بقلم: وليد خدوري
يشعر المواطن العربي بعبء ثقيل نتيجة العجز الذي هو فيه أمام المجزرة الجديدة في فلسطين، ففي أوائل القرن الجديد، ومن خلال الفضائيات العربية التي أبدع مراسلوها ومحرروها في أدائهم، نرى بأم أعيننا خرقا بعد آخر للقوانين الدولية دون من يسمع ولا من يجيب· وقد عبر الشعب العربي عن غضبه من خلال المظاهرات اليومية تقريبا في جميع أنحاء العالم وكذلك من خلال التبرعات السخية للمواطنين·
لكن من الواضح للجميع أن العمل الشعبي العربي بصورته الحالية غير كاف· ويتساءل الجميع: ألا يوجد عمل آخر نستطيع القيام به لمساعدة الشعب الفلسطيني؟ هذا السؤال يطرحه الواحد على الآخر ويحاول الجميع استكشاف سبل جديدة في إحداث نقلة نوعية في التعاون والعمل مع الشعب الفلسطيني·
في محاضرة له في ندوة عن فلسطين أقامتها الأمم المتحدة في نيقوسيا في 16 نيسان/ إبريل، قال وزير التخطيط والتعاون الدولي الفلسطيني الدكتور نبيل شعث إن الهجمة الإسرائيلية الحالية لا تهدف فقط الى تدمير البنية السياسية والأمنية الفلسطينية، بل أيضا وبالذات الى تدمير البنى التحتية التي بناها الشعب الفلسطيني في السنوات الأخيرة· وأشار الدكتور نبيل الى بعض الأمثلة، منها حرث مدرج مطار غزة ثلاث مرات وذلك رغم أن المطار كان دائما تحت سيطرة القوات الإسرائيلية هذا بالإضافة الى تدمير جميع المعلومات المخزنة على أقراص الكومبيوتر في وزارة التعليم في رام الله بخصوص شهادات ومعلومات التخرج لطلاب وطالبات الثانوية· وسأل المسؤول الفلسطيني لماذا هذا التدمير الذي لا هدف عسكريا من ورائه؟ والجواب واضح تدمير البنى التحتية للشعب الفلسطيني الواحدة بعد الأخرى لماذا؟ التهجير· فمن دون البنى التحتية، وبعد فترة من الزمن تعتقد سلطات الاحتلال أنها تستطيع تحقيق ما عجزت عنه في الأشهر الماضية، ألا وهو إجبار العائلة الفلسطينية على الهجرة وبهذا تفرغ لها الأرض لبناء مستوطنات جديدة للمهاجرين الجدد الذين تحاول أن تستقطبهم من فرنسا والأرجنتين·
تشير المعلومات الأولية أنه قد تم صرف نحو خمسة مليارات دولار على البنى التحتية الفلسطينية في العقدين الماضيين، وقد قدمت الدول الأوروبية وبعض الأقطار العربية معظم المساعدات لبناء المؤسسات والمعدات بهذا الخصوص· ومن الواضح أنه إذا لم يتم التحرك السريع لإعادة بناء ما تهدم، فإن شارون سيكون قد حقق هدفا استراتيجيا مهما·
من ثم فإنه من الواجب والضرورة الآن أن تتوجه المؤسسات العربية الخاصة وذات المنفعة العامة الى تبني برامج لإعادة تأهيل البنى التحتية الفلسطينية وبأسرع وقت ممكن· فليس من المعقول، بعد كل الذي عايشناه من عجز رسمي عربي وسبات حكومي دولي أن يتم ترك هذا الموضوع للمؤسسات الحكومية فقط، والأجنبية منها بالذات· وكيف وبأي منطق وبأي عقل سنستطيع أن نشتكي ونندب أنفسنا مستقبلا عندما نترك أمورنا الحياتية الأساسية لجهات أجنبية مع كل الاحترام والتقدير والتثمين لجميع المنظمات غير الحكومية التي قدمت الكثير للشعب الفلسطيني في العقود الماضية وفي الاحتلال الحالي، لكن ماذا سيبقى للعرب إذا لم تشارك المؤسسات الاقتصادية والهندسية والتقنية والتعليمية والصحية والإعلامية، منفردة أو الواحدة مع الأخرى، في تبني مشاريع توأمة في الضفة والقطاع·
من الواضح أنه من الممكن جمع الأموال· فقد تبرع الشعب بالملايين في أيام معدودة· ولكن المهم أيضا التخطيط والتنسيق والعمل طويل الأمد· إن هذا النوع من المبادرة من المؤسسات العربية الخاصة وذات النفع العام سيساعد ولو بشكل بسيط في تحقيق الآتي:
توجيه رسالة واضحة للشعب الفلسطيني المحاصر أن بقية الشعب العربي معه بالفعل، وعلى المدى الطويل·
توجيه رسالة عملية وحضارية يفهمها العالم جيدا أن الشعب العربي سيشارك اليوم وسيشارك غدا الشعب الفلسطيني في محنته ولن يتخلى عنه مهما غلت التضحيات ومهما تعددت النعوت البغيضة التي توجه له·
تحقيق قفزة نوعية في العمل الأهلي العربي عن طريق عمل فعال ومجز ومفيد ليس فقط لصالح القضية الفلسطينية بل أيضا من أجل الوجدان العربي نفسه، فمن الواضح أن مظاهرات الأيام الماضية قد خلقت صحوة مهمة في المنطقة وكان لها أصداء عالمية· المهم الآن ألا تخمد هذه الصحوة، لا لسبب، إلا لأن الاحتلال لا يزال قابعا على صدر الشعب الفلسطيني، ولأن المساعدة في إعادة بناء البنى التحتية التي تم تدميرها هي إحدى الوسائل الناجحة في المقاومة ودعم صمود الشعب الفلسطيني ودحر الاحتلال الصهيوني·
ينشر بالترتيب مع جريدة الخليج - الشارقة