
كتب المحرر الثقافي:
على مدى ثلاثة أيام طرح مجموعة الكتاب والنقاد العرب في ندوة "الرواية العربية·· ممكنات السرد" أسئلة مهمة بحثت في بدايات الكتابة الروائية في الوطن العربي واختلاف التأريخ حولها، كما تناولت بعض الأوراق المشاركة إشكاليات الترجمة الى اللغات الأخرى، والخطاب السردي في نماذج من الروايات العربية·
افتتحت الندوة المنعقدة ضمن فعاليات مهرجان القرين الحادي عشر بكلمة للأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدر الرفاعي قرأها نيابة عنه (لدواعي السفر) مدير إدارة الثقافة طالب الرفاعي، تحدث فيها عن اختيار الرواية كمحور للأنشطة "الشعرية هذا العام" "إن اختيار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عالم الرواية العربية، لكي يكون موضوع ندوة مهرجان القرين الثقافي الحادي عشر الأساسي، إنما جاء تعبيرا عن أهمية هذا الجنس الأدبي، وما يشكله من حضور لافت، على مساحة الإبداع العربي والعالمي، وساحة القراءة العربية، خاصة وميزة الرواية على خلق عوالم أدبية فنية شفيفة، عوالم مؤثرة ومتنوعة، قادرة على التقاط وتصوير المشهد العربي، في مختلف تجلياته الإنسانية والفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية·ربما غدت الرواية العربية، بمنزلة المفتاح السحري، الذي يمكن من خلاله الولوج الى عوالم السر الخفية، التي يعيشها الإنسان العربي، في واحدة من أكثر لحظات تاريخه إحباطا وانكسارا وتشتتا ووجعا وحلما"·
آفاق كونية
في بحث "الرواية العربية بين المحلية والعالمية" تحدث د· محمد برادة عن التراث السردي العربي وظهور النقد المصاحب للبدايات وعن دور الترجمة عن الأدب الروائي الأجنبي الى العربية ومن ثم محاولة إيجاد شكل عربي خاص بدأ بالبروز منذ السبعينيات، وقال: "لا يمكن أن نردد بعد، أن العالمية تمر عبر المحلية، لأن شروطا جديدة حوّرت مفهوم الأدب العالمي والرواية العالمية، وربطت إضفاء مشروعية الكونية على النصوص بأواليات معقدة تتصل باستراتيجية الكتابة والنشر والتوزيع والترجمة والجوائز والتسويق، من ثم، فإن مفهوم الرواية الكونية ليس أحادي الدلالة والإحالة، بل هو موضوع صراع، ومنافسة وتشييد· وعليه فإن الرواية الكونية الحاملة لقيم إنسانية جديدة، تجابه رواية تتوسل بالعولمة الربحية وتكنولوجيا التواصل والتسلية"·
وأضاف د· برادة: "إن التطلع الى رواية عالمية ذات قيم كونية ملائمة للسياق الراهن، وقادرة على حماية النزعة الإنسانية الحق، يظل دوما معرضا لمخاطر العولمة الربحية ولمنافسة الرواية "العالمية" المصنوعة وفق الطلب التجاري· ومن ثم فإن استغلال الرواية أساس لأنه يحميها من الخضوع لمنطق السوق الربحي وللتبعية السياسية، والاستقلال هو الذي يمكنها من استيحاء الأشكال والمضامين التي بلورتها روائع تمردت على المنوالية والمواضعات والأسيجة الأيديولوجية· وفي نهاية التحليل يتبدى أن الاستقلال النسبي للروائي والرواية مرتبطة بالقراء الواعين وبالسياسات الثقافية التي تتغيا حماية الإنسان قبل دعم الاستثمار التجاري للأدب"·
شروط الكونية
وفي تعقيب على ورقة د· محمد برادة قال نبيل سليمان من جانب ورقته المشاركة: "ها هو محمد برادة يؤكد ارتقاء الرواية العربية الى المستوى الكوني بغير شروط ارتقاء الرواية الأوروبية الى هذا المستوى، فالرواية العربية غدت خلال قرن "محفلا للخطاب المتميز الملتقط لذبذبات التغيرات ولحدة التوترات النفسية والاجتماعية"· والباحث يشترط للكونية هذا الالتقاط، بينما توافرت للرواية الأوروبية شروط ارتقاء أخرى لم تتوافر للرواية العربية، كما مر بنا· والسبيل إذن ليست واحدة الى الكونية، ولقد تقرى محمد برادة سبيل الرواية العربية بما عرف به من مكنة الحوار وثراء الأفكار وعمق الثقافة ودقة النظر والتماعة الفنان وقلقه وشجنه، ولذلك كانت لبحثه كما أسلفت غوايته وتفخيخه· وما أخشاه أن التحوط الذي ذكرت لم ينفع إزاء رحابة بساط البحث وتعدد الأفكار وكثافتها وتعالقاتها· فالى كل ما تقدم هو ذا ما ساقه الباحث في الشكل بعامة، والشكل الروائي العربي بخاصة، كرافعة للكونية، إذ الشكل ليس العنصر الحاسم في تقويم الرواية، على أهميته، وإذ لا يفصل الشكل التراثي الرواية العربية عن أفقها الكوني، بل يحمل إليها عناصر إضافية، ويسهم في إزالة الحواجز المصطنعة بين شكل تراثي أصيل وآخر عالمي مستورد، وإذ تبدو الدعوة الى شكل روائي عربي بدعوى الأصالة، دعوة تخدم الأصولية، وتبطل مثل الدعوة الى رواية إسلامية - وأضيف: الى أدب إسلامي أو نقد أدبي إسلامي أو ديني بعامة، وما هو أكبر أهمية هنا أن الشكل ليس محايدا، لأنه يتدخل في ترتيب فوضى العالم وتنظيم السرد وعلائق الشخوص وتوجيه الرؤية الى العالم، وتبدو هنا متابعة الباحث لإدوارد سعيد وأقرانه في القول بترحال الأشكال وهجرة النظريات، فأشكال الأجناس الأدبية لا تتقيد بالوسط الثقافي الذي ظهرت فيه، لأنها منفتحة، متفاعلة مع الثقافات الأخرى، ولا تنفك تتلقى من مبدعي العالم إضافات وتعديلات وتحويرات، وهذا ما يؤيده تاريخ الرواية الكونية·
وكما يليق بالنقد - إذ يكون فاعلية ومعرفة مشاكسة بصراحة، بحسب إدوارد سعيد، وهو ما توخيته هنا - جاء اختلاف الباحث مع فيصل دراج في شروط إنتاج الرواية العربية ودعواه بإخفاقها الاجتماعي، وجاءت كذلك انتقادات الباحث للروائيين العرب في مسألة وعيهم النظري، وفي إدراك الأبعاد السوسيولوجية والفلسفية للشكل الروائي، وفي تشبث بعضهم بطريقة معينة في الشكل والكتابة، ولقد دأبت على التعبير عن ذلك برثاء من يأسره نجاحه الأسلوبي، فلا يغامر في الفكاك من الأسر، ولا يجرب في جديد فجديد، فتتكلس كتابته وتصدأ أو تتعفن، مهما يتوافر لها من احتفاء السوق والنقد والقراءة"·
في الخطاب السردي
د. مرسل العجمي تحدث في بحثه "تجليات الخطاب السردي" عن العلاقة بين الواقع الحكائي والمتخيل الخطابي، وأنماط العنونة والصوت السردي، وفي أحد أنماط العنونة في الروايات المحلية قال العجمي: "نمط العنوان العرضي·· وفي هذا النمط يأتي العنوان عرضيا لأنه لا يعتمد على تأويل القارئ في تأسيس دلالته، وليس له علاقة تكوينية بالمتن الروائي، إنما جيء به بصورة عرضية وتعد عناوين روايات حمد الحمد النموذج الممتاز لهذا النمط، لقد أصدر المؤلف أربع روايات عنونها على النحو التالي: "زمن البوح" و"مساحات الصمت" و"الأرجوحة" و"مساءات وردية"، وعلى الرغم من إيحائية هذه العناوين، فإن القارئ يفاجأ بعد أن يقرأ الروايات، بأن توقعاته - فيما يتعلق بدلالات العناوين - قد أحبطت بصورة شديدة، فرواية "زمن البوح" ترصد الواقع الصحافي في الكويت بغية الوقوف أمام التيارات الفكرية السائدة، ومناقشتها عن طريق حوارات متبادلة وعلاقات متناقضة بين صحافي وصحافية، وتخلو الرواية من "بوح" فكري أو عاطفي أو نفسي، أما "مساحات الصمت" فلا ترصد صمتا وإنما تتمحور حول صخب شديد وإن كان مكتوما· و"الأرجوحة" ليس لها علاقة دلالية أو سردية في الرواية التي تحمل ذلك العنوان· و"مساءات وردية" ترصد لنا حياة عدد من المساجين وهم يقضون أيامهم في السجن، وأحسب أن "مساءات" السجن أبعد ما تكون عن "الوردية"· إن هذا الإحباط الشديد لتوقعات القارئ التي يثيرها العنوان ثم يبددها المتن، هو ما جعلني أصف هذه العناوين بأنها عرضية، فهي عرضية من حيث عدم اكتمال دلالتها عند القارئ، وهي عرضية حتى عندما يتعلق الأمر باختيارها من جانب المؤلف، لأن تلك العناوين كلها جاءت من عناوين فرعية لأحد الفصول الداخلية، وقد اختارها المؤلف لتكون عناوين لروايته، ويظهر هذا الاختيار تأثر المؤلف بتجربته في كتابة القصة القصيرة، على الأقل عنونة المجموعات القصصية القصيرة"·
تألق نظري
على روايات باهتة
وفي التعقيب على الورقة قال د· صلاح صالح: "في القسم الثاني المخصص للبحث في عتبة النص وأنماط العنونة، يعرض الباحث تفاصيل شديدة الثراء لكل ما يمكن أن يتعلق بعنوان الرواية، وتوزعه بين القصدية والدلالة، وما يتفرع عن كل منهما من قضايا، كعلاقة القصدية بعملية الوسم، ونية المؤلف، وتشكيل أفق توقع القارئ، وعلاقة الدلالة برسم العنوان ومعناه الحرفي واندراجه في السياق الثقافي العام، وما الى ذلك·· وفي هذا الصدد، أعترف سلفا بمحدودية التساؤلات التي استطعت استنباتها وطرحها على هذا القسم من البحث، فأنا أوافق الباحث في استعمال تعبير عتبة النص الدالة على العنوان، وأتفق معه أيضا في قيمة العنوان بوصفه جزءا لا يجوز فصله إطلاقا عن العمل الروائي، وبوصفه أيضا من أكثر عبارات الرواية اكتظاظا بالدلالة، في حال تشكل العنوان من عبارة، لا من كلمة مفردة، ومع ذلك يستحسن الالتفات الى بعض الجوانب المتعلقة بقضية العنونة، حسبما وردت في البحث، وفي طليعتها أن هذا الثراء المدهش في الشغل النظري، والإسراف في ملاحقة أدق التفاصيل وأدناها شأنا، يبدو فضفاضا بصورة لافتة، على واقع عمليات العنونة في الإنتاج الروائي العربي عموما، لا الكويتي فقط، ويبدو أنه يقول كثيرا من العناوين، ومن آليات إنتاجها، ما تعجز موضوعيا عن قوله، مع معرفتي بأن ما أذكره بهذا الصدد، يمكن انطباقه على قسط كبير من النقد الذي يشتغل على نصوص فقيرة، غير جديرة بالشغل، إذ يبدو الشغل النظري متزلقا للغاية، ويسعى الى بث شيء من ألقه في نصوص تظل باهتة مهما شحنت بالطاقة والضوء، إن هذا النمط من النصوص مثل الرماد الذي تفشل عمليات نفخه في جعله يتوهج كالجمر·
فالعنوان يمكن أن يكون مجرد علامة، لا ترمي إلا الى وسم عمل روائي ما، بعد أن اتخذ وجودا ماديا، واكتسب حيزا في الزمان والمكان، ويمكن بالتالي أن يكون اختياره محكوما بشيء من "الاعتباطية" بوصفه مجرد "علامة" شأنه في ذلك شأن أي علامة لغوية أخرى·
متى بدأ الفن
الروائي العربي؟
ونيابة عن د· جابر عصفور قدم د. واسيني الأعرج عرضا وقراءة بعنوان "ابتداء زمن الرواية" ويقول في عرضه: "إن الرواية لم تظهر في بدايات القرن العشرين (1913) كما نصت على ذلك الممارسات النقدية الانتقائية والأخلاقية والتي أعادت إنتاج المقولات الاستعمارية عن وعي أو غير وعي ولكنها ثمرة منتصف القرن التاسع عشر الذي لعبت فيه المثاقفة دورا كبيرا في لقاء تاريخي بين ثقافة استعمارية متقدمة وأشكال أدبية نفضت من على ظهرها ثقل النوع المقامي لتدخل في دائرة الخلق والتعبير عن طبقة متنورة صاعدة وواعية بدورها التاريخي في مدينة كوسموبوليتية هي في طور التكوين والترسخ"·
ويعلق د· الأعرج على ذلك بقوله: "يطرح مفهوم الإحياء مشكلة مبدئية في المصطلح نفسه، في الشعر، المعضلة أقل تعقيدا إذ تعني النزعة الإحيائية العودة الى نموذج شعري عربي متعال على كل الأشكال والنسخ على منواله مع أخذ العصر وضروراته القسرية بعين الاعتبار، بمعنى أن الإحياء يفترض تراكما مسبقا، وهو ههنا غائب تماما لأن جنس الرواية مفقود تماما؟ فهل شكلت التجربة المقامية مع المويلحي والشدياق ديمومة حقيقية أم ظلت مجموعة من الممارسات المحدودة في الزمان قبل أن يفرض النموذج الغربي نفسه بشكل نهائي وكاسح؟
تعليق: الشعر بدوره خاض حروبا كبيرة من حيث هو فعل للحرية مناقض للمتسيد والمستبد من الشعر الوثوقي الكلاسيكي والكامل في الوعي التقليدي، صحيح أن نوع الرواية قادر على ضم كل شيء الى عمقه وإدراجه ضمن بنيته لكن الأمر هنا لا يتعلق فقط بالنوع بشكل مستقل ولكن النوع من حيث هو فعل للحرية والمغايرة وهو ما حدث مع القصيدة الحرة التي رفضت في البداية وأدرجت القصيدة النثرية؟ ضمن Sous-genre ولم يعترف بها، أي بحريتها التي تخدش الثابت·
ويضيف "تحديد هذه الحقبة نفسها كبداية للنشوء الروائي إلا بضع الفرضيات التي حاول الدكتور جابر عصفور بناءها، في مأزق الانتساب والتأثر؟ أي لماذا لم تحدث كل هذه التغيرات قبل ذلك؟ ألا يمكن انطلاقا من التعريف الذي انطلق منه للرواية وللفن أن ندفع بالسؤال عميقا نحو التراث السردي العربي الذي تتوفر فيه تعريفات الرواية أكثر مما تتوفر في النصوص التي اعتبرت فجرا للرواية العربية؟ ألا يمكن الحديث عن نموذج سردي عربي كان بصدد الميلاد فكسرت النهضة صيرورته واحتوت متخيله السحري لتربطه وبشكل قسري مع متخيل عاقل ممزوج بعقلانية ديكارتية قد لا تستقيم مع سيولة نص سردي لا يعترف كثيرا بالوقفات والنقاط والفواصل وبسردية متشظية لا يحميها ميزان سوى ميزان الحرية السردية التي لا معنى لها إلا داخل نظامها لتطل علينا شهرزاد كساردة كاملة لفعل أنشأته داخل الليالي الألف في مجتمع لم تكن فيه المدينة العربية كنظام أقل من مدينة اليوم التي نشأت فيها الرواية المصاحبة للطبقة الوسطى"·
المجاورة والمحاكاة
أثارت د. يمنى العيد في تعقيبها نقاطا عدة حول البدايات والتأثر بالفن الوافد الغربي "يبدو الانقسام، في هذا البحث، مفهوما ملازما لمفهوم آخر هو المجاورة، ذلك أن الانقسام يفضي الى خلق مناطق من التماس "تتداخل فيها الحدود والملامح والسمات"، بحيث تبدو حركة التغير الحداثي حركة لائبة، مؤرقة، فلا هي شرقية ولا هي غربية، ولا هي مفضية "الي تحولات جدلية يذوب فيها الاستقطاب"، بل هي حركة قائمة على المجاورة بين الأضداد: الشرقي والغربي، القديم والحديث، الموروث والوافد·· "خصوصا في مناطق التلامس التي تتحول الى تداخل مع اندفاع الحركة"·
لا يغيب التنظير الماركسي، كما نلاحظ، عن بحث د· جابر عصفور، فهو، شأن المنظرين الماركسيين، المؤسسين لنظرية الرواية، يربط نشأة الرواية بالطبقة الوسطى ويربط تكون هذه الطبقة بانتقال المدينة الى حداثتها، يميل الى الأخذ بمرتكزات علم اجتماع الرواية، يذكرنا بلوكاش الذي قوم الرواية بالموقف الفكري فيها، وربما أحال على البنيوية التكوينية، على غولدمن، إذ يعتبر أن الوعي في الرواية يجسد وعي الطبقة· لكن تنظير د· جابر يبقى لدى التدقيق، وبالرغم مما يشي به من تأثر بالماركسية، ومن حيث هي مرتكز نظري أساسي وعام يمكن الإفادة منه، يبقى متجاوزا لها، مختلفا في تناوله لموضوعه عن تطبيقاتها الكلاسيكية"·
وتضيف د· يمنى العيد في ختام تعقيبها "لكن السؤال الإشكالي يبرز من جديد إذ نعود الى تنظير الباحث وبحثه، وبالتحديد الى الفكرة الأساس في هذا البحث، أو الى ما ركز عليه الباحث في بحثه: علاقة التجاوز في مناطق التلامس، والحركة الدافعة المحلية على فكرة أو منظور فكري نهضوي هو دينامية التكوين للخطاب، دينامية لا ترفض الوافد بل تشترط إعادة صياغته·
فهل قام مؤلف "غابة الحق" بإعادة الصياغة حين استعار ما استعار؟
هل غالى د· جابر الباحث والمفكر المستنير، والناقد البارز وصاحب العطاءات الكثيرة والمهمة في ثقافتنا العربية·· في تقويمه "غابة الحق" في دراسته لها، وهل مغالاته هي بسبب إيلائه المنظور الفكري أهمية أولى؟
ربما"·