اعتزل هيكل·· فمتى يعتزل حجازي وأشباهه؟!ü
عباس منصور
ليس هجوما أو تشفيا في شاعر كبير مرموق قد خذلته رؤيته فلم تعد تطاوعه القصائد، وليس استعراضا لسقطات تبدو سيرته العامة حافلة بها على مدار خمسة وأربعين عاما من صدور ديوانه الأول "مدينة بلا قلب" في 1959 من القرن الماضي، وليس اعتراضا على ريادة مستحقة أو مدعاة لا تجاه من الشعر انخرط فيه كثيرون من مجايليه كمحمد مهران السيد، عبدالمنعم عواد يوسف، صلاح عبدالصبور، بدر توفيق، حسن فتح الباب وغيرهم من فرسان هذا الجيل، ليس كل ذلك إنما هي النصيحة والمودة في القربى، قربة الشعر قبل أي شيء آخر·
مع الاحتشاد الأمريكي الأخير لاحتلال العراق بلغ محمد حسنين هيكل حافة اليقين، اليقين بعدم جدوى الكلام والتحليل وصدارة موائد النقاش والكتابة فآثر الاعتزال والكف عن الخوض في مثل هذه الأمور مع العلم - وبلا أي تحفظ - بأن تلك خسارة جسيمة لأن هيكل صار واحدا من معلمي الأمة بما لديه من خبرة وتجارب وحواس وملكات لها من الإحاطة والحكمة الشيء العظيم إلا أنه آثر السكوت والأسباب ليست بغامضة أو مستعصية فهي أولا وأخيرا تكمن في علاقة المثقف بالسلطة ونظرة السلطة للمثقف ومكانته لديها وفهما لدوره وتوظيفها له، اقتنع هيكل بأنه لا فائدة إذ لا محالة سيجد نفسه واقعا في جحرها ومقيدا في شباكها، وبما أننا أمام هيكل، تلك التجربة التي حققت الكثير من طموحاتها الذاتية على عرش السلطة والثقافة في آن معا، تجربة تلمست معظم مقومات النجاح من عزيمة ومجالدة وطموح وكان لها ما أرادت ولذا لم يعد يشغلها شيء مما هو متاح لأيدي الناس فآثر السكوت استجابة لذاته التي يعرف كيف يحترمها كما قال زهير بن أبي سلمى:
ومن يغترب يحسب عدوا صديقه
ومن لا يكرم نفسه لا يكرم
وإذا كان ذلك كذلك فما بال أحمد عبد المعطي حجازي وأشباهه ممن يتشبثون بالقيام بأدوار ليست لهم؟ أليس من الغريب أن يكون شاعرا موهوبا كحجازي "مدينة بلا قلب"، "مرثية العمر الجميل"، أليس غريبا وبعد كل هذه المسيرة الطويلة من المكانة الشعرية والامتداد الزمني - قرابة نصف قرن - أليس غريبا أن نراه مازال يبحث عن دور؟!
فبالأمس القريب رأيته يخطب في القوم عن ضرورة تجديد الخطاب الديني وحجاب المرأة ومفهوم العفة، وبالأمس غير البعيد لقيته حاملا غضبه وثورته وطاووسيته في وجوه القوم مهددا بنسف الشعراء الصعاليك "الحبربش" و"بتوع" قصيدة النثر وأشباههم من المنبوذين والمنسيين وأعداء الذائقة - كما تقول المؤسسة - بالأمس غير البعيد لقيته شاهرا غضبه موعودا برئاسة تحرير "إبداع" فماذا يقول الآن وقد توقفت "إبداع" غير مأسوف عليها بل مازال الدهماء والغجر والمنبوذين من فصيلة الشعراء يتكاثرون من كل حدب وصوب·
يا أستاذ حجازي·· المثقف - والفنان خصوصا - لا يمكن أن يكون ترسا في ماكينة السلطة تحركه في الاتجاه الذي تريد وأظنك خير من يفهم، فلماذا هذا الإلحاح في البحث عن دور؟! أما زالت في نفسك حاجة من "حتى" السلطة مع الاعتذار لـ "حتى" سيبويه الذي مات وفي نفسه حاجة منها·
ربما كنت يا شيخنا واحد من قلائل شاهدوا كل شيء في مسيرة المنطقة سياسيا وثقافيا وحضاريا بداية من الملكية القديمة وحتى عصر الجمهوريات الملكية الذي أخذ في التدشين وتعلم أن الولاء واحد والاستقطاب في الحالتين واحد، لقد شاهدت زعيما يرتقي سدّة الروح في كيان هذه الأمة وكيف آلت الأمور وكيف غصت الأرواح قبل الحلوق بالكوارث وشاهدت حروبا وسلاما وتجارة ونظرت إلى أمّتك من "الخارج" فكيف وتتشبث و "تستقتل" للقيام بدور في هذه الآلة؟
يا شيخنا·· أنت شاعر، لك لغة وملكوت ومسارب غير تلك التي في قبضة شيوخ الأحزاب ورجال القبائل وأساطين التجارة وجبابرة العسكر، فإما أن تكون نفسك وإما···! وأمامك الخريطة الجريحة الخائرة ولديك اللغة فإما بالقصائد وإما بالسكات!!
üعن موقع "أفق" الإلكتروني