يا امرأة لا تُكتب
نشمي مهنا
(1)
يالطزاجة اللحظة، يالروعتها··
لقطة بسيطة، لكنها غنية، كأنها مستلة من يوميات قصة حب بين عاشقين بُعثا من قرون وسطى رومانسية: في ضحى أوروبي بارد، خلا فيه زقاق المدينة الضيق، والمرصوف بالبلاطات الحجرية، من المارة· فتاة على دراجتها الهوائية تتوقف، وتشدّ جذعها الى أعلى للوصول الى أسفل النافذة· ينحني فتاها من إطار نافذة غرفته المطلة، يناولها كتابا، ويتبادلان حديثهما··· هكذا!
ماذا في ذلك؟! سوى أن حميمية هذا المشهد غائبة عن حياتنا منذ أزمان، حتى اعتدنا غيابها ولم ننتبه لفقدها·
السرعة واللهاث والتكلف لم تترك لنا فرصة للانتباه لحرارة التفاصيل الجميلة، ولا لتأمل الألوان القزحية التي تُبعث في سماء عواطفنا، ولا بالوقوف أمام جدارية معان مهملة فينا، ولا لمنمنمات حكايات العشاق·
تتسع دائرة الفكرة لديك: هل رأيتهما بالفعل أم أنك تخيلت ذلك المشهد؟ هل شاركت برسمه وأضفت عليه جماليات كان يحتاجها خيالك الظامئ ولهفاتك المكبوتة؟ هل جاءت هذه الفتاة الجميلة تستعيد كتابها أم لتسترضي حبيبها؟ وبسذاجة تتساءل: أيهما أكثر تتيما هذا المطل عليها من نافذته أم المشدودة الى علو الحبيب؟
الى ماذا تلتفت الآن؟!
الفتاة الخارجة من كتب العشق التاريخية ودعت فتاها بإشارات ناعمة منذ دقائق، وأكملت طريقها، يتبعها شعرها الأشقر المتطاير في الهواء، ويغيّبها زقاق ملتو عن مرمى ناظريك·· وخيالك!
(2)
"أريد مزيدا من العمر كي نلتقي ومزيدا من الاغتراب"· ü
هذا ما يريده "درويشكِ"، إضافات بسيطة الى العمر ليلتقيكِ، ويغترب عنكِ وفيكِ ليشتاقكِ· أخفّ قليلا مما يريده "مغلوبكِ" الآخر·
يا امرأة تتوهج كمغامرة، تفرّ ولا تطمئن كمخيّلة، تتكىء على حواف القول ولا تبوح، تلمّع معادنها المنسية ولا تأذن· معناك أوسع من كلمات، وصمتك ألذ من ليل غامض· أنفاسك توهان شعاع في غابة· وضحكاتك سقوط في تهلكة·
شاهق بهاؤك،
وسماؤك تجّدد فتنتها لا بغيم عابر ولا بنجم ساطع، فمقامك دائم هناك في عريٍّ أزرق·
يا امرأة لا تُكتب، تقدحين شراراتهم بفرك أصابع الدهشة وتصمتين، يأتونك بالهذيان، وبمجمرة الأنفاس، وبالأضلاع المعقوفة على تراتيلهم· يأتونك بالنداءات، كندم الأموات على انشغالاتهم، وتبذيرهم الخلوة، وتفويت فراغات الوحشة· خلفهم يسحبون مرارات الذكرى، ونشيج نايات مكسورة، وغبن حياة قديمة· يغرونك باسطين راحاتهم، لتنتقي أي موت، وعلى أي غيمة·
يا امرأة لا تُكتب، سأظل بعيدا في موتي، أهذي بالحرف الساقط من "درويشك"، بالمعنى الغائب عن "مغلوبكِ"، وبعيون من حولك:
"كي أستطيع الرجوع الى···· ساعة من تراب"ü
ü الشعر لمحمود درويش، و"مغلوبك" إشارة الى أنسي الحاج·
nashmi@taleea.com