رام الله - خاص بالطليعة:
استقبلت مجموعة من أفراد الدائرة المحيطة بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الصحافي الهندي أرون غاندي، حفيد الزعيم الهندي الشهير المهاتما غاندي (1869 - 1948) قادما من الولايات المتحدة، وأخذته في جولة التقى فيها بالرئيس عرفات، وألقى كلمات في تجمعات فلسطينية في رام الله وبيت لحم وزار بعض المخيمات الفلسطينية·
هذه الزيارة حسب تصريحات غاندي الحفيد لـ BBC جاءت بدعوة من أفراد الدائرة المحيطة بعرفات بعد زيارتهم له في معهده الذي أنشأه في الولايات المتحدة إثر هجرته إلى هناك في العام 1987، ليحاضر ويخطب أو يقدم مواعظ بالأحرى تخص الفلسطينيين على التوقف عن أي مقاومة مسلحة للاستعمار الصهيوني الآخذ في التهام الأرض والبيوت وقيادة الفلسطينيين·
ويدعو غاندي الحفيد، حسب تصريحاته الصحافية، الفلسطينيين إلى القيام بما أسماه حملات لا عنف ضد الاحتلال الإسرائيلي، بحجة أن 55 عاما من العنف لم تحقق شيئا، بل المزيد من المعاناة والألم، وأن عليهم أن يجربوا طرقا جديدة في التعامل مع هذه القضية·
وقد عبر عن شعوره بأن لا خيار أمام الفلسطينيين إلا اتباع مناهج سلمية في مقاومة إسرائيل طويلة الأمد! وأيضا بحجة أن الفلسطينيين لا يمتلكون ما يضاهي أسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها إسرائىل، ومقاومتهم المسلحة هي انتحار·
ويلاحظ أن المتحمسين لمثل هذه الدعوة والذين دعوا هذا الرجل البالغ من العمر 70 عاما هم من رجالات اتفاقات أوسلو الذين أقاموا أوثق العلاقات الأمنية والاقتصادية، والسياسية بالسلطات الإسرائىلية المحتلة، وقدموا خلال السنوات الماضية تنازلات كبيرة تحت لافتة أن "آلام السلام أهون من ألام الحرب" أي أنهم لم يقاوموا حتى بأسلوب غاندي ذاته·
ويأمل هؤلاء أن استخدام ورقة "غاندي" أي شهرة ذلك الزعيم الهندي الجد الذي اتبع في الهند في مقاومة، الاحتلال البريطاني أسلوبا اشتهر باسم "اللاعنف"، قد تفيدهم في إنهاء المقاومة الفلسطينية المسلحة ضد الاحتلال واستكمال واجبهم الذي قررته لهم اتفاقات أوسلو، أي تحقيق الأمن والأمان للمحتلين، من دون النظر إلى أمان الفلسطينيين وأمنهم، وهو أمر لا تتحدث عنه هذه الاتفاقات·
بعض المراقبين الفلسطينيين لا يخفي نقده لمثل هذا التوجه نحو استغلال اسم الزعيم الهندي المهاتما غاندي ونضاله الجاد لتحرير الهند من الاحتلال البريطاني، ذلك الزعيم الذي لم يساوم على أدنى حق من حقوق الهنود في صراعه مع المحتلين، فالمهاتما غاندي حسب ما يرى هذا البعض خاض نضاله في ظروف "تاريخية" مختلفة تماما، حيث لم تكن الهند تواجه استعمارا استيطانيا يقوم على الاستيلاء على الأرض وإبادة السكان، ولم يكن نضاله "سلميا" بالمعنى الذي يترجمه حفيده أرون أو جماعة عرفات الذين قاموا بدعوته ليتعكزوا على خطابه، بل كان "أعنف" نضال خاضه الهنود، بمقاطعة البضاعة البريطانية، والامتناع عن دفع الضرائب، والعصيان المدني، وتحويل الهند إلى ورشة عمل يعتمد فيها الهنود على أنفسهم في المأكل والملبس، أي في تحقيق الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي رغم أنف المحتلين، فهل هذا هو واقع سلطة عرفات التي تدعو الفلسطينيين إلى التوقف عن المقاومة أمام اجتياح متواصل لكل مقومات حياتهم، بينما تمد جسور التعاون مع الاحتلال؟
فلسطينيون آخرون لا يكتمون سخريتهم من هذه الدعوة التي تُنقل من سياق النصف الأول من القرن العشرين إلى سياق أوائل القرن الحادي والعشرين، قسرا وتعسفا وكأننا أمام هند أخرى، واحتلال بريطاني، بينما الأمر غير هذا تماما·
فبالإضافة إلى افتقار الفلسطينيين إلى زعامة من وزن زعامة المهاتما غاندي، يجدون أنفسهم بين فكي كماشة، من جهة هناك قيادة تواصل التعاون مع المحتل على كل صعيد بدءا من الأمن ومرورا باستيراد منتجات المستعمرات الإسرائيلية والمتاجرة بها، ووصولا إلى التوسط لشراء المواد الاستراتيجية مثل الإسمنت والحديد وتوريدهما لبناء الجدران والمستعمرات، وهناك من جهة أخرى مشروع احتلال استعماري لا يتوقف أمام دعوات السلام، بل يستخدمها جسورا لابتلاع المزيد من الأرض وتهجير المزيد من السكان·
لا يوجه هؤلاء اللوم إلى غاندي الحفيد الذي يعتقد أن دعوة جده في الهند ماتزال ناجعة في فلسطين، فقد تكون معلومات هذا الرجل الذي يدير معهدا في ممفيس لنشر موعظة اللاعنف عن القضية الفسطينية ضئيلة إلى حد بائس، وربما كانت مستقاة مما أوصله إليه هؤلاء الذين يتمسحون باسم المهاتما غاندي، متجاهلين أن سلوكهم في فلسطين هو سلوك المتعاونين مع الاحتلال، وليس سلوك الذين يقاومون الاحتلال، ولو كان غاندي الجد حيا لهاله هذا التزوير الذي يلم بأفكاره، هو الذي أصر على شيء واحد أمام المحتلين: مادة الاستقلال وجوهره، لا ظله الزائل·
في برنامجه التلفزيوني الأخير على قناة الجزيرة، ربما حمل محمد حسنين هيكل في حديثه ردا على أمثال هذه الدعوات المخادعة إلى التسليم أمام قوة الاحتلال فقد نبه إلى أن إسرائيل لم تنطلق في موجات استعمار فلسطين الشرقية وغزة (%22 من الأرض المحتلة) إلا بعد أن أعلن السادات أن أكتوبر آخر الحروب "1974"، وجاءت الموجة الثانية بعد اتفاقات كامب ديفيد (1977) وأخيرا جاءت الموجة الثالثة التي نشهدها بعد اتفاقات أوسلو (1992) وهذه المرة حاملة معها أعنف شكل من أشكال الإبادة الفلسطينية واستعمار ما تبقى من أرضهم أي أن اقتناع العرب بما سموه "السلام كاستراتيجية" كان المفتاح الذي فتح الأبواب أمام "الاستعمار كاستراتيجية" بالنسبة للمحتلين الإسرائيليين فهل هناك أكثر خداعا من هذا "السلام" من طرف واحد؟!·