ثريا البقصمي.. "امرأة مكهربة"
نجمة إدريس: في مجموعتها الأخيرة اختفت الكاتبة بتفاصيل الحياة والأشياء
· البقصمي: جماعة "طالبان" في الكويت زرعوا في نفوسنا الخوف من الكتابة الحرة!
كتب المحرر الثقافي:
في محاضرة أقامتها رابطة الأدباء ضمن فعالياتها الثقافية الأسبوعية قدمت د· نجمة إدريس قراءة في المجموعة القصصية الصادرة مؤخرا للكاتبة القاصة ثريا البقصمي، تناولت فيها أحداث القصص ولغة الكاتبة، وفي ختام القراءة طرحت د· إدريس مجموعة من الأسئلة على الكاتبة أجابت عنها بجرأة وصراحة ألقت خلالهما الضوء على مسيرة الكاتبة وإن بشكل مختصر·
بدأت د· إدريس قراءتها بقولها: "في جلسة مثل هذه ومع ضيفة مثل ثريا البقصمي يستحسن أن ندلف الى قلب الأشياء مباشرة، لنمزج ألوانها، بفرشاة هذه الأمسية، ونخربش على حوائط الإصغاء الجميل، كما تفعل هي حين تتهيأ للوحة، وتراود قماشتها بلا مقدمات"، وأضافت إدريس: "امرأة مكهربة" مجموعة طيعة تمنحك نفسها من أول جلسة وتلك سمة تعكس لا شك، موقف كاتبتها من حياة يومية لا تحتاج منا الى كل هذا التعقيد، والقلق المبرح! إنها مجرد مشاهد متناثرة، أحيانا محايدة حد البلاهة، وأحيانا متكررة حد السأم، وأحيانا متوترة ولاهثة ولكنه توتر اللحظة الهاربة، ولهاث الزمن المنسرب بلا نوعية·
وأضافت "وكما أن الحياة من هذا المنظور اعتيادية ومكررة كذلك يكون أبطالها المرصودون في النماذج القصصية أبطالا عاديين يحملون هموما يومية من نثار رويتهم اليومية·· وقد تبتعد الشخصيات في قصص المجموعة عن التسطيح المقصود لتبدو أكثر تعقيدا كالزوجة المقهورة المعذبة في قصة "المناكف" أو سوزان نعيم في قصة "امرأة مكهربة"··· ولكن سرعان ما يكتشف المتأمل أن التعقيد في هذه الشخصيات و - كلهن نساء - تعقيد تستجلبه اللحظة القلقة المتوترة والموقف المشحون بالانتظار والترقب، ليس إلا، وكلها تنتهي بنهاية القصة وتنسكب مع روتين الزمن الهارب الى اللا شيء أو اللا نهاية، إذ ستعود هؤلاء النسوة كرة أخرى الى دوائرهن المغلقة على التوتر والانتظار والتآكل"·
وقالت إدريس عن أحداث المجموعة "إن الأحداث وإن بدت ذات وتيرة زمنية مغلقة، إلا أنها لا تخلو في بعض النماذج من المواقف الغريبة نادرة الحدوث، مما يستجلب الدهشة والإعجاب بمخيلة المؤلفة···· وتبعا لتلك الأحوال - في أحداث القصص - تتشكل اللغة، لتتناسب وتلك الطقوس الاعتيادية والأزمنة الدائرية المتكررة، فتجيء لغة خارجية سافرة تعتني بالاستشراق والوصف وتؤكد على حضور صوت الكاتبة الذي ظل مهيمنا وظاهرا يصف ويحلل، ويستقصي، ومن هنا فقد ندرت لغة الضمير المستخفي، وتهويمات البوح، وحديث النفس، ذلك أن لغة الكاتبة لم تكن غير وعاء ووسيلة تقدم الحدث بمباشرة وتقريرية في معظم النماذج القصصية، ولم تجتهد لتعلو فوق ذلك، أو تكتشف لها آفاقا، وطاقات تعبيرية تهيئها لدور أبعد من الرسم والتقرير"·
وعن لغة البقصمي قالت المحاضرة "إن هذا التقشف في اللغة سرعان ما يجد ما يعوضه، ممثلا بتلك المراودات للمناطق الغائرة في النفس، وحالات التذكر، والاسترجاع، والحلم، ومكابدة الأرق، والوحشة، في كل قصص "امرأة محظوظة" و"رنين" و"ساحر حمانا"، حيث تجتهد اللغة في الغوص الى ما وراء اللغة، إن صح التعبير لتصبح حالة والتباسا، وانزياحا، الى ما وراء اللغة الشاخصة"·
وعما تعطي عناوين القصص في المجموعة من إشارات ومعان قالت إدريس "تأتي العناوين في النماذج القصصية، وهي جزء من هذه اللغة المتواضعة، لا لتقدم لنا تحديا، أو استفزازا، بقدر ما تمتزج مرآة مماثلة لموضوع القصة، خالية من الفضول أو الدهشة، اللهم إلا تقديم نسخة مختزلة من القصة الممدودة على مدى صفحات، وعلى الوتيرة ذاتها، تأتي النهايات والخواتيم، لا لتتعمد الدهشة، والإبهار وتفتعلهما، وإنما لتكرس الموقف المبدئي ذاته من الحياة أي لتعيدنا الى دائرة التكرار واندياح الزمن في حلقة مفرغة بلهاء"·
وختمت إدريس قراءتها بقولها "إن مجموعة البقصمي تأتي لتضاف الى رصيد مجموعاتها الأخرى وتتدلى بين عناقيدها، لذلك يمكن القول: إذا كانت مجموعة "العرق الأسود" تتصف بغناها وغرابتها، ومجموعتا "شموع السراديب" و"رحيل النوافذ" بعمقهما واحتدامهما بالصدق والتوهج، فإن مجموعة "امرأة مكهربة" لا شك تعكس موقفا ما من الحياة والأشياء، تحسن الكاتبة، وتعيه وتراه يستحق التسجيل والاحتفاء"·
ثم طرحت د· إدريس مجموعة من الأسئلة المختلفة أرادت بها مناقشة الكاتبة في أكثر من جانب يشتمل على بدايات البقصمي الكتابية وطقوسها وأهم المحطات والمؤثرات التي مرت بها· مثل ممارسة الكاتبة للتشكيل والقص وأقربهما الى التعبير عنها، فأجابت بأنهما مكملان لبعضهما في حاجتها للتعبير سواء بالكلمات أو باللون، وأنها عادة ما ترسم أحداث قصصها وشخصيات أبطالها بالألوان بما يشبه اللوحة التشكيلية· وعن تأثير ظروف حياتها الشخصية العائلية في الكتابة قالت البقصمي أنها دائما تشعر بدعم زوجها وتشجيعه لها في مسيرتها الكتابية مما يشكل لها حماية - على حد قولها - وأضافت مازحة ولكن ليس بشكل البوديقارد"·
وعن ممارسات بعض الجماعات الأصولية في التضييق على الحريات الكتابية في الكويت قالت البقصمي إن هؤلاء الأفراد من خلال سياسة التخويف والإرهاب الفكري يعملون على نصب مشانق للكتب، مشبهة هذه الصورة بلوحة تشكيلية لأحد الرسامين العالميين الذي عبر عن أن هناك في التاريخ الإنساني من يعمل على نصب المشانق وإعداد المذابح للكتب أيضا ولا يكتفون بالكتاب والفنانين، وأضافت إنها في لحظات الكتابة تمارس حريتها إلا أن هناك رقابة ذاتية وخوفا زرعه جماعة "طالبان" في نفوس الكتاب إشارة منها الى الجماعات الأصولية المستوردة للفكر المتعصب·