· إسرائيل تقاوم فكرة "الدولة الواحدة" بكل ما أوتيت من أسلحة
· فرص السلام ظلت متوافرة دائما لكن كان ينقصها الالتزام
· الإجماع الدولي أهم من الحديث الفلسفي عن "المبادىء" و"العدالة"
· النظريات الأكاديمية لا تجلب السلام ولا تنهي معاناة الشعب الفلسطيني
· إذا قررت الولايات المتحدة حل الصراع فلا خيار أمام إسرائيل سوى الانصياع
· كنت أول من نادى بدولة ديمقراطية علمانية في فلسطين لكنها غير قابلة للتنفيذ الآن
· أنا لم أطالب الفلسطينيين بالتخلي عن حق العودة لكنه أمل من الصعب تحقيقه
أجرى المقابلة: ستيفن ر· شالوم وجستين بودر
أثارت المقابلة التي أجراها ستيفن شالوم وجوستين بودر مع عالم اللغويات والمفكر اليهودي الأمريكي الشهير نووم تشومسكي ونشرها موقع Znet على شبكة الإنترنت في الثلاثين من مارس الماضي، سجالا حاميا بين تشومسكي والمفكر اليهودي الأمريكي نوح كوهين·
وقد رد كوهين على تشومسكي في أواخر أغسطس الماضي على الموقع نفسه، مما اضطر الأخير للرد في اليوم ذاته دفاعا عما طرحه من آراء بشأن المسألة الفلسطينية ورؤيته لحلها·
ووجه كوهين انتقادات حادة لتشومسكي لدفاعه عن حل يقوم على أساس دولتين في فلسطين إحداهما يهودية والأخرى فلسطينية معتبرا أن الحل العادل يقوم على أساس إقامة دولة علمانية ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية ويتمتع السكان فيها بالمساواة في الحقوق والواجبات·
ويهاجم كوهين نمطا من المفكرين الأمريكيين الذين يختارون التمسك بـ "المبادئ" حينا ويتذرعون بـ "الواقعية" أو "البراغماتية" أحيانا من أجل الترويج لحلول غير عادلة للقضية الفلسطينية بذريعة أن هذه الحلول لا تحظى بتأييد أمريكي أو دولي·
ويرفض كوهين الحل القائم على دولتين لأنه يشرع بقاء النظام الإسرائيلي الاستيطاني الذي يعتمد على سياسة الفصل العنصري كما كان عليه الوضع في جنوب أفريقيا والذي رفضه الغرب وساعد في "النهاية" في انهياره، ويتساءل عن السبب في رفض هذا النظام في جنوب أفريقيا والترويج له في فلسطين؟
لقد أجبر كوهين نووم تشومسكي - وهو المصنف ضمن المثقفين التقدميين اليساريين في الولايات المتحدة والمعروف بمواقفه المؤيدة للحقوق الفلسطينية والمعارضة للاحتلال الإسرائيلي والقمع ضد الفلسطينيين - على العودة الى الخطوط الدفاعية، مكررا القول إن أحدا في المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني أو في الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بعامة، لا يقبل بإقامة دولة ديمقراطية علمانية في فلسطين من جهة، ولأنه يعتقد أن قيام مثل هذه الدولة قد يجعل اليهود أقلية في دولة تهيمن عليها الأغلبية الفلسطينية في ظل وضع لا ضمانة فيه لاستمرار الديمقراطية·
وقد رأت "الطليعة" نشر المقابلة مع تشومسكي ثم رد كوهين عليها ودفاع تشومسكي عن آرائه، تباعا، لأهمية هذا الجدل حول الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني وآفاق الحل·
تثير اتهامات نوح كوهين بعض الأسئلة المثيرة حول "الدفاع" و"المبدأ" و"الواقعية" التي لها تطبيقات أرحب بكثير، فلنركز على حالته بالتحديد ألا وهي الدفاع عن حقوق الفلسطينيين مثيرا بذلك المواضيع الأوسع في هذا السياق، وعليه سيتعلق السؤال الرئيسي بالمواقف التي من الممكن أن يتخذها من لديهم مخاوف حقيقية حول مصير الفلسطينيين الذين عانوا بشدة والذين يواجهون مستقبلا أشد بؤسا ما لم نتمكن من إيجاد الطرق لتغيير مسار الأحداث الجارية حاليا والتي نتحمل قدرا كبيرا من المسؤولية عنها وعليه يكون بإمكاننا التأثير عليها إذا ما أردنا ذلك·
من بين الخيارات المطروحة للنقاش خيار الدولة الواحدة وخيار الدولة ذات القوميتين، وهما خياران مختلفان جدا، هناك أشكال كثيرة للدولة متعددة القوميات في العالم كسويسرا وبلجيكا وإسبانيا وغيرها، ويعد هذا المفهوم غطاء للترتيبات التي تسمح بأشكال من الحكم الذاتي للجماعات داخل المجتمعات المركبة، وليس فقط بالضرورة أولئك الذين ينظرون إلى أنفسهم باعتبار أنهم "شعوب" ويختلف هذا كثيرا عن نظم الدولة الواحدة، والتي تخلو من أي شكل للحكم الذاتي للجماعات المختلفة في الولايات المتحدة على سبيل المثال، لا يتمتع الأمريكيون من أصل لاتيني بأي استقلالية أو سلطة على اللغة أو التعليم في المناطق التي سرقناها من المكسيك "أو غيرها" بواسطة العنف، ولا حتى بما يمكن أن يقارب ما قد يسمى بالحكم الذاتي الجزئي كما في كاتلونيا كمثال على واحدة من حالات كثيرة كشكل من الدولة متعددة القوميات·
إجماع دولي
لنعد الآن إلى الخلفية المتعلقة بهذا الموضوع، فقبل العام 1948، شكلت الحركة المنادية بالدولة ثنائية القومية أقلية في الحركة الصهيونية وكان لدى إسرائيل ما بين عامي 1967 و 1973 فرصة حقيقية لإنشاء دولة ثنائية القومية غربي نهر الأردن في نطاق معاهدة سلام شاملة مع مصر والأردن، ومن ثم مع الدول العربية المجاورة·
لكن لم يكن ثمة اهتمام بالفكرة لم يكن لدى منظمة التحرير الفلسطينية أي اهتمام وكان الرأي الأمريكي المعلن معارضا بشدة كما أن كتاباتي حول هذا الموضوع هوجمت بشدة من كل الأطراف·
لكن هذا الخيار لم يعد متاحا أبدا عقب حرب 1973، فلأول مرة تم الإفصاح بوضوح وقوة عن الحقوق القومية للفلسطينيين في المنظومة الدولية، واستخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو ضد اقتراح إقامة دولتين والذي قدم إلى مجلس الأمن في الأمم المتحدة في يناير 1976، الأمر الذي شجبته كل من سورية والأردن ومصر ومنظمة التحرير الفلسطينية ومنذ ذلك الحين هناك إجماع دولي واسع لصالح إقامة دولتين وهو الخيار الذي تعارضه الولايات المتحدة وإسرائىل فقط، ومن غير الضروري العودة إلى مثل هذا التاريخ مجددا·
نحو حرب باردة جديدة
وفي المقابل لم يكن ثمة تأييد لحل قيام دولة واحدة من قبل أي دولة مؤثرة خلال تلك الفترة ولم يشكل أبدا خيارا في المنظومة الدولية، اقترحت منظمة التحرير الفلسطينية قيام الدولة "الديمقراطية العلمانية" لكن في شكل طالب بتصفية كل المؤسسات الثقافية والاجتماعية والسياسيةاليهودية في "الدولة العربية" وبسبب هذا فقط - إذا كان هناك أسباب أخرى عديدة - لم يكن لهذا الموقف من أثر إلا كسلاح للمدافعين عن الرفض الأمريكي الإسرائيلي وقد نوقشت هذه المسائل كتابة في السبعينيات، وهناك استعراض مختصر في كتابي "نحو حرب باردة جديدة" (1982)، والقول بأن الفكرة لم تحظ بالتأييد في إسرائيل لا تدنو من وصف الواقع فقد رفضت عمليا بالإجماع وبحماس كبير وكانت سترفض حتما حتى لو أخذت الخطب الرنانة حول الديمقراطية العلمانية على محمل الجد، وحتى في ظل الظروف (التي لا يمكن حتى تخيلها على أرض الواقع) التي يمكن أن يتوافر فيها بعض الدعم الدولي ذي الأهمية لمثل هذه الخطة فإن إسرائيل ستعارضها بكل السبل المتاحة، بما فيها أقوى أسلحتها والتي تمتلكها إسرائىل ويمكنها استخدامها·
ومنذ أواخر التسعينيات أصبح موضوع "الدولة الواحدة" محبذا للنقاش في دوائر النخبة إلى الحد الذي نشرت فيه كل من مجلة النيويورك تايمز ومجلة "نيويورك ريفيو" مقالات تقترح فيها هذا الأمر، ولن أقول تدافع عنه، لأسباب سأذكرها لاحقا، وكان محرما تماما في الوقت الذي كان فيه واقعيا وكان من الممكن من خلاله حقن الكثير من الدماء ودفع المصائب فلماذا حدث التغيير؟ إن التفسير الوحيد الذي عرفته هو الذي ظهر في المقابلة مع شالوم وبودر، والذي لن أكرره، لكنني سأضع هذا جانبا وأعود إلى الوضع الحالي·
وهم خطير
توجد عدة مواقف في الوقت الراهن يمكن أن يتخذها أولئك المهتمون بشعوب المنطقة وبتحقيق العدالة للفلسطينيين تحديدا، ومن الواضح أن هذه المواقف مهمة أكاديميا فقط إلا إذا ما صاحبها برامج عمل تأخذ في حساباتها ما يدور في العالم الحقيقي، وإلا فلن تشكل أي نوع جدي من الدفاع·
وربما هناك حاجة لتوضيح آخر، فأحيانا ما يتم رفض برامج ممكنة التحقيق باعتبارها نوعا من "الواقعية" أو "البراغماتية" ويصنف ذلك كنقيض "للعمل المبدئي"، وهذا وهم خطير فليس من "المبدأ" في شيء أن نرفض أخذ العالم الحقيقي والخيارات المتاحة فيه، بالحسبان بما في ذلك - بالطبع - خيار القيام بالتغييرات إذا أمكن بلورة مسار ممكن التحقيق، تماما كما كانت الحال بالنسبة إلى فيتنام·
وسوف ألتزم بالدفاع في مفهومه الجدي: أي برنامج ممكن التحقيق بعيدا عن الأوهام حول "العمل وفقا للمبدأ" دون أي اعتبار للواقعية المتعلقة بمصير شعب يعاني الأمرين·
كانتونات
أحد المواقف هو المؤيد للتسوية القائمة على أساس دولتين في ظل مفاهيم الإجماع الدولي الساحق والثابت والواسع "بما في ذلك السلطة الفلسطينية" الأمر الذي تعارضه الولايات المتحدة وإسرائىل على الرغم من تأييد أغلبية الشعب الأمريكي وقبول جماعات ربما تكون كبيرة داخل إسرائيل ولهذا الموقف أشكال ملموسة ومتعددة أحدها "اتفاقية جنيف" والتي كما ذكر في المقابلة تقدم برنامجا مفصلا لتبادل الأراضي بالتساوي وجوانب أخرى من التسوية وتكاد تكون قريبة من التنفيذ فالبنود والخرائط أصبحت جاهزة، وبما أن كوهين لا يتطرق إلى هذه الأمور، وبمعزل عن الاستشهاد من مصدر لا صلة له بالموضوع ولا يقترح ما يمكن أن "ينفذ فعليا" فلا داعي للتطرق إلى أبعد من حدود المقابلة، تشكل هذه المقترحات أساسا للمفاوضات التي تحسنت بشكل كبير عقب مقترحات كلينتون وباراك في كامب ديفد عام 2000 وما تلاها من مقترحات طابا، إذ فتحت هذه المقترحات الباب لأول مرة لتبادل معقول للأراضي بالتساوي كما أنها تحل محل الاقتراحات السابقة التي تقضي بتقسيم الأراضي المحتلة إلى كانتونات· مازال هناك بعض الملامح التي قد تسبب الاعتراض لكن السؤال الحقيقي هو إذا ما كان بالإمكان اتخاذها كأساس جدي للمفاوضات وإذا ما كان هناك بديل يمكن أن يقدم ما هو أكثر للفلسطينيين من الاستمرار بالمفاوضات على هذا الأساس·
إننا نريد أن نستمع إلى مثل هذا الخيار إذا ما كان متوفرا· إن أولئك الرافضين لتحمل هذه المسؤولية إنما يشاركون باختيارهم حقيقة في مناقشة أكاديمية ما بين مفكرين من المريخ لا شاغل لهم·
برامج واقعية
إن الدفاع الحقيقي هو في تأييد الإجماع الدولي، لا المناقشات والمناظرات الأكاديمية والسبب المباشر لهذا كما وضحت في المقابلة يتمثل في وجود برامج عمل واقعية وواضحة مرتبطة بهذا الموقف أن المهمة الأساسية تتمثل في إشراك أراء ومواقف الأغلبية العظمى من الشعب الأمريكي في الحلبة السياسية وهذه مهمة كانت ولا تزال سهلة نسبيا مقارنة بالمهام الأخرى التي يواجهها الناشطون، وبالمقارنة ندرك أن المهام المشابهة ليست سهلة فالأمر الذي كان غائبا هو الالتزام وليس الفرض· إن أولئك الذين لم يعزموا أمرهم على الالتزام لا خيار أمامهم سوى لوم أنفسهم على النتائج التي تتشكل أمام أعيننا وبطرق واضحة، إذا ما كان بالإمكان أن تتحرك السياسة الأمريكية باتجاه الإجماع الدولي والرأي الداخلي فإن الدعم داخل إسرائيل سيزداد بشكل تلقائي تقريبا، نتيجة لعلاقة الاعتماد على الولايات المتحدة القائمة في إسرائيل على مدى الثلاثين سنة الماضية، ومما لا شك فيه أن المستوطنين سيقاومون ذلك، لكن ستكون المشكلة غير مستعصية ويمكن التعامل معها من وجهة نظر مسؤولي الأمن الإسرائىلي البارزين على الأقل، كما جاء في المقابلة·
الموقف الثاني المتاح هو الدولة ثنائية القومية، لربما على شكل نظام فيدرالي كالذي نوقش مطولا والذي يطبق بنجاح في مناطق أخرى أو بأشكال أخرى· ويتحول هذا الموقف من الخطب والعظات إلى دفاع حقيقي عندما يصاحبه برنامج عمل ممكن ويتوافر مثل هذا البرنامج بعد تحقيق خطوتين، الأولى هي تحقيق تسوية إقامة الدولتين بما يتفق مع الإجماع الدولي، وتغيير مسار دائرة العنف والكراهية والعداء، الاضطهاد والتهجير المتصاعدة· والخطوة الثانية هي الاستمرار بعد تحقيق الخطوة الأولى· ولأسباب واضحة لكل ملم بالمنطقة فإن قيام دولتين غربي نهر الأردن ليس بالأمر المنطقي ولكل من المجتمعين أسبابه في السعي إلى اندماج أكثر، وهذا برنامج متاح لكن على خطوات وتقع على من يرى غير هذا مسؤولية تحقيق البديل الذي يقترحونه، والذي كان متاحا كما قلت قبل منتصف السبعينات، وليس بعد ذلك·
تسوية اللادولة
الموقف الثالث هو تأييد تسوية اللادولة وتعميم تعدد القومية "في ظل المفهوم العام المشار إليه" إلى أبعد من حدود الدولة، ويبنى مثل هذا الموقف على أساس الإدراك أن نظام الدولة القومية كان من أقسى وأعنف الوسائل التي أدت إلى تشكيل أوروبا وما تفرع منها وطبق بالقوة على معظم الدول ما نتج عنه تبعات رهيبة ولقرون من الزمن في أوروبا وأماكن أخرى وحتى الوقت الحاضر، وبالنسبة لهذه المنطقة سيعني هذا العودة إلى عناصر النظام العثماني بما في ذلك الحكم الذاتي المحلي والإقليمي وإزالة الحدود والنقل الحر وتقليل أو إزالة القوى العسكرية وغيره من الأمور· وإذا ما طبق هذا في أمريكا الشمالية فإنه يستلزم ذكر مثال واحد فقط نتج عنه كلفة بشرية عالية وهو عسكرة الحدود الأمريكية المكسيكية والتعامل بطريقة إنسانية مع حقيقة أن الولايات المتحدة جاثمة على نصف أراضي المكسيك التي استولت عليها بالغزو الوحشي·
ولما لهذا الموضوع من أهمية فقد دافعت عنه علنا وتم التحري في الواقع "وربما مازال هذا التحري مستمرا" في جريمة "الدعوة الانفصالية" من قبل النظام الأمني التركي لملاحظاتي على هذا الأمر في مقابلة أجريت معي في العاصمة الكردية شبه الرسمية ديار بكر، وتم نشرها لاحقا وربما طبعت على موقع Znet· هناك أيضا دفاع "ضمني" مشابه في الكتاب المميز لتشارلز غلاس "قبائل لها رايات"·
اقتراح محرم
هل ثمة برنامج يصل بالدفاع إلى مستواه الحقيقي؟ نعم، إنه برنامج يماشي الدفاع عن الاقتراح المحدود بقيام الدولة ذات القوميتين إن موقف اللادولة أكثر عقلانية ولعله متاح بشكل أكثر على المدى الطويل من موقف الدولة الواحدة على الأقل يميز هذا المسار حقائق المنطقة وأهمية وجود نوع من تقرير المصير والحكم الذاتي لسلسلة معقدة ومتشابكة من الجماعات والمصالح·
كيف يمكننا تصنيف هذه المواضيع بالترتيب حسب الأفضلية؟ في رأيي منذ طفولتي وحتى هذا اليوم، أن خيار اللادولة هو الأفضل ما بين تلك البدائل "ليس فقط في المنطقة"، ثم يليه خيار الدولة ذات القوميتين والأسوأ من بينهم هو خيار الدولتين، ولابد من ملاحظة حذفي لشكل الدولة الواحدة لسبب واحد سبق أن ذكرته: إن نظام القوميتين يناسب بشكل أكبر حاجات واهتمامات المجتمعين وأظن أنه من المناسب أن يتم تحقيقه على خطوات لكننا بحاجة إلى التفكير بشأن هذا الأمر·
وكما سبق أن ذكرت، فإنني أفترض أن هذا هو السبب في الترحيب بالمقترح في دوائر المفكرين من النخبة على العكس من السنوات التي كان في مقترح الدولة ذات القوميتين متاحا ومحرما في ذات الوقت، لكن هذه الأفكار تلقى الترحيب في الوقت الحالي وتظهر إنسانيتنا لكن دون اكتراث لمسألة أين تقودنا· هناك بالطبع من يرحب بهذا المقترح كمطلب عاجل ويرفض كل المراحل الوسيطة ويأمل بأن يتم تبنيه بشكل واسع·
إذا كان الخيار الوحيد المتاح هو "خيار الدولة الواحدة" دون مراحل ابتدائية، فيمكن أن يساورنا القليل من الشك بابتهاج صقور الولايات المتحدة وإسرائىل ومضيهم قدما في وجود الدعم الشعبي العارم لفرض تدابيرهم الوحشية على الأراضي المحتلة، وبما أن كوهين يتجاهل هذه الأمور كليا، سأترك النقاش عند هذا الحد مع ملاحظة بسيطة بأننا لا نصل إلى مستوى الدفاع بشكل جدي مالم نعالج هذه المواضيع بعناية·
حق العودة
وينطبق الكثير مما ذكر على "حق العودة" كما جاء بوضوح في المقابلة "ليس من المفترض باللاجئين الفلسطينيين التخلي عن حق العودة" فما من خلاف على هذا "لكن العرض السيء لكوهين يحذف هذه الجملة" الخلاف هو على ما إذا كان هذا الحق سيطبق، ففي هذه الحالة أيضا "وتحت ظروف لا يمكن تخيلها" فإن إسرائيل ستلجأ إلى أقصى أسلحتها لتمنع هذا الأمر حتى لو توفر له أي دعم يذكر ولا بد أن يمتنع أولئك المهتمون لمصير اللاجئين عن تعليق آمال لا يمكن تحقيقها أمام أعينهم ومن الصعب أن يدعو بأن قيامهم بمثل ذلك إنما هو نتيجة لموقف أخلاقي·
والأمثلة المشابهة بما فيها المذكورة هنا صحيحة بشكل عام فالشيروكي "قبائل من الهنود الحمر طردهم المهاجرون الأوروبيون من ولاية ماساتشوستس بالولايات المتحدة ووضعوهم في محميات" لديهم حق في العودة إلى أراضيهم التي أبعدوا عنها، "ولا يجب أبدا أن يتخلوا عن هذا الحق" كذلك الحال بالنسبة لما بين عشرة إلى خمسة عشر مليون كردي في تركيا إذ لهم الحق في الحكم الذاتي في كردستان الكبرى بالنسبة لهم و"لا يجب أن يتخلوا" عن هذا الحق فإذا ما فرضنا أن شخصا ما أعطى قبائل الشيروكي أو أكراد تركيا الأمل بأن حقوقهم تلك سوف تتحقق إذا ما رفضوا التدابير التي تتسبب في ظروفهم القاسية· لربما يظن هذا الشخص نفسه "مدافعا عن قبائل الشيروكي" أو الأكراد وأنه يتصرف من منطق "مبدأ"، لكنه سيكون قد ضل بشكل كبير·
حتى الآن كنت أفترض أن النقاش يدور بين أشخاص يهتمون لأمر ومصير الشعب المعني "الفلسطينيين"، والذين يشكلون الضحايا الأكثر تعاسة لكن هناك احتمالا آخر، ألا وهو أن ننتقل بالنقاش إلى الحلقات الأكاديمية التي يديرها الأكاديميون على سطح المريخ، وعندها نستطيع الانضمام إليهم في السخرية من "الواقعية" و"المعقول" أي السخرية من منح الاهتمام إلى العالم الحقيقي والتفكير في عواقب أفعالنا على الضحايا ونستطيع أيضا أن نخوض في نقاش حول ما هو "الصواب" وما هو "العدل" في عالم غير موجود لكن إذا ما قرر المتحاورون في تلك النقاشات العودة إلى الأرض وأن يتحلوا ببعض الاهتمام والتعاطف للضحايا فإن عليهم حينها واجب التفسير لنا كيفية الانتقال من هنا إلى هناك، فلنسمع ما لديهم حتى نستطيع أن نقيم ما يقولون ونتصرف وفقا له إذا ما كان منطقيا لكن حتى هذه اللحظة لا يتعدى الأمر كونه أكاديميا إذ لا توجد أي مقترحات ذات قيمة للعمل باستثناء مقترحات الخطوة تلو الخطوة التي تم تحديدها، على الأقل لم أعرف بوجود غيرها، وللأسباب التي شرحتها فإنني أرى أن الذين يتخذون مثل هذه المواقف دون الارتقاء إلى مستوى الدفاع الجدي إنما يخدمون أهداف الصقور المتشددين في إسرائيل والولايات المتحدة ويسببون أذى أكبر للفلسطينيين الذين يعانون أصلا· وبما أن التعليقات لم يتطرق لها، سأترك الموضوع عند هذا الحد·
انتهى
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com