رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 18 جمادى الأخرى 1425هـ - 4 أغسطس 2004
العدد 1639

العراق ما بين بريطانيا 1917 وأمريكا 2003
هل يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه بهذه الدقة؟!

   

 

·         بدأت أعمال العنف بعد ستة أشهر على الاحتلال البريطاني فاتهم مسؤولون عراقيون جهات أجنبية بالوقوف وراء المتمردين

·         أحد وجهاء العراق أبلغ البريطانيين أنهم سيقابلون بالترحيب في بغداد ولن تواجه قواتهم أية مقاومة

·         بريطانيا قررت عام 1917 تشكيل مجلس حكم يتألف من مستشارين بريطانيين وممثلين عن سكان العراق

 

بقلم روبرت فيسك:

عشية "تسليم السيادة الكاملة" للعراقيين، ها هي قصة مأساة وحماقة ونذير شؤم، إنها قصة ماضٍ حاضر وتكشف قدرتنا على التقليد الأعمى وبالنص الحرفي لأكاذيب وحماقات أجدادنا السابقين·

إنها بمثابة تذكير لنا بأننا إن لم نتعلم من التاريخ، فسوف نكرره، فإذا أردت أن تعرف ما حدث في عراق 1917، فاقرأ ما حدث في عراق 2003 وإذا أردت أن تعرف ماذا حدث في عراق 1920 فاقرأ عراق 2004-2005·

صحيح إننا سلمنا "السيادة الكاملة" للعراق، فهذا أيضا ما زعمه البريطانيون زورا، قبل أكثر من ثمانين عاما، فتعال إذن الى التاريخ لتقرأ ما سيفعله الأمريكيون والبريطانيون خلال الاثنى عشر شهرا الرهيبة المقبلة في العراق·

تبدأ قصتنا في شهر مارس 1917 حين يخلع الجندي تشارلز ديكنز من سرية تشيار بوسترا عن أحد جدران العاصمة بغداد التي احتلتها القوات البريطانية للتو، إنها نقطة تحوّل في حياته، فقد نجا من حملة "غاليبولي" البائسة وهاجم الامبراطورية العثمانية على بعد 150 ميلا فقط عن عاصمتها في القسطنطينية، وتقدم عبر بلاد ما بين النهرين في معركة ضد الأتراك من أجل السيطرة على الخلافة القديمة وخاض معهم معركة بغداد، وقاد الجيش البريطاني الغازي الذي يتألف من 600 ألف جندي الليفتنانت جنرال السير ستانلي مود، أما الورقة الصغيرة التي لفتت نظر الجندي ديكنز فكانت "إعلان" مود الرسمي لمواطني بغداد الذي طبع باللغتين الإنجليزية والعربية·

أما ذلك البوستر الذي يبلغ طوله 11 بوصة وعرضه 18 بوصة فقد وضع في إطار باللونين الأسود والذهبي، وهو معلّق على مسافة أقدام عدة عن مكتبي وأنا أعد هذا التقرير عن الامبراطورية والنبوءة القاتمة· لقد بدت آثار اتساخ على البوستر الذي لف مرات عدة وربما كان ذلك من آثار تعرق ديكنز في صيف العراق القائظ عام 1917، وكانت ابنته هيلدا هي الشاهد على الحدث بعد 86 عاماً من وقوعه·

 

وعود زائفة

 

ففي رسالة كتبتها لي وصفت البوستر بأنه "الوثيقة الثمينة" لوالدها، ويمكنني أن أفهم السبب، إنها مليئة بالتطلعات النبيلة والوعود الزائفة من الامبراطورية الأعظم في العالم، فضلا عن الكثير من الالتزامات والنوايا الحسنة، وكلمات الشرف التي تكررها الإمبراطورية العظمى التالية في مدينة بغداد ذاتها وبعد عقدين من الزمان على وفاة ديكنز·

لقد بدت الوثيقة مثل ترنيمة جنائزية ورد فيها: "إعلان·· هدف عملياتنا العسكرية هو إلحاق الهزيمة بالعدو وطرده من هذه الأراضي، ومن أجل استكمال هذه المهمة، فأنا المسؤول عن كل المناطق التي تتواجد فيها قواتنا، ولكن جيوشنا لم تأت الى مدنكم وأراضيكم كقوات احتلال أو قوات معادية، بل كمحررين، لقد تعرض مواطنوكم لطغيان الأغراب، وقد عانى آباؤكم وعانيتم الويلات، لقد أخذ أبناؤكم لخوض حروب لا تريدونها، وقد استولى آخرون على ثرواتكم التي بددت في أماكن مختلفة، إنها ليست رغبة ملكي وشعبه فقط، بل أيضا رغبة الأمم العظيمة التي يتحالف معها، بأنكم يجب أن تنعموا بالرخاء كما كنتم في الماضي حين كانت أراضيكم خصبة، ولا تفهموا يا شعب بغداد، أن الحكومة البريطانية تريد أن تفرض عليكم مؤسسات غريبة، الحكومة البريطانية تأمل أن تحقق تطلعات فلاسفتكم وكتابكم مرة أخرى، بأن ينعم سكان بغداد بالازدهار ويتمتعوا بثرواتهم وموادهم في ظل مؤسسات تتوافق مع قوانينهم المقدسة ومثلهم العليا، ويأمل الشعب البريطاني ويرغب بأن ينهض العنصر العربي مرة أخرى ويحقق العظمة ويأخذ موقعه بين الأمم، ولذلك فقد صدرت لي الأوامر لدعوتكم من خلال الوجهاء وكبار السن وممثليكم، للمشاركة في إدارة شؤونكم المدنية بالتعاون مع الممثل السياسي لبريطانيا العظمى، بحيث يمكنكم أن تتوحدوا مع مواطنيكم في الشمال والشرق والجنوب والغرب، في تحقيق تطلعات شعبكم"·

التوقيع·· اللفتنانت جنرال

إف · اس· مود قائد القوات البريطانية في العراق·

 

كارثة عسكرية

 

لقد أمضى الجندي ديكنز طوال الحرب العالمية الأولى في محاربة المسلمين، في البداية الأتراك في غاليبولي ثم الجيش التركي الذي كان يشمل جنودا عراقيين في بلاد ما بين النهرين، وتتذكر ابنة مود بأنه كان يتحدث كثيرا بإعجاب عن قادته من أمثال الجنرال السير تشارلز مونرو الذي شارك وهو في الخامسة والخمسين من عمره في الأشهر الأخيرة من حملة غاليبولي ثم وصل الى مدينة البصرة في بداية الغزو البريطاني للعراق·

ولكن قيادة مونرو لم تنقذ ابن شقيقه ديكنز صموئيل مارتن الذي قتله الأتراك في البصرة، وتتذكر هيلدا: "لقد أبلغوا والدي أن قتل أي تركي يمثل انتقاما لمقتل ابن شقيقته، ولا أعرف إن كانوا في الكتيبة ذاتها لكنهما كانا في الثانية والعشرين من عمريهما·

وعلى العموم، فقدت بريطانيا 40 ألف رجل في الحملة، لقد كان البريطانيون في البداية فخورين لاحتلال البصرة، وبعد ثمانين عاما، بعث لي شاميم باتيا البريطاني المسلم الذي هاجرت عائلته الى بريطانيا من باكستان برسالة مثيرة مع مجموعة من البطاقات القديمة المطبوعة في صحيفة "ذا تايمز أوف انديا" The Times Of India في بومباي، وقد أظهرت إحداها دبابة بريطانية وسط نخيل البصرة، والثانية، جنديا بخوذته العسكرية بينما يقوم قادته بربط الخيول خلفه، والثالثة تظهر قاربا عسكريا بريطانيا في مياه شط العرب والرابعة عبارة عن مشهد لمبنى دمره القصف البريطاني في مدينة القرنة التي كان يسيطر عليها الأتراك·

وفي عام 1914 قال أحد الوجهاء المحليين لمسؤول بريطاني بأن القوات البريطانية ستلقى ترحيبا وديا في بغداد كما في جنوب العراق وأن القوات التركية لن تبدي أية مقاومة تذكر·

ولكن الغزو البريطاني للعراق فشل في البداية، فحين قاد الميجور جنرال تشارلز تاونسند قوة قوامها 13 ألف جندي واتجه على ضفاف نهر دجلة نحو بغداد تم تطويق قواته وإلحاق الهزيمة بها على يد القوات التركية المرابطة في الكوت والعمارة، وكان استسلامه واحدا من أسوأ الكوارث العسكرية التي منيت بها القوات البريطانية، وقد مات الجنود البريطانيون الذين لم يقتلوا في المعارك، على الطريق بين بغداد وتركيا·

 

شبح الموت

 

وقد غرقت قبور 500 جندي منهم في مقبرة الكوت في مياه الصرف الصحي أثناء فترة العقوبات الدولية التي أعقبت الغزو العراقي للكويت عام 1990، وحين زار زميلي باتريك كوكبورن العراق عام 1998، وجد "شواهد القبور" التي لا تزال تظهر طافية على مياه خضراء قذرة وبقايا أسمنتية وما يشبه المستنقع الذي تعيش فيه الآلاف من الضفادع التي تتغذى على القاذورات"·

وقد بدت بغداد عام 1917 لدى وصول الجندي ديكنز كما هي اليوم، ويصف زائر الى بغداد قبل عامين من ذلك التاريخ بأن "المحلات كانت معظمها مغلقة·· وفي المقبرة المسيحية في الطريق الذي يقود الى إيران، ظهرت الأكفان والجماجم التي تطفو على الماء، وكان يموت كل يوم ثلاثمئة شخص فيها بسبب الإصابة بمرض الكوليرا·· لقد سيطر شبح الموت على مدينة بغداد"·

لقد خيمت ظلال سوداء على الاحتلال البريطاني لوجود سابقة تاريخية، وبالطبع لم يكن هناك استقبال "ودي" للقوات البريطانية في بغداد، وفي الواقع، تعرض الجنود العراقيون الذين كانوا يخدمون في الجيش التركي، ولكنهم "يحملون أفكارا إيجابية تجاه الإنجليز" الى السجن، ليس في سجن أبو غريب بل في الهند، وتبين أنهم تعرضوا في السجن الى "الإهانة وسوء المعاملة بكل شكل من الأشكال"·

وكان المسؤولون البريطانيون يعتقدون أن السيطرة على العراق ستحمي مصالحهم النفطية في بلاد فارس، كما قال الجنرال مود في إعلانه عام 1917 "من الواضح أن من حقنا وواجبنا ونحن نقدم التضحيات من أجل سلام العالم أن نجد تعويضا عما نفعله، وإلا فأننا قد نفشل في تحقيق أهدافنا"·

وكتب إيرل اسكويث في مذكراته أن السير ادوارد غراي وزير خارجية بريطانيا قد وافق عام 1915 على أن "احتلال بلاد ما بين النهرين، يعني إنفاق الملايين على الري والتطوير"·

وهذا بالضبط ما أجبر الرئيس جورج بوش على القيام به بعد أشهر على غزوه غير الشرعي للعراق عام 2003·

وعلى من يرغب في عقد المزيد من المقارنات بين الغزو البريطاني عام 1917 والغزو الأمريكي عام 2003، العودة الى البحث الشيق الذي أعده الباحث العراقي غسان عطية الذي نشر بحثه في بيروت عن الغزو البريطاني قبل سنوات من تسلم صدام حسين السلطة وحين كانت لا تزال هناك سجلات الأرشيف عن الغزو البريطاني موجودة، لقد كتب عطية دراسته بعنوان: العراق 1902-1921: دراسة اجتماعية سياسية قبل ثلاثين عاما من الغزو الأمريكي - البريطاني للعراق، أنه يتوجب على كل "رجال الدولة" الغربيين الذين يخططون لاحتلال دول عربية أن يقرأوها·

وكما اكتشف عطية، فإن البريطانيين حال وصولهم الى بغداد، قرروا في شتاء عام 1917 أن العراق يجب أن يحكم ويعاد بناؤه بواسطة "مجلس" يشكل في جزء منه من مستشارين بريطانيين "والجزء الثاني من ممثلين من غير المسؤولين من السكان"، والنسخة طبق الأصل التي جاء بها الأمريكيون عام 2003 هي مجلس الحكم العراقي الذي هو من بنات أفكار بول بريمير الخليفة الأمريكي للبريطاني مود·

 

سايكس - بيكو

 

وفكر البريطانيون فيما بعد أنهم يريدون تشكيل "حكومة نصفها من العراقيين والنصف الآخر من المسؤولين البريطانيين، ويكون خلفها مجلس إداري أو هيئة استشارية تتألف كلها من مواطنين عراقيين"، ولم تكن لدى الرحالة والباحث البريطاني غير ترود بيل الذي أصبح "وزير المشرق" في سلطة الاحتلال البريطانية أية شكوك تجاه الرأي العام العراقي، حين قال إنه كلما كانت قبضتنا أقوى كان السكان أكثر ارتياحا، فلا يمكنهم الإتيان بحكومة عربية مستقلة، وأعترف أيضا أنه لا يمكنني ذلك، فلا يوجد من يمكنه إدارتها هنا"·

ومرة أخرى، فإن ما يحدث هو أبعد ما يكون عن الطموحات النبيلة لإعلان مود قبل 11 شهرا فقط، كما لم يكن العراقيون ليفاجأوا لو قيل لهم بأن مود كان يعارض بقوة الإعلان الذي حمل اسمه والذي كتبه في الواقع السير مارك سايكس، وهو نفسه الذي خطط للاتفاق السري عام 1916 مع وزير خارجية فرنسا آنذاك جورج بيكو لتقاسم معظم بلدان الشرق الأوسط·

ولكن مع حلول سبتمبر 1919، بدأ حتى الصحافيون يدركون أن الخطط البريطانية حيال العراق كانت تقوم على أوهام، فقد كتب مراسل صحيفة التايمز في الثالث والعشرين من سبتمبر "أظن أن الرؤية لدى الكثير من الشعب البريطاني حول العراق هي أن السكان المحليين سيرحبون بنا لأننا أنقذناهم من الأتراك، وأن هذه البلاد لا تحتاج سوى التطوير للتعويض عن الأرواح والأموال التي فقدها الإنجليز، ولكن أيا من هذه الأفكار لا يجد تفسيرا، فمن وجهة النظر السياسية، نحن نطلب من العربي أن يتخلى عن كرامته واستقلاله من أجل القليل من الحضارة الغربية"·

وخلال ستة أشهر، وجدت بريطانيا نفسها تقاتل تمردا عسكريا في العراق وواجه رئيس الوزراء ديفيد لويد جورج دعوات بسحب القوات البريطانية، لكنه أعلن أنه "لن نترك العراق للفوضى"· وقال "أليس من مصلحة شعب هذه البلاد أن يحكم بطريقة تمكنه من تطوير هذه الأرض التي ذوت وذبلت بسبب القمع؟ فماذا سيحدث لو انسحبنا؟ ولكني أقول إن لويد جورج لن يترك العراق لـ "الفوضى"·

ومع حلول هذه المرحلة، كان المسؤولون العراقيون في بغداد يلقون باللائمة لاندلاع أعمال العنف على "التحريض السياسي المحلي ولكن منشأه خارج العراق" في إشارة الى احتمال تورط سورية·

فتعالوا إذن هل يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه بهذه الدقة؟ فبالنسبة لمخاوف لويد جورج من "الفوضى" في العراق، يمكنكم أن تقرأوا أي بيان صادر عن قوات الاحتلال الأمريكي يحذر من "حرب أهلية" في حال انسحاب القوات الغربية، وكذلك الأمر بالنسبة لسورية·

لقد اتخذ أيه· تي· ويلسون المسؤول البريطاني الرفيع في العراق عام 1920، خطا يمكن التنبؤ به حينما قال مثلا: "لا يمكننا الحفاظ على موقعنا·· من خلال سياسة تصالحية مع المتطرفين، وعلينا أن نكون مستعدين لبذل المزيد من المال والرجال، ويجب أن نكون مستعدين للسير ببطء شديد من أجل خلق مؤسسات ديمقراطية ودستورية"·

وقد وقع قتال في مدينة الكوفة وحصار لمدينة النجف بعد تعرض مسؤول بريطاني للاغتيال، فقد طالب البريطانيون بـ "الاستسلام غير المشروط للقتلة وغيرهم من المتورطين في المؤامرة"، وامتنع الزعيم الشيعي البارز سيد كاظم يازدي عن دعم التمرد واعتكف في منزله، وتم إعدام ثمانية من المتمردين، وأصبح الشيخ المحلي بدر الرميض هدفا للقوات البريطانية، وصرح مسؤول بريطاني أن "بدر يجب أن يقتل أو يعتقل، ويجب أن نستمر في ملاحقته حتى النهاية"·

 

خطأ سياسي فادح

 

وقد أدرك البريطانيون الآن أنهم ارتكبوا خطأ سياسيا فادحا، فقد أعدوا لهم مجموعة سياسية رئيسية في العراق تتألف من المسؤولين والضباط العراقيين الأتراك السابقين، والآن، فإذا أردت أن تعرف ما حدث في الكوفة عام 1920 فاقرأ ما يحدث في الكوفة 2004، وإذا أردت أن تعرف ماذا حدث في النجف عام 1920 فاقرأ ماذا حدث في النجف 2004، وإذا أردت أن تعرف موقف يازدي 1920 فاقرأ السيستاني 2004، وإذا أردت أن تعرف شيئا عن بدر فاقرأ عن مقتدى الصدر·

في عام 1920، اندلعت أعمال تمرد أخرى في مدينة الفلوجة حيث قتل الشيخ ضاري ضابطا بريطانيا هو الكولونيل ليشمان وقطع الطريق بين الفلوجة وبغداد، فتقدم البريطانيون باتجاه الفلوجة فاوقعوا "عقوبة قاسية" على القبيلة، وبالطبع، إذا أردت أن تعرف عن الفلوجة 1920 فاقرأ الفلوجة 2004، والمفارقة أن موقع "العقوبة القاسية" هو "خان داري" وهو الموقع ذاته الذي قتل فيه جندي أمريكي بواسطة عبوة نافسة زرعت له على قارعة الطريق عام 2003·

لقد كان البريطانيون بحاجة ماسة لـ "استكمال تشكيل الحكومة العربية"، ولذلك أعطى البريطانيون، وبتأييد حماسي من تشيرشل، عرش العراق للملك فيصل ابن الشريف حسين كجائزة ترضية للرجل الذي طرده الفرنسيون للتو من دمشق·

واليوم، لا يوجد ملوك يمكن فرضهم على العراق "فقد نفض الأمير الحسن بن طلال يديه من العراق قبيل الغزو الأمريكي، ولذلك، فقد نصبنا إياد علاوي العميل السابق للمخابرات المركزية الأمريكية، رئيسا للوزراء على أمل أن يوفر غطاء السيادة الذي وفره الملك فيصل، ويمكن لجنودنا الاختباء في الصحراء على أمل ألا يتعرضوا للهجوم، إلا إذا اضطروا لدعم سلطة "فيصل" العراق الجديد المتهاوية·

وهكذا نأتي الى المستقبل المتطور للعراق، فكيف "سنحكم" هذه البلاد ونحن نزعم أننا سلمنا العراقيين "السيادة الكاملة"؟ مرة أخرى، يسعفنا الأرشيف، فقد قصفت الطائرات البريطانية - بدعم تشيرشل - القرى الثائرة والقبائل المتمردة، وحث تشيرشل على استخدام غاز الأعصاب الذي استخدم ضد المتمردين الشيعة عام 1920·

وقد أوكلت الى الضابط البريطاني آرثر هاريس الذي أصبح لاحقا قائدا للقوات الجوية، وهو الرجل الذي أشرف على قصف وتدمير مدن دريسدن وهامبورغ ومدن ألمانية أخرى إبان الحرب العالمية الثانية، مهمة قصف المتمردين العراقيين، وكتب لاحقا يقول إن "القوات الجوية البريطانية قامت بإحراق قرى المتمردين بعد إنذارهم بالخروج منها، فقد ألحقنا بهم أكبر الأذى حتى يتوقفوا عن شن الغارات أو القيام بأعمال النهب والسلب"·

وهذا ما فعله البنتاغون في بعض المدن والقرى العراقية، ولكن القصف هذه المرة لم يكن بدقة القصف البريطاني عام 1920، فقد اعترف كاتب سيرة حياة هاريس في عام 1924 أن "العرب والأكراد يدركون الآن ماذا يعني القصف الحقيقي، من ناحية الخسائر البشرية والأضرار، ويعرفون أنه خلال 45 دقيقة يمكن محو قرية بأكملها عن الوجود مع قتل أو جرح ثلث سكانها"·

 

قصف عشوائي

 

فقد أشار لورانس العرب عام 1920 في رسالة الى صحيفة الاوبزرفر أنه "لأمر غريب ألا تستخدم الغازات السامة في مثل هذه المناسبات"، وقد شعر الضابط في سلاح الجو البريطاني ليونيل تشارلتون بالذهول لحجم الإصابات التي أوقعت بسكان القرى الأبرياء فقدم استقالته لأنه لم يعد قادرا على "تنفيذ سياسة الترويع بواسطة القنابل"، وكان قد زار إحدى المستشفيات العراقية فوجدها تعج بالجرحى من رجال القبائل، وبعد أن قصفت الطائرات البريطانية مدينة السليمانية الكردية الثائرة، أدرك تشارلتون أن حجم الخسائر في صفوف المدنيين سيكون مريعا·

والآن، رأينا استخدام الولايات المتحدة للقصف العشوائي في العراق، حيث تدمير المنازل في القرى المتمردة وقصف المساجد التي يزعمون أن المتمردين خبأوا فيها الأسلحة وقتل "الإرهابيين" بالقصف الجوي على الحدود السورية لكي يتبين أن المنزل الذي تعرض للقصف لم يكن سوى حفل زفاف، وقد تبنت القوات الأمريكية السياسة ذاتها في أفغانستان·

وبالنسبة للجنود الذين قتلوا لم نتمكن من شحن جثثهم الى بريطانيا قبل 80 عاما، ولذلك قمنا بدفنهم في بغداد حيث لا يزالون يرقدون حتى الآن، وكان معظمهم لا يتعدى العشرين من عمره، ولم نقم بدفن أكفانهم بل ظلت تلك الأكفان ظاهرة للناظرين على مقربة من السفارة التركية في بغداد·

أما قبر صموئيل مارتين فيقع في مدينة البصرة وكتب عليه: "ذكرى الجندي صموئيل مارتين من سرية تشيشاير الذي مات في التاسع من أبريل 1916"·

وقد دمرت المقبرة جراء القصف العنيف الذي ضرب مدينة البصرة إبان الحرب الإيرانية - العراقية 80-1988 وتعرضت المقبرة للنهب وتبعثرت بعض شواهد القبور بشكل يصعب إصلاحه، وحين زرت المقبرة خلال الأشهر التي حفلت بالفوضى بعد الغزو الانجلو - أمريكي للعراق، ووجدت هناك الكلاب الضالة تحوم بين ركام القبور وتعرضت، اللوحة الرئيسية التي تؤرخ للمقبرة الى السرقة·

" عن الاندبندنت "

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

طباعة  

أمريكا مسؤولة عن تحقيق الإصلاحات وحل القضية الفلسطينية في وقت واحد