

بقلم: جيمس مانü
خلال السنوات الثالث الأولى من عمر إدارة بوش، اخترعت هذه الإدارة سلسلة لا نهاية لها من المبادئ التي كان الغرض منها أن تقود السياسة الخارجية للولايات المتحدة، أما الآن، وفي خضم الاحتلال الأمريكي المأساوي للعراق، يبدو أن إدارة بوش - بالمفهوم الثقافي على الأقل - أصبحت قوة مستهلكة·
فمصطلح جورج بوش "محور الشر" تلاشى، ولم يعد أحد يحاول أن يضع إيران وكوريا الشمالية والعراق في سلة واحدة، ووضع مبدأ "الحرب الاستباقية" (أو الحرب الوقائية إذا توخينا الدقة) على الرف لسنوات إن لم يكن الى الأبد، فالجيش الأمريكي منشغل في العراق، ويمتنع عن الدخول في أي صراع عسكري كبير وقوبلت دعوة مستشارة الأمن القومي الأمريكي كونداليزا رايس لـ "لالتزام أمريكي عبر الأجيال" تجاه الشرق الأوسط، شبيه بالالتزام الأمريكي ببناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، بالصمت المطبق·
واليوم، فإن جهود إدارة بوش الثقافية لا تنصب على إيجاد أفكار جديدة للمستقبل، بل خلق المبررات لغزو العراق، حيث يقول المسؤولون الأمريكيون إنه لم يتم العثور على أسلحة دمار شامل في العراق، لكن صدام حسين ربما قام بتطوير مثل هذه الأسلحة في يوم ما· وأن أمريكا لم تخلق ديمقراطية فاعلة في العراق، لكنها أعطت العراقيين الفرصة لإدارة مستقبلهم، وتقر الإدارة بأن العراق يشهد حالة فوضى، لكن تمت استعادة جزء من خدمات الكهرباء!
المحافظون الجدد يتراجعون
وفي داخل الإدارة، يبدو أن أفكار المحافظين الجدد بدأت تتراجع، والسياسة الخارجية الواقعية التي أرسى قواعدها الزعماء الجمهوريون السابقون من أمثال هنري كيسنجر و"برنت سكوكروفت" عادت الى الظهور ثانية، وفي الواقع، فإن هذه الواقعية لم تختف تماما في يوم من الأيام، ويمكن للمرء أن يراها - مثلا - في السياسات التي تتسم بالحرص والاحترام تجاه زعماء الصين وروسيا "ناهيك عن باكستان"، ولكن أفكار حركة المحافظين الجدد هي التي سادت في الشأن العراقي، إذ جند الرئيس الأمريكي المؤسسة العسكرية لقضية إسقاط الدكتاتور صدام حسين ومحاولة بناء الديمقراطية·
وبطبيعة الحال، فإن أي إدارة في عامها الرابع، سوف تركز على مهمة إعادة انتخابها أكثر من بلورة أفكار جديدة أو سياسات جديدة، ولكن الإدارة الراهنة ذهبت أبعد ما تذهب إليه أي إدارة أخرى عادة، في عام انتخابي، فقد تحركت على معظم أصعدة الأجندة التي وضعتها منذ البداية مثل شبكة الدفاع الصاروخي وإجراء تغييرات دفاعية وعسكرية، وفي السياسة الخارجية، فإن فترة رئاسة بوش الثانية - إذا أعيد انتخابه - سيتم تكريسها ليس لطرح مبادرات جديدة، بل التأقلم مع المشكلات التي تراكمت على مدى فترة رئاسته الأولى مثل حالة الفوضى في العراق والشرق الأوسط، ومشكلتي البرنامج النووي الإيراني والكوري الشمالي والقوات الأمريكية المنهكة والمنتشرة على نطاق واسع في العالم، والخلافات مع الأوروبيين والعجز المتنامي في الميزانية الفيدرالية·
الخلاف مع أوروبا
وهذا لا يعني أنه لن يكون هناك شيئ جديد في فترة رئاسة بوش الثانية، ففي بعض الأحيان، يظهر خط سياسي جديد فجأة ومن دون تخطيط مسبق، ردا على أزمة غير متوقعة، فقد أصبح رونالد ريغان رئيسا للولايات المتحدة عام 1981 ولديه أجندة تتضمن الالتزام بدعم الزعماء السلطويين الذين كانوا يتحالفون مع الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفييتي "السابق"، ولكن سياساته انقلبت في فترة رئاسته الثانية، فقد تخلى عن بعض الدكتاتوريين وطالبهم بالتنحي من أجل الديمقراطية في الفلبين أولا، وفي كوريا الجنوبية ثانيا، لقد عارض ريغان هذا التحول في السياسة الأمريكية في البداية، لكنه رضخ لنصيحة مساعديه في النهاية·
وسوف تبقى بعض أجزاء من مبدأ بوش الأصلي سواء أعيد انتخابه أم لا، وأهمية دعم الديمقراطية في العالم لم تبدأ مع الإدارة الراهنة ولن تنتهي برحيلها، فقد أيد خبراء ديمقراطيون في السياسة الخارجية الشهر الماضي، مثلا، وثيقة حول أهمية التغيير الديمقراطي في الشرق الأوسط·
ولن ينتهي الخلاف مع أوروبا، فقد انتقد المرشح الديمقراطي جون كيري أخيرا، فرنسا وألمانيا وحلفاء آخرين في الناتو لرفضهم إرسال قوات الى العراق·
ولكن الأفكار والافتراضات الأساسية التي قادت فريق السياسة الخارجية الأمريكية الى غزو العراق، يبدو أنها قد استهلكت وقد شملت هذه الأفكار الإيمان المطلق بأهمية القوة العسكرية، وعدم الثقة بالاتفاقات التي يتم التوصل إليها عبر التفاوض، والتفاؤل المبالغ فيه في قدرات الولايات المتحدة العسكرية والاقتصادية والرغبة في ربط المثل الديمقراطية بالقوة العسكرية·
قراءة خطأ
لقد تبلورت مجموعة المواقف هذه على مدى ثلاثين عاما وصبغت مهنة عدد من كبار أعضاء فريق بوش مثل نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه بول وولفوتيز، لقد بدأت مثل هذه الأفكار تجد طريقها في أعقاب الهزيمة في فيتنام واكتسبت زخما قويا إثر انتهاء الحرب الباردة·
لقد ثبت خطأ الكثير من افتراضات فريق بوش في العراق، لقد أخطأ في افتراضاته بشأن أسلحة الدمار الشامل وبشأن ردة فعل العراقيين إزاء الغزو، وأخطأت الإدارة التقديرات لردة فعل العالم على الحرب، لقد تنبأ وولفويتز في كتابات له حول العراق في التسعينات، أن الحلفاء سينضمون الى الولايات المتحدة عند تحركها ضد العراق، وثبت خطأ تلك النبوءة·
وفوق كل ذلك، أساءت إدارة بوش حكمها على أمريكا وقدراتها وفشلت في الاعتراف بحدود ما يمكن للقوة العسكرية أن تحققه·
وقد عكس بعض أفكار فريق بوش مثل "الالتزام على مدى أجيال" تجاه الشرق الأوسط، قراءة خطأ لما يرغب المواطن الأمريكي العادي الاضطلاع به·
ومع تسليم السلطة، دخل العراق مرحلة جديدة، وكذا إدارة بوش التي نفد مخزونها من الأفكار الجديدة والطاقة والغطرسة، وبينما كان يحاول تغيير العراق، إلا أن طاقم بوش هو الذي تغير، فقد كان يعتقد أن بوسع الولايات المتحدة أن تنشر تأثيرها ومثلها الى العالم اعتمادا على القوة العسكرية، ومن الواضح أن ذلك لم ينجح والآن، فيبدو أنه ليس لدى الإدارة الأمريكية أية رؤية جديدة·
*باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في لندن ومؤلف كتاب:
Rise Of The Vulcans: The History Of Bush's
War Cabinet.
" عن الفايننشال تايمز "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com