رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 12 جمادى الأول 1425هـ - 30 يونيو 2004
العدد 1634

لا خوف من تناول العشاء معهم بملاعق قصيرة··
لماذا رفض الشيوعيون المشاركة في الحكومة الهندية؟

بقلم: جوناثان باور

تردد المثل القائل بأن "المرء بحاجة الى ملعقة طويلة كي يتعشى مع الشيطان" كثيرا خلال القرن العشرين حين كانت تتم إقامة تحالفات بين الأحزاب الديمقراطية والشيوعيين·

لقد ثار جدل بين الإيطاليين لعقود حول ما وصفوه بـ "الحل الوسط التاريخي" الذي كان يحبط دائما بفعل الضغوط التي كانت تمارس من قبل واشنطن والفاتيكان، وحين تولى فرانسوا ميتران السلطة للمرة الأولى في فرنسا، كان يتحالف مع الشيوعيين، وأقنع الأمريكيين بأن إعطاء الشيوعيين مناصب في حكومته يمثل السبيل الأمثل لنزع أنيابهم، وفي الواقع فقد الشيوعيون قوتهم الانتخابية بسرعة بعد ذلك·

وربما يكون ذلك هو السبب وراء قرار شيوعيي الهند، بعد مداولات مطولة بينهم، إثر الأداء الجيد لهم بشكل غير متوقع في الانتخابات، دعم الحكومة دون المشاركة فيها، لقد كانوا غاضبين إزاء فقدان هويتهم السياسية وخشوا أن يفقدوا الأصوات في الجولة التالية من انتخابات الولايات·

وفي الوقت الذي كان فيه الشيوعيون يدرسون خياراتهم، انخفضت الأسعار في سوق الأوراق المالية الهندي الى أدنى مستوياتها، وكانت ردة فعله الأولى، الخوف من مشاركة الشيوعيين في الحكومة وما يترتب على ذلك من تأثير، أما الآن، وقد أوضح الشيوعيون أنهم لن يقفوا في طريق المزيد من الليبرالية الاقتصادية على الرغم من تحفظاتهم على الإصلاح العمالي وخصخصة الشركات المربحة المملوكة للدولة، فإن المشاعر بدأت تميل لصالحهم·

 

حاوية ثقافية

 

ويمتلك الشيوعيون قاعدتين رئيسيتين للقوة هما ولاية كيرالا في الجنوب وولاية غرب البنغال في الشرق، وربما كانت الأخيرة بتعدادها السكاني الذي يضاهي ألمانيا، هي الأهم، فهي الولاية التي عانت في عام 1943 من أسوأ مجاعة في التاريخ·

وهي ولاية مكتظة بالسكان وأصبح الوضع فيها أكثر سوءا بعد تدفق اللاجئين إليها إثر الحرب الأهلية في باكستان وقيام دولة بنغلاديش، ولكنها تمثل أيضا الحاوية الثقافية للهند، حيث أنجبت كبار مخرجي السينما والفنانين والروائيين والخبراء الاقتصاديين فضلا عن خمسة حاصلين على جائزة نوبل·

لقد تولى الشيوعيون السلطة هناك للمرة الأولى عام 1967 بالتحالف مع أحزاب الوسط، وقد سيطر "الماويون" (نسبة الى ماو تسي تونغ) على أجندة الحزب من خلال القيام بإحراق وثائق ملكية الأراضي وتوزيعها على العمال وإحراق سندات الديون وإعدام أصحاب القروض وملاك الأراضي على الملأ أمام الفلاحين، وقد استغرق الأمر بالسلطات - والشيوعيين - عشر سنوات للخروج من هذه المشكلة، وقفز الشيوعيون الى السلطة مرة أخرى عام 1977، وظلوا يفوزون في كل الانتخابات في الولاية منذ ذلك الحين·

ولم يواجه برنامجهم للإصلاح الزراعي الذي يعتبر الأكثر شمولا في الهند، سوى القليل من المعارضة السياسية، وقد سلب المتطرفون الشيوعيون ملاك الأرض إرادتهم، والآن، فإن من الصعب أن تجد أحدا ينتقد ما فعله الشيوعيون·

وقد أثنى رئيس الوزراء الجديد مانموهان سنغ في حوار مع هذه الصحافية، على نجاح تجربة غرب البنغال في توزيع ملكية الأرض على الفلاحين، وقال إنه يود تعميم هذه التجربة، كما أن رئيس غرفة تجارة غرب البنغال بواديب غوبتا الذي يعتبر من أبرز رجال الصناعة في الولاية، يرى أن التجربة كانت مفيدة "في كل أنحاء الهند الزراعية، توجد في هذه الولاية أعلى المدخرات، وهذا أم سيشجع المستثمرين"·

 

أخطاء فادحة

 

ويبدو النجاح أكثر وضوحا في قرى الولاية، حيث الشوارع الواسعة والمنازل الجميلة والمحلات المزدهرة التي علقت عليها الرايات الحمراء وعليها المنجل والشاكوش·

وأصبحت المحاصيل تعطي إنتاجها ثلاث مرات في العام بدلا من مرة واحدة، وتتفوق الولاية على أي ولاية أخرى في إنتاج الأرز، والكهرباء تصل الى كل القرى تقريبا ويمتلك الكثير من المزارعين أجهزة تلفزيون ومراوح كهربائية وحتى ثلاجات·

ويعترف الوزير الأول في الولاية بوداديب باناشارجي بأنه في الوقت الذي تشهد الولاية تقدما في المجال الزراعي، إلا أنها متعثرة منذ سنوات في المجال الصناعي "لقد ارتكبنا أخطاء فادحة ودفعنا الثمن، وهناك كلمة بنغالية في قاموس اكسفورد هي غيراو Gherao والتي تعني العمال الذين يدخلون مكاتب الإدارة عنوة، فهذا ما اعتدنا أن نفعله، واليوم، نحن نقول إن الإنتاجية العمالية ليست مسؤولية الإدارة وحدها ويتوجب على النقابات العمالية أن تتعاون مع الإدارة"·

وقد مضى عقد الآن، على تشجيع الاستثمار الخاص وانضباط قوة العمل، وقد تدفقت الاستثمارات الأجنبية على ولاية غرب البنغال وتتمتع الولاية بواحدة من أعلى نسب النمو الاقتصادي من بين الولايات الهندية، وقد تم خفض مستويات الفقر حتى في مدينة مثل كلكتا المعروفة بالمعدلات المرتفعة للفقر·

ولا يمكن للحكومة الهندية الجديدة البقاء دون دعم الشيوعيين، ولكن الأدلة تشير هذه المرة الى أن بالإمكان تقصير الملعقة دون مخاطر!

 

" عن: انترناشيونال هيرالد تريبيون "

 

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

طباعة  

لنترك العالم العربي يُصلح نفسه بنفسه
 
صدام ساعد الإرهابيين وارتكب المجازر ضد شعبه حين كان يحظى بالدعم الأمريكي
العراق ليس اليابان وبوش ليس آيزنهاور