كتب محرر الشؤون السياسية:
بقدر ما لاقاه سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الأحمد من حفاوة في عواصم البلاد التي زارها في رحلته الآسيوية بقدر ما شد انتباه واهتمام المجتمع الكويتي الذي تابع تنقلات سموه عبر ما يرسله رؤساء تحرير الصحف الذين اصطحبهم، فهذه من الرحلات النادرة إن لم تكن الأولى التي يصطحب فيها مسؤول كويتي برتبة رئيس وزراء ممثلي القطاعات الاقتصادية والتجارية والصناعية والاستثمارات الذين ضمهم وفد غرفة التجارة المرافق له، وهو ما أعطى الزيارة طابعا لا يقتصر على تنمية العلاقات السياسية والدبلوماسية، بل البحث عن مجالات التعاون المشترك في المجالات الاقتصادية، ومن دون شك فإن مثل هذه الزيارات هي بالتأكيد مفيدة بل ربما كانت ضرورية لتعزيز العلاقات مع دول تربطها بالكويت علاقات سياسية واقتصادية وشيجة، فعالم اليوم أصبح متشابكا لا تستغني فيه أي دولة مهما كبرت أو صغرت على الاحتفاظ بعلاقات دولية نابضة بالحياة·
ما نقله رؤساء تحرير الصحف المرافقون لسموه أن الشيخ صباح بدا منبهرا بما شاهده في تلك البلدان، وكيف حققت نهوضا اقتصاديا رائعا تمثل بمعدلات تنمية عالية بلغت %10 سنويا أو أكثر، وهي معدلات استثنائية لا تتحقق إلا بالثورات الاقتصادية والتحولات الكبرى على الرغم من أن تلك البلدان لا تتمتع بوفرة الموارد "نسبيا طبعا مقارنة بحجم السكان" كما يتوافر للكويت إلا أن ما يميزها عن الكويت هو توافر حسن إدارة ما لديها من موارد وامتلاك الرؤية الواضحة لما يجب عمله لتحقيق أهداف تلك الرؤى·
لقد أبدى الشيخ صباح في لقاءاته مع وفد رجال الأعمال ووفد الصحافة إعجابه بالنجاحات التي شاهدها في تلك الدول، وكان يردد على نحو ما نقلته الصحافة لماذا لا يكون عندنا موانئ مثل ميناء "هونج هوكنج"؟ ولماذا لا تكون عندنا مبان جميلة ومنظمة وشاهقة مثل "شانغهاي"؟ ولماذا لا نحقق معدلات تنمية مرتفعة؟ وبدا متحمسا للعمل على إزالة العوائق والعقبات التي تعطل مسار التنمية كقوله: "إن أي مسؤول يعرقل العمل لا يستحق منصبه صغيرا كان أم كبيرا، وأنه لن يسمح لمجلس الأمة بالتدخل في سلطات وصلاحيات السلطة التنفيذية، وأنه عازم على تحريك عجلة التطوير والتنمية، ولن يلتفت لما يثار من انتقاد وسوف تمضي حكومته في طرح المشاريع لمستثمرين من الداخل أو الخارج، وأن ذلك لن يكون بيعا للكويت، وستعمل حكومته على التخلي عن الخدمات والمرافق عاجلا، خصوصا التي لا تحتاج الى استصدار قوانين بشأنها، وما يحتاج الى قوانين ستتقدم الحكومة بمشاريع قوانين، ويرى سموه أن ذلك ضروري لتحقيق تنويع مصادر الدخل "القومي" وتقليل الاعتماد على النفط·
ولا أحد يختلف مع الشيخ صباح في التساؤل لماذا لا يحصل عندنا ما حصل في تلك البلدان؟ الكل يشاركه الأحلام في تحقيق النهضة الاقتصادية وتحريك عجلة النمو بمعدلات حتى لو لم تجاري معدلات ما تحقق لدى النمور الآسيوية، ويتمنون بشدة أن يتحول الكلام والأحلام الى أفعال وتطبيقات·
لا ينبغي الاستعجال في الحكم على نتائج الرحلة الكبيرة، والكل ينتظر ما سوف تتمخض عنه عندما تعود الفرق التي رافقت سموه، وما إذا كانت ستضع نتائج الرحلة في برامج عمل تكون للتطبيق لا أن تضاف الى ركام البرامج والتقارير السابقة التي ملأت الأدراج، واستهلكت الطموحات·
حتى الآن لم يتبين ما المشاريع التي تم الاتفاق عليها غير ما ذكر عن احتمال قيام اليابان بمعالجة التلوث في جون الكويت وإعادة تأهيله ومعالجة النفايات ومخلفات المصافي، وتكوين صندوق مشترك بين الحكومة والقطاع الخاص بقيمة 500 مليون دولار، وهو مبلغ صغير إذا ما قورن بحجم الاستثمارات الخارجية التي تتدفق على الصين وتقدر بأكثر من 50 مليار دولار سنويا، أو على بلد صغير مثل فيتنام وتقدر بنحو 10 مليارات دولار·
طبعا لا بد أن الشيخ صباح يعلم بأن الكثير من المشاريع التي تساءل لماذا لا تكون في الكويت، الكثير منها مدرج في الخطط الخمسية وفي البرامج الحكومية منذ سنوات عديدة لكنها لم تتحول الى التنفيذ·
تقارير الفريق الصحافي نقلت لنا ما دار بين أعضاء الوفد والشيخ صباح، كلقائه مع وفد غرفة التجارة ولقائه مع رؤساء تحرير الصحف المرافقين له، وما دار بينه وبين مرافقيه في أثناء تنقله بينهم في الطائرة، لكن لم تنقل تلك التقارير ما إذا كان هنالك اتفاقات حول مشاريع ستنفذ في الكويت، ومن الجائز أن ذلك ما زال في جعبة الفرق المرافقة له، وينبغي الانتظار الى ما بعد عودة الوفد وصدور التقارير عن الرحلة·
ومع ذلك يمكن القول إن تحول الكلام الى واقع وانتقال الحلم ليصبح حقيقة يتطلب استحقاقات وشروطا تخلق البيئة الصالحة وتمهد الطريق لتحقيق تلك "المشاريع الأحلام"، منها الالتزام بتطبيق القوانين والضوابط السارية ومنع اختراقها وتجاوزها، وإصلاح الجهاز الإداري، والقضاء على البيروقراطية ومحاربة الفساد والرشوة المتفشية بجدية وصرامة، وتحقيق مبدأ المساواة على الجميع في تولي الوظائف ومراكز المسؤولية، وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب وحفظ حقوق أصحاب الكفاءة والإخلاص في الأداء وحماية مبدأ تكافؤ الفرص سواء في الإدارات الحكومية أو في القطاع الخاص، وهذا كله يتطلب توافر بيئة سياسية صحية لتحقيق الإصلاح السياسي ولتحقيق شعار الحكم الصالح·
ما يأمله الناس ألا تكون هذه الزيارة بما طرحته من طموحات مجرد فرصة ضائعة تضاف الى الملف المليء بالفرص الضائعة·