
· اليمن يجني سياسة توظيف الدولة للدين لأغراض سياسية
كتب محرر الشؤون العربية:
المواجهة الضروس التي تدور رحاها في منطقة صعدة شمال العاصمة اليمنية صنعاء، بين الجيش النظامي وأنصار حسين بدر الدين الحوثي قائد التمرد المتحصن في جبال المرة الوعرة ما زالت على أشدها، فهو حسب الجهات الرسمية متهم بإعادة الروح لنظام الإمامة البائد بعد أكثر من أربعة عقود على انتصار ثورة سبتمبر 1962 وسعى إلى إقامة دولته الخاصة، حيث استبدل علم الجمهورية اليمنية بعلم تابع لحزب الله اللبناني، ونادى أتباعه بأن يعتبروه الإمام الحق وصاحب الزكاة الشرعية، وقد توافرت له أسلحة ومؤن تكفي له أسابيع طويلة وهو حسب الوصف الحكومي الرسمي قد لعب على العنصر الطائفي والمذهبي· في حين ترى بعض الأوساط اليمنية المعارضة، أن تلك المواجهة العسكرية المصحوبة بحملة تضليل إعلامي رسمية، هي جزء من سياسة حكومية لإجهاض الديمقراطية، أما بعض الشيوخ والفقهاء اليمنيين، فيرون أن سبب مقاتلة الحوثي أنه رفع شعارات وسير مظاهرات نادت بقتال الأمريكيين وإسرائيل، وأنه صاحب اجتهاد ديني، وحتى إن لم يكن مقبولا كليا فإن الوسيلة الأمثل هي الحوار معه وليس قتاله درءا للفتنة·
ويرى المراقبون أن مثل هذه المواقف المتباينة جملة وتفصيلا، سواء من حيث توصيف طبيعة التمرد القائم به أو الطريقة المناسبة لاحتوائه، لا تخفي أن هناك عملا مضادا للدولة تم ترتيبه بالفعل منذ مدة طويلة مضت، ولا تنفي أن هذا العمل قد وظف شعارات وتفسيرات دينية معينة من أجل مناهضة الدولة بتركيبتها السياسية والاجتماعية·
ويشير المحللون إلى أن بعض المؤشرات تؤكد أن هناك تمويلا أجنبيا ما ساعد التمرد على الانتشار وتجنيد الأنصار وتكديس الأسلحة والمؤن، وأن المواجهة قد سبقتها محاولات للحوار لمدة عام سابق من أجل إقناع الحوثي بالتخلي عن أفكاره غير المقبولة وتنظيمه الذي شكله ولكنها باءت بالفشل، وهو ما أكده بيان الحكومة الأول حول الأحداث· إذا فالدولة اليمنية كانت على علم مسبق بأفكار الحوثي وخطورتها وكانت على علم أيضا بما يفعله، ولكنها أبقت الأمور في ظل عملية سياسية رخوة للأخذ والرد لمدة تفوق العام، ثم ما إن تطور تحرك الحوثي ليقدم نفسه بديلاً للدولة، لم تجد الدولة مفرا من المواجهة العسكرية، ومثل هذه الطريقة من التفكير ليست مقصورة على اليمن وحسب، فكثير من البلدان العربية حدث فيها مثل هذا السلوك بشكل أو بآخر، كتشكيل جماعات ذات طابع ديني لغرض توظيفها في بلورة توازن سياسي داخلي معين في مرحلة معينة لاسيما في مواجهة قوى سياسية أخرى كانت تستشعر خطورتها وقوتها في المجتمع، ويؤكد المحللون على أن توظيف الدولة للدين لأغراض سياسية داخلية أو خارجية أو غض الطرف عن ظواهر دينية تبدأ صغيرة، ثم ما تلبث أن تتحول إلى سرطان ينهش في جسد المجتمع والدولة معا، يعكس نمطا سلبيا بكل المقاييس يمكن وصفه بنمط الدولة الغائبة عن الوعي وحين تبدأ في استرداد الوعي الغائب تكون كل الظواهر المرضية قد تحولت إلى كوارث قومية كبرى·
ويشير المراقبون إلى أن الافتقار العربي العام لمفهوم الدولة الحديثة ذات القانون الواضح والعقد الاجتماعي المقبول من كل عناصر المجتمع، وانتشار الدولة الأبوية والسلطوية بدرجات وصور متعددة، وغياب الديمقراطية والتعددية السياسية، وعدم الرضا الاجتماعي عن أداء السلطة بمؤسساتها وقوانينها، كل ذلك يقود إلى ثغرات في النظم السياسية، والبحث عن نموذج خاص بهم يقدم البديل الذي يرونه الأفضل وهي أمور مرشحة للتكرار ليس في اليمن وحسب بل في مجتمعات عربية عدة·