· واشنطن شنت الحرب على العراق بناء على أدلة "مفبركة"
بقلم جوزيف ستيغليتز: ü
باستثناء "نصر" عسكري وحيد يبدو ثمنه باهظا بصورة متزايدة أيضا، اتسمت مغامرة الرئيس جورج بوش العراقية بالكثير من الإخفاقات، فلم يعثر على أثر لأسلحة الدمار الشامل، ووفقا لرئيس مفتشي الأسلحة الأمريكيين ديفيد كاي، فإن مخزون الأسلحة إما أنه لم يكن موجودا أصلا أو تم تدميره قبل سنوات، ولذلك تجاهل بوش ببساطة، المعلومات التي جمعها رئيس مفتشي الأمم المتحدة على أسلحة الدمار الشامل العراقية هانز بليكس، ويبدو أن الأدلة التي بنى عليها دعواه لشن الحرب كانت - في معظمها - "مفبركة"·
والأسوأ من ذلك، أنه أصبح واضحا الآن أنه لم تكن لدى جورج بوش في يوم من الأيام، خطة لما بعد الحرب، فبدلا من التحرك نحو السلم والديمقراطية، يبقى الوضع في العراق خطيرا جدا لدرجة أن الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر، يستخدم عدم الاستقرار كمبرر لعدم إجراء انتخابات ديمقراطية هذا العام·
وبطبيعة الحال، فقد حاولت الولايات المتحدة الحفاظ على النظام في بعض الأماكن بشكل يكشف الكثير عن الأشياء التي تهتم بالمحافظة عليها وتلك التي لا تعير لها بالا في العراق، فحين سقطت بغداد، سارعت القوات الأمريكية الى حماية وزارة النفط، بينما تركت المتاحف والمستشفيات لأعمال السلب والنهب·
ولو لم يعتر الفساد المباشر عمليات ترسية عقود على شركة "هاليبورتون" التي كان رئيسها نائب الرئيس ديك تشيني، لكان لدى إدارة التحالف وفرة من المال دون شك، لقد انخرطت الشركة وشركات أخرى تابعة لها منذ الأيام الأولى للاحتلال، بجني الأرباح بصورة غير مشروعة من العراق وبالتالي، تعين عليها إعادة الملايين من الدولارات من الأموال التي حصلت عليها دون وجه حق، الى الحكومة الأمريكية، والآن، يتفق الجميع بأن المهمة الأكثر إلحاحا، إضافة الى خلق دولة ديمقراطية واستعادة الأمن، هي إعادة بناء الاقتصاد العراقي، ولكن إدارة بوش التي أعمتها الأيديولوجيا، تبدو مصممة على الاستمرار في سجل إخفاقاتها المتكررة من خلال تجاهل تجاربها السابقة·
"علاج بالصدمة"
حين انهار حائط برلين، بدأت دول أوروبا الشرقية ودول الكتلة السوفييتية عمليات التحول الى اقتصاد السوق مع جدل حاد كان يدور حول أفضل السبل لإنجاز ذلك، وكان من بين الخيارات المطروحة ما عرف بـ "العلاج بالصدمة" أي الخصخصة السريعة لمؤسسات الدولة والتحرير المفاجئ للتجارة والأسعار وتدفق رؤوس الأموال، بينما كان الخيار الثاني يقوم على التحرير التدريجي للسوق من أجل إتاحة الفرصة لإقامة حكم القانون في أثناء هذه العملية·
واليوم، هناك إجماع واسع على أن العلاج بالصدمة، لاسيما على مستوى إصلاح الاقتصادات الصغيرة على الأقل، قد فشل، وأن الدول التي أخذت بالمنهج التدريجي للخصخصة وإعادة بناء مؤسسات البنية التحتية مثل هنغاريا وبولندا وسلوفينيا، قد قامت بعمليات التحول بشكل أفضل من تلك التي أرادت تحقيق ذلك بقفزة واحدة، فقد شهدت دول "العلاج بالصدمة" تراجعا في دخل الفرد ومستويات أعلى من الفقر، وقد عكست المؤشرات الاجتماعية مثل متوسط عمر الفرد، الأرقام التي تعكس حالة كئيبة للناتج المحلي العام·
فبعد أكثر من عقد على بدء عمليات التحول، لم تعد الكثير من دول ما بعد الحقبة الشيوعية الى مستويات الدخل التي كانت سائدة ما قبل التحول، والأسوأ من ذلك، فإن التوقعات بشأن إقامة ديمقراطية مستقرة وإرساء حكم القانون في معظم دول "العلاج بالصدمة"، تبدو قاتمة·
وهذا يعني أن على المرء أن يفكر مرتين قبل محاولة تطبيق "العلاج بالصدمة" مرة أخرى، ولكن إدارة بوش، المدعومة من بعض العراقيين الذين اختارتهم، تدفع العراق نحو شكل من أشكال العلاج بالصدمة أكثر راديكالية من ذلك الذي اعتمدته بعض دول الكتلة السوفييتية السابقة، وفي الواقع، فإن دعاة "العلاج بالصدمة" يجادلون بأن فشله لم يكن بسبب الإسراع المفرط فيه - حيث الكثير من الصدمة والقليل من العلاج - بل لأن الصدمة لم تكن كافية، إذن من الأفضل للعراقيين - وفقا لهؤلاء - الإعداد لجرعة أكبر من تلك التي تناولتها دول الاتحاد السوفييتي السابق·
وهناك - بالطبع - نقاط تشابه ونقاط اختلاف بين الحالتين في الاتحاد السوفييتي السابق والعراق ففي كلتا الحالتين، تم إضعاف الاقتصاد قبل انهياره ولكن حرب الخليج والعقوبات الدولية أضعفتا الاقتصاد العراقي أكثر مما فعلته الشيوعية في اقتصادات دول الاتحاد السوفييتي السابق·
وبالإضافة الى ذلك، ففي حين يعتمد كل من العراق وروسيا بشكل أساسي على الموارد الطبيعية، تمتلك روسيا بعض القدرات في مجالات أخرى، فلديها قوة عمل عالية التعليم وقدرات تكنولوجية متقدمة، بينما العراق دولة نامية·
آفاق قاتمة
وللإنصاف، فإن الروس عاشوا عقودا دون فرص لممارسة العمل التجاري، بينما لم يقمع الحكم البعثي طبقة التجار وروح العمل الحر كما فعل الروس، ولكن موقع العراق لم يساعده كما فعل الموقع بالنسبة لروسيا، فليست هناك أي دولة من دول الجوار العراقي ذات اقتصاد جيد بينما استفادت دول الاتحاد السوفييتي السابق من النمو الاقتصادي لأوروبا الغربية في عقد التسعينات، والأهم من ذلك، أن عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط لا يشجع الاستثمار الأجنبي إلا في قطاع النفط·
كل هذه العوامل، إضافة الى استمرار الاحتلال الأمريكي، تجعل من التسريع في الخصخصة أمرا ينطوي على الكثير من المتاعب·
فالأسعار المتدنية التي ستجلبها عملية الخصخصة ستخلق إحساسا بعدم شرعية هذه العملية التي سينظر إليها العراقيون على أنها نتاج ترتيب بين سلطات الاحتلال وعملائها·
ومن دون الشرعية، فإن أي مشتر سيشعر بالقلق على أمن حقوق ممتلكاته التي ستسهم في انخفاض الأسعار أكثر فأكثر، وبالإضافة الى ذلك، فإن أولئك الذين سيقدمون شراء الموجودات المخصخصة قد يحجموا عن الاستثمار فيها، وبدلا من ذلك قد يوجهون جهودهم - كما حدث في مناطق أخرى - الى إهدار الموارد بدلا من تنمية الثروة·
فإذا كانت آفاق العراق قاتمة بالقدر الذي يصوره هذا التحليل، فإن أي إسهام دولي في جهود إعادة الإعمار التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، سيكون أقل من الأموال المهدورة، وهذا لا يعني أن على العالم أن يتخلى عن العراق، ولكن يجب على المجتمع الدولي توجيه أمواله الى القضايا الإنسانية كالمستشفيات والمدارس بدلا من دعم المخططات الأمريكية·
ويواجه البنك الدولي والمؤسسات الأخرى التي تدرس تقديم العون من خلال القروض، المزيد من المصاعب، فتكديس المزيد من الديون على العراق المثقل أصلا بالتزامات هائلة، سيؤدي الى جعل الأمور أسوأ، فإذا تهاوى اقتصاد العراق نتيجة لبرنامج فاشل لإعادة البناء الاقتصادي مبني على "العلاج بالصدمة"، فسوف تغرق البلاد بالمزيد من الديون التي لا سبيل الى سدادها·
لقد كان حلم غزاة العراق الأمريكيين هو خلق شرق أوسط مستقر ومزدهر وديمقراطي ولكن البرنامج الاقتصادي الأمريكي لإعادة البناء يرسي أسس الفقر والفوضى·
ü أستاذ الاقتصاد في جامعة كولمبيا والرئيس السابق لمجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس كلينتون، ونائب رئيس البنك الدولي، وحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد، وصدر له أخيرا كتاب بعنوان: "التسعينات المزدحمة: تاريخ جديد للعقد الأكثر رخاء في التاريخ"·
" المصدر: بروجكت سيندكيت Project Syndicate "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com