كتب المحرر السياسي:
استؤنفت في الآونة الأخيرة التحركات الشعبية لمعالجة ما اصطلح على تسميته "إصلاح الأمر" في البلاد بعد أن التقت مجموعة من أبناء الأسرة عرفت “بمجموعة الوثيقة” التي كلفت اثنين من أعضائها لقاء الشيخ سالم العلي، الأمر الذي تم يوم الثلاثاء الماضي حيث طلب منهم استكمال مشاورة آخرين من أبناء الأسرة واستطلاع آرائهم كي يقوم هو لاحقاً بالتحرك ضمن رؤية واضحة لأبناء الأسرة من أجل معالجة "الفراغ"·
التحرك الأخير يأتي في وقت اختلطت فيه كثير من الأوراق الوطنية فالحالة الكويتية الكويتية ما زالت على ما كانت علية من جمود، بل ربما تراجعت كثيراً بعد أن طرحت وبشكل علني في الآونة الأخيرة مشاريع تثير الريبة، كالحديث عن إنشاء مجلس استشاري يرى كثير من السياسيين أنه مقدمة لاختراق الدستور بطرح نظام المجلسين بشكل تدريجي· وكذلك الحديث عن حل مجلس الأمة وإصدار مجموعة من المراسيم بقوانين قد لا يكون لها نصيب من الموافقة إذا ما طرحت على مجلس الأمة الحالي· بل يخشى البعض من طرح تعديلات على الدستور عن طريق الاستفتاء الشعبي على الطريقة البحرينية واستخدام مقولة إن الاستفتاء، في حال حصوله على نسبة تصويت عالية، يصبح أعلى من الدستور· وهي مخاوف لها ما يبررها إذا ما أخذ بعين الاعتبار التجربة المريرة منذ إقرار الدستور إلى ما بعد تحرير البلاد والتي سادها عنصر أساسي واحد، وهو محاولة التخلص من هذا العقد الاجتماعي الوطني بأي شكل من الأشكال باعتباره خطأً تاريخياً، ثم محاولة إفراغه من محتواه إذا ما تعذر تحقيق الهدف الأول·
كما يأتي التحرك الأخير بعد فترة من الجمود الذي صاحب غياب سمو أمير البلاد حفظه الله في رحلة العلاج· فمجموعة الوفاق الوطني بدأت تحركها منذ ما يقارب العامين في مسعى حثيث للخروج من حالة الشلل التي عاشتها البلاد منذ فترة، والتي تعود أهم أسبابها إلى ما شرحه رئيس مجلس الوزراء بالنيابة وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد حين قال "كلنا كبرنا، سمو الأمير كبر وولي العهد كبر وآنا بعد كبرت وياهم"· مجموعة الوفاق التقت خلال العامين الماضيين بمعظم الشخصيات الوطنية على مختلف أنواع الطيف السياسي والمكانة الاجتماعية في محاولة للتوصل إلى فهم دقيق لأسباب المشكلة والأسلوب الأمثل لمعالجتها دون المساس بأحد، وكذلك دون إيقاف عجلة تطور وتنمية المجتمع بسبب الخشية من الإحراج السياسي إذا ما طرح الحل·
ومن الجدير بالذكر أن "الوفاق" التقت كذلك مجموعة منتقاة من أبناء الأسرة الحاكمة لإطلاعهم على ما توصلت إليه ولإشراكهم في وضع التصور الأمثل للحل، وكانت أغلب تلك اللقاءات صريحة ومثمرة، كان آخرها مع أطراف في "مجموعة الوثيقة" تعذر لقاؤهم في فترة غياب سمو الأمير في رحلة العلاج يبدو خشية أن يفسر اللقاء آنذاك بشكل قد يرسل إشارات خطأ حول فحوى اللقاء وتوقيته والهدف منه· كما سبق لقاء “الوفاق” مع جماعة "الوثيقة" لقاء آخر مع الشيخ صباح الأحمد كان قد اتفق عليه منذ فتره بانتظار الموعد المناسب، وعلى خلاف الأجواء التي سادت اللقاءات الأخرى تخلله شيء من الحدية في الطرح وتساؤلات حول الهدف من التحرك وتوقيته علاوة على رؤية الشيخ صباح الأحمد بأن أمور البلاد على ما يرام وهي ليست بحاجة لمعالجة·
ولعل أقرب وصف للأجواء ما نشرته الزميلة “الرأي العام” يوم الخميس الماضي حول أهداف تحركات أصحاب وثيقة 1992 وأن هناك من يحركهم لملء الفراغ والتذكير بالمثل الشعبي القائل “إن كنتم تأكلون التمر فنحن نعد الفصم”·
أما لقاء "مجموعة الوثيقة" فقد اتفق خلاله أن يكلف من هم خارج الحكومة الحالية كوزراء أو مستشارين حيث اختير الشيخ مبارك جابر الأحمد والشيخ سالم صباح الناصر وهما ممن لم يعرف عنهما التنافس لشغل مناصب قيادية للقاء الشيخ سالم العلي الذي كانت مجموعة الوفاق وبعض الشخصيات الوطنية قد التقته بشكل مطول، هذا اللقاء ساده حديث صريح وموقف واضح ووعد من الشيخ سالم العلي بأخذ الموضوع إلى كبار الأسرة وقيادتها سعياً للمساهمة في علاج الوضع· وهو ما أكده لممثلي مجموعة "الوثيقة" في لقائهم الأخير·
اجتماع مجموعة "الوثيقة" - التي لم تعد على التماسك ذاته الذي كانت عليه عند نشرها وقت طرح الوثيقة عام 1992 والتي طرحوا خلالها أهمية وإصلاح الأمور في إطار الأسرة الحاكمة أتى ليعطي هذه المجموعة دوراً ليس في إطار الأسرة الحاكمة فحسب بل في الإطار الوطني الأشمل وهو أمر يكمن جزء من أهميته للرد على من يشكك في الهدف وراء هذا التحرك الوطني الذي مثلته جماعة الوفاق والتنظيمات السياسية الوطنية وجمعيات النفع العام والصحافة الوطنية وثلة من دعاة الإصلاح من أبناء الأسرة الحاكمة·
علق أحد السياسيين المخضرمين على التحرك الأخير قائلاً: أن إحياء النشاط المجتمعي لمعالجة أمور البلاد الجوهرية ليس أمراً سرياً تقوم به جماعة تهدف إلى منفعتها الخاصة، بل هو شأن عام يقوم به كل المهتمين بأمر البلاد كل من موقعه وفي كل فرصة تسنح لأي منهم، وأمر الأسرة الحاكمة كان منذ أن نشأت الكويت وحتى الآن وسيبقى ما بقيت الكويت شأن الكويتيين من أبناء الأسرة الحاكمة ومن خارجها· وأضاف السياسي أن ما يصيب هذه الأسرة يصيب الكويتيين والعكس هو الآخر صحيح· يبقى تساؤل الناس حول ما إذا اقترب المجتمع من تحريك أمره باتجاه الانفراج أم أن الأمور تسير إلى مزيد من التعقيد في حال تأكدت المخاوف من استمرار تفريغ دستور 1962 من محتواه بأساليب جديدة الشكل قديمة الهدف والمسعى·