
· الديمقراطية في العراق قد تخلق حزاما شيعيا يمتد من الخليج الى جنوب لبنان
· الغزو الأمريكي للعراق أزال كابوسا وخلق كابوسا أخطر على الدولة العبرية
بقلم ستيفن إيرلانغر:
تعتبر إيران الساعية لامتلاك السلاح النووي والداعمة للإرهاب، من أبرز المستفيدين من الحرب الأمريكية على الإرهاب، الأمر الذي يسبب الكوابيس لإسرائيل·
لقد كان الإسرائيليون هدفا للإرهاب قبل زمن طويل من هجمات الحادي عشر من سبتمبر على نيويورك وواشنطن قبل ثلاث سنوات، ولكن الكوابيس ذات الصلة بإيران لها بعد آخر·
فإيران الدولة الكبيرة والطموحة والتي يحكمها رجال دين متشددون وملتزمون بتدمير الدولة اليهودية، ينظر إليها من قبل إسرائيل باعتبارها الخطر الأوضح والأكثر إلحاحا لوجودها كدولة·
لقد أزال إسقاط حركة طالبان في أفغانستان أحد خصوم إيران الرئيسيين شرقا، بينما أزاح إسقاط نظام صدام القوة العسكرية الأكبر المنافسة لإيران في منطقة الخليج غربا·
ولا يتوقف الأمر عند سقوط صدام، بل إن معظم العراق الآن في حالة فوضى، مما يوفر الفرصة لإيران للتدخل في الجنوب ذي الغالبية الشيعية في محاولة لإنشاء شكل من أشكال إيرانستان هناك·
وهكذا يواجه الإسرائيليون الذين يخططون لأمن دولتهم مفارقة، ففي حين أنهم يشعرون بالارتياح لإزالة خطر صدام الذي كان عدوا لدودا لهم، إلا أنهم يشعرون بقلق متزايد إزاء احتمالات أن يفتح الغزو الأمريكي للعراق الباب لخطر آخر، وهم يرون أن الشرق الأوسط بدأ ينتقل من المنافسة العسكرية التقليدية الى المنافسة النووية الأخطر بكثير·
ولهذا السبب، أطلق المسؤولون الإسرائيليون التهديدات على مدى الأشهر القليلة الماضية، باتخاذ "الخطوات الضرورية" على حد تعبير وزير الدفاع شاؤول موفاز، لمنع إيران "مسقط رأسه" من تطوير الأسلحة النووية·
وما وراء التهديد، هناك أمل بقدرة بقية دول العالم على إقناع إيران، بالتهديد والدبلوماسية، بالتخلي عن أجزاء من برنامجها النووي تتعلق بإنتاج السلاح، لكن الإسرائيليين يشتكون من فشلهم في إقناع واشنطن المشغولة في الانتخابات وروسيا الغارقة في الصراعات وأوروبا المنقسمة على ذاتها، بعمل الكثير حيال الخطر الإيراني سوى الإعراب عن قلقها من هذا الخطر·
ورقة شهاب
ويعتبر برنامج إيران النووي الذي يكرر قادتها أنه لأغراض سلمية، أوسع وأكثر تقدما من المفاعل النووي العراقي الذي قصفته إسرائيل عام 1981، ويوضح المسؤولون الإسرائيليون أنهم لا يرغبون بالتعامل - منفردين - في مواجهة إيران·
ولكن لدى إيران المزيد من الأوراق التي يمكن أن تلعبها في المنطقة، فوفقا للجيش الإسرائيلي، فإن لطهران تأثير كبير على حركة "حماس" وعلى "حزب الله" فضلا عن تأثيرها على الفصائل الشيعية في العراق، وكان الأمريكيون اتهموا إيران بالتحريض ضد القوات الأمريكية في العراق·
وربما كانت أهم أوراقها الآن، هي صواريخ "شهاب" المتطورة والتي يمكنها الوصول الى ضواحي تل أبيب·
ولا يعترف القادة الإيرانيون بالسعي لامتلاك الأسلحة النووية، ولكنهم يقومون ببناء المفاعلات وهناك مبرر منطقي لسعيهم لامتلاك القنبلة النووية، حيث إن جارتيهما باكستان والهند تمتلكان هذا السلاح ويفترض أن إسرائيل تمتلكه أيضا، كما أن القوات الأمريكية أصبحت منتشرة على حدودهم الشرقية والغربية·
ويرى رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي يوفال ستينتز أن إيران تشكل خطرا واضحا على الغرب بأكمله لأنها تعمل على إنتاج الصواريخ العابرة للقارات التي يمكن أن تهدد أمن أوروبا والناتو، ويضيف أن "برنامج إيران النووي طموح جدا بحيث يمكنهم بعد الحصول على القنبلة الأولى، إنتاج عشرين قنبلة سنويا، والأمر يعود الى الأوروبيين والأمريكيين لحل المعضلة الإيرانية وليس على إسرائيل "الدولة الصغيرة"·
ويعبر مسؤولون إسرائيليون سياسيون وعسكريون وآخرون في أجهزة الاستخبارات لا يرغبون في ذكر أسمائهم، عن مخاوف مماثلة، وتضغط إسرائيل على الولايات المتحدة منذ فترة طويلة للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني·
ويقول جيرالد شتاينبرغ من جامعة بارايلان الإسرائيلية أنه "إذا امتلكت إيران الأسلحة النووية، فسوف نكون أمام شرق أوسط جديد وسوف يقود ذلك الى المزيد من سياسة حافة الهاوية والتوتر مع وجود خطر كبير على وجود إسرائيل وضغوط كبيرة على دول مثل مصر والسعودية وسورية من أجل تطوير أسلحتها النووية"·
ويعتقد الباحث في الشؤون العراقية أماتزيا بارام أن إسرائيل والمنطقة اصبحتا الآن أكثر أمنا مع غياب صدام، ولكن مشاعر الفرح التي غمرت الإسرائيليين عقب سقوط نظام صدام تلاشت وحل محلها القلق عن احتمال فشل الأمريكيين في العراق·
ويقول بارام الذي يعمل أستاذا للتاريخ في جامعة حيفا "حتى الآن، وما دام الجيش الأمريكي في العراق فالوضع على ما يرام وإن كان غير مستتب تماما، وفي أفضل الأحوال، ستؤول الأوضاع فيه الى الاستقرار، وهو أمر يعد مكسبا لإسرائيل، ولكن السيناريو الأسوأ هو أن يقرر الأمريكيون سحب قواتهم وهذا سوف يعني، أنه لا توجد سلطة مركزية وسيادة الفوضى وتصبح مناطق غرب العراق مشاعا كما كانت عليه الأوضاع في أفغانستان·
وسوف تصبح إيران لاعبا أساسيا في جنوب العراق، ومن ثم يواجه الأردن المزيد من الأخطار ويتنامى الإرهاب في العالم"، ويضيف أن الوضع في العراق "مفتوح على كل الاحتمالات والأخطار كبيرة جدا"·
مكاسب قصيرة المدى
لقد بدأ طموح إيران بامتلاك السلاح النووي في عهد الشاه محمد رضا بهلوي في السبعينيات من القرن الماضي، في الوقت الذي كانت تسعى فيه الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا الى بناء مفاعلات هناك وحين كانت إيران وإسرائيل حليفتين ضد العالم العربي، ولكن إطاحة الشاة على يد الثورة الإسلامية عام 1979 غير الشرق الأوسط·
وبعد سنوات عدة، كانت إسرائيل تراقب بارتياح اندلاع الحرب الإيرانية - العراقية التي أضعفت البلدين لسنوات طويلة بعد ذلك، ولكن كلا النظامين صمدا واستمر العداء بينهما·
ويقول مايكل أورين المؤرخ والباحث في مركز شاليم بمدينة القدس إن إسرائيل حققت مكاسب كبيرة من إسقاط صدام في المدى القصير، فلم يكتف صدام بتقديم المساعدات لعائلات ضحايا الانتفاضة الفلسطينية والتعهد بمحو إسرائيل عن الخريطة فحسب، بل إن جيشه هائل العدد ظل يمثل شبحا بالنسبة لإسرائيل التي لا تزال تذكر نصرة الجيش العراقي للجيوش السورية والأردنية في الحروب السابقة، ويضيف أورين أن "الجيش العراقي كان يمثل كابوسا وانتهى الى غير رجعة بالنسبة لنا"·
ويستدرك أورين أن الوضع على المدى الطويل في العراق "يشوبه الاضطراب والمخاطر وربما يتحول الى وضع كارثي"·
وحتى إذا نجح الأمريكيون في "دمقرطة" العراق فإنه سينتهي الى أن تحكم الغالبية الشيعية العراق و"قد يجعل العراق يرتبط بتحالف سريع مع إيران التي تمتلك السلاح النووي، مما يسبب الفوضى ورفع سقف توقعات الشيعة في كل أرجاء الخليج"، ويتصور أورين ظهور حزام شيعي من الخليج الى جنوب لبنان ينظم صفوفه ضد الولايات المتحدة وإسرائيل "وهذا أمر مخيف، لأن مبرر وجود النظام الإيراني هو تصدير الحرب المقدسة"·
ويضيف أورين أن "هناك مخاوف حقيقية من أنه إذا انسحب الأمريكيون من العراق في وقت مبكر، فإن الرسالة الأولية التي مفادها أن الغرب يتصدى للإرهاب لن تضيع فحسب، بل ستحل محلها رسالة أخرى" أنك إذا قاتلت الأمريكيين والغربيين لفترة طويلة فسوف يتراجعون، إذن لا تتوقفوا عن محاربتهم"·
مشكلة عالمية
ويرى كبير الباحثين في مركز دراسات الأمن القومي في جامعة حيفا دان شوفتان أن الوضع في العراق يسبب قلقا عميقا، ولكنه لم يصل الى حد الأزمة بعد سقوط صدام حسين كان مكسبا واضحا لإسرائيل إضافة الى إيران، فغياب احتمال أن يضطر الجيش الإسرائيلي لخوض حرب برية واسعة، أتاح له الآن البدء بإجراء تغييرات كبيرة مثل خفض عدوه واكتساب التكنولوجيا المتقدمة مثل الأسلحة ذات الدقة العالية والطائرات من دون طيار والدفاعات المضادة للصواريخ التي سوف تساعد في ردع إيران·
ويقول شوفتان إن إيران تشكل مشكلة عالمية تعترف بها الآن كل من الولايات المتحدة وأوروبا التي أصبحت في مرمى الصواريخ الإيرانية "فنحن الآن لا نشعر أننا في مواجهة وجها لوجه مع إيران بمفردنا كما كان عليه الوضع مع العراق في الثمانينات"·
لكنه يبدي قلقه إزاء برنامج إيران النووي وما يمكن لهذه الدولة أن تمارسه من نفوذ في المنطقة، فامتلاك إيران السلاح النووي سيشجع سورية وحزب الله على الشعور بأن لديهما حماية من المظلة النووية الإيرانية، وسوف تواجه مصر والدول العربية الأخرى ضغوطا من أجل تطوير أسلحتها النووية، ومصر تواجه ضغوطا بالفعل من الأصوليين "وأي تغيير هناك سينسحب على المنطقة بأسرها"·
ولكن بارام يعتقد أن النظام الإيراني ليس محصنا في الداخل ويصعب التنبؤ بتحركاته كما كان عليه النظام السوفييتي إبان الحرب الباردة، "ويمكنني أن أتصور قيام قائد إيراني بضرب إسرائيل بالقنبلة النووية لدوافع أيديولوجية"·
وسوف يكون هناك شكل من أشكال الردع بين إسرائيل وإيران ولكنه يخشى أن يتحول الى ردع ينطوي على التدمير المتبادل "المدمر للطرفين بمعنى أن يهاجم كل منهما الآخر بالسلاح النووي، ولكن كل شيء هنا مرتبط بالحماقة في منطقة لا تنقصها مثل هذه الحماقة، أنها مشكلة كبيرة وترتبط بمسألة الوجود من أساسها"·
" عن نيويورك تايمز "
----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com