
· القضاء على الملاذ الآمن للإرهابيين في الفلوجة أولوية قصوى للاستراتيجية الأمريكية
· علينا التحالف مع العشائر وحتى مع البعثيين ضد المقاتلين الأجانب
· فشل الانتخابات العراقية يضع الرئيس الأمريكي أمام خيارات صعبة
بقلم فرانسيس فوكوياماü
من السمات البارزة لحملة انتخابات الرئاسة الأمريكية الراهنة هي غياب أي جدال حقيقي - حتى وقت قريب - بين الرئيس جورج بوش وخصمه الديمقراطي جون كيري حول العراق، وكان كيري قد صوت لصالح تفويض بوش بشن الحرب، وأعلن مؤخرا، بشكل غريب، أنه لا يزال عند موقفه المؤيد للحرب بالرغم من كل ما حدث، ولكن بعد تراجعه السريع في استطلاعات الرأي عقب انعقاد المؤتمر العام للحزب الجمهوري في نيويورك أواخر شهر أغسطس الماضي، بدأ كيري ينأى بنفسه عن الحرب وأخذ ينتقد طريقة تعاطي الرئيس مع المشكلات في العراق وأشار الى أن بالإمكان سحب القوات الأمريكية من هناك خلال أربع سنوات، لقد كانت هذه حماقة، لأن تحديد موعد للانسحاب يبعث برسالة خاطئة لأصدقاء وأعداء الولايات المتحدة على حد سواء، ويجعل كيري يبدو بمظهر المتردد، كما أن إشارة كيري الى إمكانية إحلال قوات دولية بدل القوات الأمريكية لا يشكل بداية موفقة·
التحدي الأبرز
وفي الواقع، فإن فشل إدارة بوش في التخطيط الملائم لعراق ما بعد الحرب، كان خطأ سياسيا كبيرا، وهو خطأ سيحد، بشكل كبير، من خيارات الولايات المتحدة السياسية في المستقبل، فالتصعيد الأخير لأعمال العنف ومع ارتفاع عدد الجنود الأمريكيين الذين قتلوا في العراق الى أكثر من ألف جندي، يسلط الضوء على مدى اضطراب الأمن في هذا البلد، ولكن الجدال الحقيقي يجب ألا يركز على توجيه اللوم عن هذه الفوضى، بل على الاستراتيجيات المجردة لمساعدة الولايات المتحدة في التخلص منها، فهذه واحدة من أبرز التحديات التي تواجه الرئيس المقبل للولايات المتحدة·
فالخطة التي وضعتها الإدارة للمدى البعيد ضد تسليم السلطة الى العراقيين في شهر يونيو الماضي تبدو واضحة وتقوم على أساس تقوية حكومة أياد علاوي من خلال بناء قوة عسكرية عراقية تتولى مهام حفظ الأمن بدل القوات الأمريكية والبريطانية، وإجراء انتخابات عراقية في شهر يناير المقبل لاختيار مجلس دستوري يتولى إعداد الدستور الذي ستجري وفقه انتخابات عامة مع حلول ديسمبر 2005، وحينئذ سيصبح في العراق حكومة ديمقراطية وشرعية، ويصبح بوسع قوات التحالف تخفيض مستوى وجودها في العراق·
أرض الأحلام
وكل من يعتقد أن هذا السيناريو سوف يتحقق إنما يعيش في أرض الأحلام، فالعقبة الأولى والأكبر تتمثل في الوضع الأمني، إذ تواجه حكومة علاوي تمردا مزدوجا، الأول من مقتدى الصدر وجيش المهدي، أما الثاني والأشد خطورة في المدى البعيد فهو الوضع في الفلوجة وبقية أرجاء المثلث السني، فالفلوجة أصبحت الآن، قاعدة للمتشددين وإحدى المناطق الكثيرة التي لا تستطيع قوات التحالف دخولها، بعبارة أخرى، سمحت الولايات المتحدة بإقامة ملاذ آمن جديد للإرهابيين في وسط العراق، وعملية إخضاعه عسكريا، سوف يقتضي دفع ثمن باهظ من قبل الولايات المتحدة، وأنه لمن غير الممكن تصور كيف ستجري الانتخابات في المناطق السنية بعد أربعة أشهر فقط من الآن، وعدم مشاركة هذه المناطق في الانتخابات يعني أنها لن تكون شرعية لغياب ممثلين سياسيين يتمتعون بالشرعية عن السنة في العملية السياسية·
البيضة والدجاجة
وبالقدر نفسه من الخطورة، غياب سلطة الدولة الواحدة، لأن جوهر الدولة هو أن تقوم على قوة شرعية ولذلك ما انفك الأمريكيون يحاولون إقناع مختلف الميليشيات - وليس ميليشيا الصدر فحسب - بدمج قواتها تدريجيا مع القوات الحكومية، ولكن هناك مشكلة البيضة والدجاجة، فلن تنزع أية ميليشيا سلاحها ما لم تكن على ثقة بأن مصالحها ستؤخذ بعين الاعتبار، ومع ذلك فإن حكومة مركزية قوية لن تظهر الى حيز الوجود دون دعم الميليشيات·
لقد كان من براعة المتمردين أن ركزوا هجماتهم علي المتطوعين للخدمة في القوات الحكومية·
وإذا ما تم إرجاء الانتخابات وظلت السلطة الفعلية في أيدي الميليشيات، فسوف يواجه الرئيس المقبل للولايات المتحدة خيارا حاسما، فإما مواصلة الضغط من أجل دولة عراقية موحدة أو السعي لترتيبات لاقتسام السلطة بناء على اتفاق بين الأكراد والشيعة، بحيث يكون الهدف الاستقرار وليس الديمقراطية·
لقد سمعنا أحاديث فضفاضة حول تقسيم العراق الى ثلاث دول كردية وشيعية وسنية، وينبغي عدم النظر الى هذا الاحتمال سوى كونه إشارة على الإحباط واليأس، لأن اختلاط السكان العراقيين يعني أن أي تقسيم سيقود الى فوضى دموية كتلك التي رافقت انفصال باكستان وبنغلادش عن الهند·
وينطوي سيناريو الانقسام أيضا، على ردود فعل سلبية من قبل دول الجوار خصوصا إيران وتركيا، أما السيناريو البديل، فيتمثل في عزم دول التحالف على تعزيز أجزاء في البلاد قادرة ممارسة حكم الذات بشكل ديمقراطي على نحو ما ومنع عدوى الفوضى في المثلث السني من الانتشار الى مناطق أخرى، فالشيعة والأكراد يعيشون في الأجزاء الغنية بالنفط من العراق، وقد تعرض على السنة الصفقة التالية: ترتيبات اقتسام السلطة يحصلوا بوجبها على عائدات من النفط تتناسب مع حصتهم من السكان مقابل التعايش السلمي في المناطق التي ستنقسم بهم أو من دونهم·
ولكن حتى هذا الترتيب لن يكون سهلا، فهو سيبقي وضع بغداد العاصمة المهمة لكل من السنة والشيعة، معلقا، وسوف يتطلب مثل هذا الترتيب قمع ميليشيا مقتدى الصدر بشكل نهائي، وإجراء الانتخابات أينما يكون ذلك ممكنا وتغيير ميزان القوى في مدن كالفلوجة من الإرهابيين الأجانب الى شيوخ العشائر أو البعثيين القدامى، وهذا يعني أن تتخلى الولايات المتحدة عن فكرة الدولة العراقية الموحدة والتركيز على تقوية قدرة القادة السياسيين الأكثر اعتدالا كي يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم أمام التمرد السني والجهاديين الأجانب·
خانة واحدة
وخلف ذلك تكمن مسألة دور الولايات المتحدة ودول التحالف الأخرى، إن اقتراح كيري تحديد موعد نهائي للانسحاب من من العراق، ما هو إلا مقدمة لمطالب أقوى في انتظارنا، فنحن أمام قتال أشد ومزيد من الضحايا التي ستسقط، الأمر الذي سيعرض موقف القوات الأمريكية في مناطق أخرى مضطربة من العالم مثل كوريا الى الخطر، ولا يمكن لواشنطن الإبقاء على مستوى وجودها العسكري في العراق حاليا إلا من خلال الاستعانة بقوات الحرس الوطني وقوات الاحتياط الذين تمثل عائلاتهم قاعدة بوش السياسية، وأنه لأمر حتمي إذن أن يقوم الرئيس المقبل للولايات المتحدة بالبحث عن استراتيجية للخروج من العراق، حتى لو كان ذلك يعني تخفيض سقف المهمة الأمريكية هناك·
لقد وضع المؤتمر القومي للحزب الجمهوري هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 والحرب على العراق في خانة واحدة هي الحرب على الإرهاب، وكأن الجنود الأمريكيين الذين يقاتلون ميليشيات مقتدى الصدر إنما يقومون بالثأر لتدمير برجي مركز التجارة الدولي، لقد أصبح ذلك - في الواقع - صحيحا ولكن لا لشيء، إلا لسوء إدارة الحرب التي خلقت أفغانستان جديدة داخل العراق، والقضاء على هذا الملاذ الآمن الجديد للإرهاب يمثل أولوية قصوى إذا أردنا ألا يحدث ذلك في مناطق أخرى من العالم·
لقد ارتكبت إدارة بوش الكثير من الأخطاء في السياسة الخارجية، لاسيما في العراق، وإذا ما أعيد انتخابها، يجب عليها القيام بمراجعة أمينة لأخطائها وبحث أفضل السبل للتقدم الى الأمام، ولكن إذا ما أعيد انتخاب بوش بتفويض واسع، في شهر نوفمبر المقبل، فسوف تتمكن إدارة بوش من الإفلات بالكذبة الكبيرة حول الحرب على الإرهاب ولن يكون لديها حافز قوي لمراجعة جدية لسياساتها، ولكن إذا فاز كيري في الانتخابات، فسوف يتعين عليه الخروج من خطاب الحملة الانتخابية الساذج ويبلور استراتيجية جدية بشأن العراق·
ü البروفيسور في جامعة جون هوبكنز ومؤلف كتاب "بناء الدولة: الحكم والنظام العالمي في القرن الحادي والعشرين، وصاحب نظرية "نهاية التاريخ" الشهيرة·
" عن الفايننشال تايمز "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com