· أبو الحسن: السياسة الثقافية في الكويت تعبير عن الهوية العربية
· د. العسكري: قوة ثقافتنا العربية في وحدتها المتنوعة
· د. سعاد الصباح: أعاد المغرب العربي الى المشرق صورا من العطاء الثقافي
· د. الإبراهيمي: لماذا نعرف عنكم أكثر مما تعرفون عن مغربنا؟!
أكد وزير الإعلام محمد أبو الحسن على أهمية إقامة الحوار بين مشرق الوطن العربي ومغربه، ومد جسور التواصل بينهما لإثراء الثقافة العربية والقبول بتنوعها·
وأشار أبو الحسن في كلمته التي افتتح بها فعاليات ندوة "حوار المشارقة والمغاربة "الوحدة في التنوع" التي نظمتها مجلة "العربي" الى دور الكويت الحاضنة لنماذج بشرية متعددة في القبول بالآخر وتمكينه من التفاعل الحقيقي منذ بداية نهضتها الحديثة·
وقال في ذلك: فالعمران - ودعوني أستعير هذا التعبير من شيخنا الجليل ابن خلدون الذي تشهده الأرض الكويتية الطيبة من منشآت وطرق وجسور ومؤسسات شاهقة، يوازيه عمران آخر في نفوس البشر على اختلاف مشاربهم، فقد وجد الجميع على هذه الأرض مرفأ للأمان وواحة للسكينة، والأهم من ذلك أنهم أوجدوا فيما بينهم نوعا من الحوار الراقي والقدرة الإيجابية على التعايش·
ولا عجب في ذلك، فالكويت عاشت - وما زالت تعيش - في ظل تجربة من الديمقراطية نابعة من أرضها، وهي تؤمن بأن الحقيقة رغم وحدتها، إلا أن الآراء حولها متعددة، وأن الرأي الواحد لا يستقيم إلا إذا قابله رأي آخر، وقد عاش مجتمعها تحت ظروف الشظف قديما متكافلا متراحما، وتعلم أهلها عبر سنوات الجفاف الطويلة، ومن رحلات البحر الصعبة، ومن فهم عميق للطبيعة البشرية أهمية التحاور والقدرة على فهم الآخر، والانفتاح عليه·
من هنا تنبع أهمية ندوتكم، فهي تقيم حوارا على أرض الحوار، وتمد جسورا من التواصل تمتد من حافة المشرق العربي الى أقصى المغرب العربي، وتجمع نفوسا ووجوها عزيزة على القلب من كتاب أمتنا العربية ومفكريها وباحثيها، يتشاركون جميعا في أنهم يحملون أمانة الكلمة، ويساهمون في إثراء الثقافة العربية مع الحرص على تنوعها·
ثم انتقل أبو الحسن الى الحديث عن دور الكويت السياسي وسياستها الإعلامية المنسجمة مع طموحات الوطن العربي "الكويت، وهي تحدد سياستها الإعلامية لا تجد لها موضعا إلا في إطار العمل العربي المشترك، فهي لا تريد أن تكون صوتا منفردا رغم سعيها للتميز، ولا تريد أن تخرج عن الصورة العربية الجماعية بالرغم من احتفاظها بتراثها وواقعها المحلي، من أجل ذلك، سعت الكويت دوما لدعم العمل الإعلامي العربي، ولم تتأخر عن أي نشاط من أنشطته، وينطبق الأمر نفسه على السياسة الثقافية لدولة الكويت، فقد آمنت دوما أن الثقافة تمثل ضمير الأمة العربية، وهي البوتقة التي يمكن أن تنصهر فيها مشاعرها وآمالها من دون عوائق أو حساسيات، فالإسلام هو العنصر الأول في ثقافتنا، واللغة العربية - التي هي لغة القرآن - هي أداتنا للتعبير، لذلك فإن العوامل الثقافية قادرة على توحيدنا أكثر من أي عامل آخر، ووفق هذا المنطلق، قامت الكويت - ولا تزال - بدورها الثقافي في العالم العربي"·
ثم ختم أبو الحسن كلمته بالإشارة الى المؤسسات الثقافية في "الكويت وخدمتها للهوية العربية": "كل هذا ليس إلا تعبيرا عن الوجه العربي للسياسة الثقافية في دولة الكويت، وهي لا تقوم بذلك من أجل منطلق براغماتي يعتمد على المنفعة الخاصة، ولكنها تفعل ذلك كجزء من التعبير عن هويتها العربية، وهو أمر لا يخص الحاضر فقط، وإنما هو جزء من استراتيجية قديمة وضعها آباء الفكر القومي في الكويت منذ سنوات طويلة، وصارت خطة عمل معتمدة منذ ذلك الحين·
دعوة لتجديد الثقافة
بدأ د· سليمان العسكري رئيس تحرير "العربي" كلمته بعناوين القضايا الثقافية التي طرحتها المجلة في ندواتها السابقة كالنشر الإلكتروني وثقافة الطفل وأدب الرحلات من وجهة نظر عربية، ثم يشير العسكري الى موضوع الندوة المقامة وأهميته كجسر للتواصل بين دول المشرق والمغرب العربي والذي تهدف له مجلة "العربي" منذ بدء تأسيسها "كانت غاية "العربي" منذ أعدادها الأولى أن تكون صلة وصل، وجسر تلاق بين مشرق العالم العربي ومغربه، وبين شماله وجنوبه، وكانت دائما - وآمل أن تظل كذلك - بمنزلة السفير فوق العادة، الذي يتجاوز الحدود الجغرافية بأبعادها السياسية، ويعلو على الخلافات اللحظية، ومن يتصفح منكم عددها الأول الذي صدر في الأول من ديسمبر عام 1958، فسوف يجد أنها قد نشرت ثلاثة استطلاعات مصورة، أحدها عن البحرين، وهي أقصى نقطة في الشرق العربي، وثانيها عن تمور العراق الجار الأبدي، وثالثها عن ثورة الجزائر المجيدة التي كانت في ذلك الوقت في أوج اشتعالها، للتخلص من نير الاستعمار الفرنسي، وظل هذا دأب العربي على امتداد ما يقارب نصف قرن من عمرها، تجمع على صفحاتها البلدان والأشخاص والأفكار والإبداعات من أقصى الشرق العربي حتى أقصى مغربه·
وأضاف "كما تمثل ندوتنا لهذا العام الدرجة نفسها من الأهمية بالنسبة لواقع الثقافة العربية، ففي هذه الأيام تهدد رياح العولمة كل الهويات الوطنية المهتزة وتوشك أن تمحوها أو تهمشها، والثقافة العربية مثل الكثير من الثقافات العتيقة مهددة بهذا التحدي، فهي لا تعاني أمراض التخلف التي يعانيها المجتمع العربي، ولا وهن درجة الحرية الممنوحة لها، ولا اختناق عوامل الإبداع والابتكار فيها فحسب، ولكن الخطر الأكبر على هذه الثقافة، هو خضوعها لعوامل الفرقة والتناحر بين عناصرها المختلفة، والسعي من جانب بعض أطرافها لإلغاء الآخر واستبعاده أو حتى تجاهله والتقليل من دوره فيها"·
ثم يتطرق د· العسكري الى التنوع في الثقافة العربية من حيث هي قوة وإثراء "إن قوة الثقافة العربية هي في وحدتها المتنوعة، وفي تنوعها الذي يتدفق كنهر نحو مصب واحد، فقد بزغ نورها من الدين الإسلامي، وانتشرت بانتشاره، فهي لا تخص بلدا بعينه، ولا شعبا بمفرده، ولا جماعة عرقية مهما بلغت درجة أصالتها، وإنما تخص جماع روح هذه الأمة، فهي نتاج الباحثين عن جوهر الحياة، والغواصين في مياه الخليج العربي، وانطلاق القبائل المتعددة الأنساب في الصحراء العربية، وثمار الفلاحين ذوي الحرث والغرس على ضفاف أنهار النيل ودجلة والفرات وبردى، والرعاة الأشداء على جبال الأطلس، وهي تخص أبناء المدن، وبدو الواحات، ومدرسي القرى المعزولة، وتخص أيضا تلك العرقيات المتعددة التي تعيش معنا، والتي تجمعنا معها أواصر الجغرافيا والتاريخ، ووشائج الدين، الأكراد في الشمال والأمازيغ وغيرهم في الغرب، والقبائل الأفريقية في الجنوب·
وهدفنا من هذه الندوة هو مواصلة السير الى الأمام، والتخلص من اجترار ما مضى من سوء الفهم تلافيا للخلاف، أو للتأسف علي ما فات، فالأسف تبديد مروع للطاقة، لا يصلح للبناء فوقه بقدر ما يغري بالغوص فيه، وكل ما يقال عن مركزية الثقافة العربية، وعن الانفصال بين مشرقها ومغربها، وعن العربي والمستعرب، والأصيل والبيسري، كلها مسميات فقدت معناها، وفات أوانها، لأنها من مخلفات الضعف والفرقة والانحطاط، إننا في حاجة الى رؤية تجمعنا معا، الى تضافر كل التيارات الفكرية والسياسية من أجل تجديد هذه الثقافة، وجعلها عصرية موضوعية قائمة على إعمال العقل، وليس على الجهل والخرافة"·
زمن الكلمة
نيابة عن المكرمين في حفل الافتتاح ألقت د· سعاد الصباح كلمة قالت فيها: "في البدء ذهب المشرق الى المغرب حاملا سيف الفتح الإسلامي ولغة الإسلام وكتابه وشأن كل الفتوحات يصمت السيف ويبقى الكتاب، فكيف إذا كان قرآنا كريما باللغة التي صارت في وقتها لغة العالم الجديد الذي راح المسلمون يبنونه بهدي من كتابهم وبحماسة لتشكيل معالم الحضارة الحديثة·
ذهب المشرقيون الى المغرب الذي صار بحضورهم عربيا واعتنق رسالة النبي العربي عليه السلام، مبشرا الدنيا بالميلاد الجديد لعالم جديد، جذوره في دينه، وأحلامه في بناء نهضة غيرت وجه العالم كله، لقد تحول الوجود العربي في المغرب الى قاعدة حضارية زهت على أوروبا وراحت تغذي ثقافتها، كما تنهل منها في تزاوج ثقافي يصح أن يكون نبراسا اليوم، كما بالأمس·
وكان من الطبيعي أن يعيد المغرب العربي الجديد الى مشرقه صورة عطائه الذي ارتكز الى الإسلام دينا وفهما ونهجا، وأن تقوم بين المغرب والمشرق علاقة الحياة الغنية التي أثمرت ما نعرفه من علوم وآداب وفنون، بعضها الموسيقى والشعر الذي نعمنا به وتمتعنا بعطره عقودا من الزمن ولا نزال، ولهذا المغرب العربي ثقافة اختمرت في الذاكرة حتى كانت رحلاتي إليه مزيجا رائعا من طيب الإنسان وطيب الثقافة·
تساؤلات عند المغاربة
وفي كلمة بليغة أثار د· أحمد طالب الإبراهيمي بعضا من التساؤلات حول موضوع الندوة وطرح مجموعة اقتراحات "كأجوبة باسم الأمة لا أجوبة باسم منطقة أو مذهب أو جنس"، وقال: "ونحن في المغرب ما زلنا نذكر زيارة الشيخ محمد عبده للجزائر في بداية القرن العشرين الميلادي وأثرها عــلى اليقظة الإصلاحية في الغرب الإســــلامي، وما زلنا نذكر ما لشكيب أرسلان من أياد بيضاء على الحركات الوطنية في المغرب العربي·
وما زلنا نعترف بجميل دمشق التي احتضنت الأمير عبدالقادر بعد كفاح دام سبعة عشر عاما ضد الاحتلال الفرنسي، والتي رحبت بالشيخ طارق الجزائري كأستاذ لمحمد كرد علي والمجمع العلمي العربي، والتي رحبت بالشيخ بحضر حسين قبل أن يصبح شيخا للأزهر الشريف·
ثم يتساءل الإبراهيمي ويجيب "هناك تساؤل كثيرا ما يتردد على ألسنة المغاربة وآمل أن يجد جوابا من خلال هذه الندوة وهو لماذا يعلم المغاربة عن المشرق أكثر مما يعلم المشارقة عن المغرب؟
وفي تقديري فلهذه الظاهرة سببان أولهما التصور الشائع والمحق بأن المشرق هو منبت الوحي مصدر العروبة وهو القلب السياسي والثقافي الذي يغذي الأطراف ولا يتعذى منها، وإلا كيف نفسر افتقار الأيديولوجية العربية الإسلامية الى مساهمة المغاربة من المعاصرين كمالك بن نبي ومحمد عابد الجابري وعبدالله العروبي وهشام جعيط ومحمد طالب وعلي مراد ومحمد أركون؟
أما السبب الثاني فيكمن في محتوى الكتب المدروسة التي تحضر للمناقشة وتخصص للمختارات الأدبية والفكرية، فنجد في المغرب أن حصة الأسد أعطيت للمشارقة"·
ويختتم كلمته المتميزة بالمطالبة بالنقد الذاتي والعمل على الإصلاح لشروط يقترحها: "أما اليوم وأمام الخطر الذي يهددنا جميعا فنحن في حاجة الى رص الصفوف وتنسيق الجهود وتكامل الإمكانات، وأمام التحديات التي تداهمنا جميعا فنحن بحاجة الى أجوبة باسم الأمة لا أجوبة باسم منطقة أو مذهب أو جنس، خصوصا أن طموحاتنا تقلصت الى درجة أن جيلنا الذي كان يحلم بالوحدة العربية أصبح يخشى على وحدة الكيانات القائمة·
فباسم الأمة يجب أن نقول للغرب وبصوت عال نحن أنصار تعاون بين الدول والشعوب وأنصار حوار بين الحضارات شريطة أن نكون قائمين على المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، كما يجب أن نقول باسم الأمة نحن أنصار سلام شريطة أن يكون قائما على العدل·
ولكن هذا لا يكفي إذ لا يحق أن نلوم غيرنا وننسى أنفسنا: يجب أن نمارس النقد الذاتي ونعالج أمراضنا ونعترف بعيوبنا ونصلح ذاتنا ونبتعد عن الشعارات الرنانة والخطابات الجوفاء·
والإصلاح المنشود سوف يتحقق إذا وفرنا له أربعة شروط:
1 - إعادة الاعتبار للعالم والعلماء والنخب والباحثين بدعم مراكز البحث الجادة في العلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية·
2 - أن ننظر الى بعضنا البعض لا بعيون الآخرين ولكن بالاتصال المباشر خصوصا عبر تأسيس مراكز ثقافية على امتداد العالم الإسلامي حتى نحافظ على التواصل التاريخي القائم ونحتضنه أمام القصف الإعلامي الغربي، ومن المفارقات العجيبة أن نجد الغرب الذي فرقنا بالأمس وما زال، هو الغرب نفسه الذي نعتمده في الحكم على بعضنا البعض·
3 - الشرط الثالث هو السماح للمثقفين في أوطاننا أن يلعبوا دورهم في صنع القرار، حتى لا يلجأ الى الفرار وتكثيف طابور هجرة العقول·
4 - الشرط الرابع هو تمكين المواطنين من ممارسة حقوقهم في المواطنة، حتى لا يلجأوا الى عدم المهادنة، وحتى يعم الأمن والسلم الاجتماعي كضرورة لدفع عملية التنمية وتوفير الأجواء الملائمة لبناء ديمقراطية سليمة"·