غيمة صيفية عابرة
نشمي مهنا
كأن هذه الغيمة الرقيقة تريد أن تدخل إلينا في المقهى، لتحتمي من المطر، لن نسحب لها كرسيا، لن نطلب لها عصيرا ولا قهوة تركية حلوة، يكفيها مساحة صغيرة من السقف لتقف فوق رأسينا، تتأملنا وتشاركنا الحديث· يكفينا أن نفتح لها قلبينا الى آخر الحلم·
غيمة صيفية صغيرة، وعابرة، لن تثقل علينا، فلا تتضايقي، أكملي هديل الروح·
"السالمية" المتأنقة عاصمتي الشخصية، أو هي عاصمة الفرح، وعشيقة البحر، وأنا بي حنين دائم وولع بالبحر، علمتنيه سبعينات الفحيحيل، فأكملي··
لن تقولي في هذا الضحى الغائم سوى مطر خفيف يغسل عينيكِ، أو بادلي الغيمة هذه رذاذها، ولتبلّل عيناك كلماتنا· لم يعد الدمع يحزنني، هناك ما هو أوجع وأشدّ·
- قهوتكِ بردتْ
- وكلماتك·· أيضاً
- وأنتِ··؟!
نصمت، أتأمل أصابعها· الأصابع أرجوحة للروح القلقة، الأصابع رُتّبت هكذا - بحكمة خالقها - لقراءة المنسي من فصل الحكاية الأخير، الأصابع فضيحة الرماد، شرارات منتظرة· الأصابع أصدق حواسنا وأجلّها، صادقة جداً، لها عشر كلمات، وإيماءات وقواميس ومعان لا تُحدّ·
- أصابعكِ ندية كروحك كابتسامتك الناقصة هذا الضحى·
- غزل متأخر؟!
- لا·· بعض من همس ضيفتنا الغيمة اليتيمة المالحة·
واجهة المقهى واسعة جدا، ثلاثة أرباعها زجاج يشفّ عن هدوء البحر المقابل، سكينة شوارع العاشرة صباحا، بقايا حكايات الساهرين ليلة البارحة، العشاق، المتزوجين، المتخاصمين، والضائعين على أرصفة بحرية تجدّد لا مبالاتها·
النادل الأسمر مهذب، لم يدخل دائرتنا المقدسة منذ أكثر من ساعة، خطوات هادئة وبطيئة في الداخل لزبائن من كبار السن، متقاعدين إلا من زوجاتهم، يحيون جمرات الحميمية المتأخرة، كأنهم لم يتذكروا إلا قبيل الشوط الأخير·
أنتبه لسرحاني، فتسبقني:
- ما الذي يشغلك؟!
لم أفضل الرد المكشوف على طريقة الأفلام الرومانسية "مشغول عنك بك":
- أعيش اللحظة· قلت
وأضفت: أجمل ما نمر بها وتمر بنا في حياتنا الغبية هي اللحظات المقتطعة من مشهد لاهث، لا نعرف أننا كنّا فيه إلا بعد أن يمضي· لحظة خاطفة تخترق الأزمان والأمكنة لكنها لا تعلن عن نفسها إلا بعد أن تغادرنا، وتلوّح بيدها من بعيد·
لحظة / لقطة/ مشهد نراه ونحن ساهون، نطل عليه من نافذة كابينة قطار عابر وسط غابات كثيفة، أو ريف واسع، أو قرى متناثرة·
حدث معي مرة هذا، فكنت كصوفيّ عارف تكشفت له هوّة من رؤى في لحظة تجلٍ، وبلمح البصر والنشوة انقطع به الخيط ليُلقى على أرض صلبة·
في قطار الصدفة ذاك، فكرت مرة بعد الإفاقة، كيف أُعيد تلك اللحظة، وذاك المشهد، وتلك الوجوه، من يعيدني أو من يعيده لي· أعلم حتى لو كررت سير الرحلة نفسها بمحطاتها، لن أعثر على ما نسيته هناك، وما سرق مني·
تعرفين أني لا أعني الجمال ولا فن اللوحة، أعني اللحظة الشعورية المكثفة·
ولحظتي معك الآن هي كذلك، أحسست بها بعد أن افتقدتها منذ قليل على جرس كلماتك في تنبيهي على الشرود·
والغيمة التي فوق رأسينا هي أيضا كذلك·· عابرة·
والآن·· هيا بنا، فالغيمة تبخّرتْ!
nashmi@taleea.com