الحميمة بين مرهفي الحس· والعاشق لا يتنقل بين الأمكنة والأزمنة والشخوص تنقل السائح، بل هو يسعى إليها بقدم المطارد فالعاشق تتداوله المدن عبر فهمها للثقافة من المنظور الاقتصادي والذي سنعبر عنه بـ (اقتصاديات الثقافة) والتي (لم تنظر الى الفلسطيني إلا كأداة في خدمة (السياسي) وأسقطت كل جوانب تجربته الإنسانية من حسابها /ص4/ نص اللاجئ رواية مخطوطة للصديق محمد الأسعد"·

 

(3)

 

اتصالية / تضاد/ تعتمد آلية التشيؤ على فاعلية اتصالية/ تضاد إنها تضع المناسب في المكان غير المناسب وهنا يكون للتضاد/ الاتصالي ازدواجه القيمي (1) تضاد الكائن مع المكان (2) تضاد الكائن مع الممكن، والنتيجة اغتراب يؤدي الى تعطيل الفاعلية الإنسانية وعدم فهم الآخر لما يحدث "في قفص الدجاج يظل النسر عاطلا عن العمل وغموضه وبطالته يحيران الدجاج / ص114" لكن قوة الكائن لا تتوقف عن بث فاعليتها فـ "الكائن يشق طريقه في أثلام متاهة يصنعها ويتخيلها ويهدمها في وقت واحد: أماكن وأسماء وأجواء /ص22"·

 

(4)

 

اتصالية/انسجام: الكائن العاشق يتصدى لكل هذا التضاد/ الشرس بكل ما يملك من تلك القوة السحرية/ البيضاء/ القوة المرئية واللامرئية في الوقت ذاته والتي تعينه في إعادة الكائنات والأشياء الى أمكنتها الحقيقية عبر لغة عذراء، وسيط لغوي لم تنتهكه الألسن "لا بد أن تولد لغة أخرى، ربما لهذا السبب تحدث الانفجارات الصوفية وينفجر غير المعقول وما الى ذلك، هل نمتلك جرأة الحديث بلغة لم يسبق أن تحدث بها أحد/ص145"·· إن عذرية اللغة تعني هنا شعريتها أيضا فـ "بالشعر وحده تعود الأرواح الى الحقول المنسية/ص117" بلغة مثل هذه ينجز التكافؤ بين التضاد/ والاتصال بين الكائن/ المكان، فمن هذه الاعادات الجزئية، نحصل على ذلك الكل المفتقد/ ذلك الكل الدائر وتعود "سافاثا" الى أهلها وهكذا تكون وظيفة السرد: انزياحية·

عليها أن تزيح أغبرة الزمان المتراكمة على "سافاثا"، وبالطريقة هذه يكون الفعل الروائي فعلا أركيولوجيا (حفريات)، ومن خلال الحفر يتجاوز الحفيد/ العاشق خسائر الجد، فالحفر هو خيط اللابرنث الذي لم يتسلح به الجد في التصدي لمتاهة العودة، وهنا يكون للجهد المبذول ازدواجه القيمي: قيمة حفرية/ وقيمة إشارية، فالحفر إشارة مرورية تنقذ السالك من التيه وتغنيه عن انتظار الدليل، وهذه ليست قراءتنا فقط فالحُفر موجودة سرديا في فصلي "حجر الروح/117" و"حديقة العاشق 123"، وسافاثا تستحق كل هذا البذل ففيها تعود الأشياء الى صفاء الجوهر المحض "تعود القصيدة الى بياضها والوردة الى عرائها والمرأة الى موجتها التي كانت عليها/ ص125"·

 

(5)

 

اتصالية العاشق والمعشوق: إن فاعلية المكان الخيميائية لن تحدث إلا في الحديقة الأم الرحم الذي نزل منه أسلاف العاشق أعني "حديقة العاشق" التي خصها بفصل مستقل، فالداخل فيها، ينغلق الزمن عليه ليعيده الى تلك اللحظة الحية أعني تماهي العاشق في ذات المعشوق فيسعى العاشق الى تفكيك ما يرى عبر تراتبية / تأويلية/ ثلاثية (تأويل أول) (تأويل ثان) (تأويل ثالث) ص126· إن النظر الى ما تبقى من رسومات على جدران "سافاثا"، النظر وحده، ينفخ الروح فيها، فيغادر الحجر حجريته الثابتة ويتدفق فيه ماء التحول، وتزيد من سرعة التحول فاعلية المخيلة (أعود الى الشظايا وأتخيل صورة للوح أصيلة أو حكاية··/ ص127"·· وحديقة العاشق هي (حديقة التحولات/ ص128) ولها قوتها الخيميائية، فيها "يتحول العاشق الى حجر/129" ومن قوة البهجة يتحول الحجر الى إنسان·

"الى عاشق حين تغلبه البهجة/128" والحديقة هي العياني والملموس في الوجود الذي يجب أن لا نفكر بسواه "أثمن شيء أن نفكر بالحقيقي، بالملموس، بالحديقة 90" وهنا الحديقة على المستوى الواقعي بعيدا عن أي تأويل هي حديقة بيت العاشق قبل غزو الطاغية صدام الى الجارة الكويت، لكن هذا الواقعي سيتصاعد الى الأعلى ويجعل السارد يبحث عن الحديقة الأم·· والحديقة هي كل ما تبقى من شريط الذكرى "الحديقة هي كل ما يذكره 75" إذن الحديقة هي الحاضنة لوحدة وصراع الأضداد وذلك في إطار الممكن، فهي بالأساس "حديقة الشهوة 128" وفي الحديقة ينشط التخييل فيحدث التماهي بين العاشق وبين تلك المعشوقة وفي هذا الاتصال/ التماهي إيماءة شفيفة الى اتصالية الدائرة "سافاثا" بحاضر الآرامي (العاشق الآرامي ص52) الذي ما إن يغمض عينيه حتى يرى نفسه هناك (أغمض عيني لأقترب من الحلم أكثر وأرى نفسي في نقش مطموس على صخرة عند أطراف الصحراء / ص110) وهنا تكون حاضنة الاتصالية التاريخية (الآرامي ومدينته سافاثا)·

من وحدة وصراع الضدين: الألم/ البهجة، تنهض الفاعلية/ الخيميائية للسرد الروائي في تحويل وإعادة إنتاج والدفاع عن المغيب/ المقموع/ المسكوت عنه وتأثيل فضاء حر يمارس الإنسان فيه إنسانيته بعيدا عن أي إلزام، وحتى الرواية ذاتها مشمولة بذلك ليقرأها "كل إنسان مثلما يحس ويرى/ ص112)· رواية "حدائق العاشق" كتبها المغلوب الواعي لشروط القهر والذي يحاول الاستعانة بالفن والفن وحده للتغلب على وحشية الغالب·

إذن رواية محمد الأسعد "هي من النوع الذي تبتكره الشعوب المغلوبة لتتغلب على جوانح الإبادة، بأن تخلق لها شبكة حياة خاصة بها، وسائل عيش وموت، حنية في جدار أو ما يسمى بالإنجليزية (Niche) توفر لها استمرارية التناسل وتغيير طرق حياتها الإنسانية نص اللاجئ ص 54 رواية مخطوطة للشاعر والروائي والمترجم محمد الأسعد"·

طباعة  

بعد مقارنة بين القانونين
الديين: قانون المطبوعات الكويتي الحالي يفوق "العثماني" الصادر في عام 1865 في فرض القيود والتضييق على الحريات!

 
وتــد
 
حين تصبح كبيرا
 
أقـــواس
 
المرصد الثقافي
 
إصدارات