المسودة
ورقة المسودة لا تخضع لتقسيم المكان وتوزعه، فلا فوق لها ولا تحت، لا يمين ولا يسار، لا وجه ولا قفا، لا مركز ولا هامش، في المسودة ليس هناك فضاء خاص بالكتابة، وهامش "محترم"، ورقة المسودة لا تنقسم الى جهات، في المسودة نكتب طولا وعرضا، أفقيا وعموديا، يمينا ويسارا، ظهرا وقفا، نكتب على السطور، لكن أيضا بينها وخارجها· المسودة فضاء الكتابة "المائلة"، إنها فضاء متعدد الأبعاد، طرس شفاف، كتابة فوق كتابة، إنها كائن جيولوجي، وهي أيضا كائن جنيالوجي، فهي لا تخضع لكرونولوجيا الزمان، المسودة هي الورقة التي تشهد على البدايات المتكررة للنص، إنها ما تفتأ تكتب، وهي تحمل (تحبل) النص منذ ميلاده حتى يصاغ صيغته "النهائية" ليدفن بين دفتي كتاب، وهي تشهد على حياة النص وتطوره، لكن أيضا على تراجعه وعودته الى الوراء، تشهد على الزيادة والإضافة، لكن أيضا على الخدش والحذف، إنها فضاء المحو، فضاء الحضور والغياب، الفضاء الذي يعمل فيه النسيان عمله·
المسودة مجال الظهور والتستر، مجال الإفصاح والإضمار، إنها "تعبير" عن لغة الجسد في تدفقه وتلقائيته، لكنها كذلك فضاء التحفظات والحصر، إنها مجال الشعور واللاشعور، مجال العقل واللاعقل، إنها النص وهو يرعاه صاحبه، النص وهو ما زال في "ملك" الكاتب، النص وهو جزء من صاحبه، النص قبل أن يتحول الى "موضوع"·
عبدالسلام بنعبد العالي