رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 3 ذو القعدة 1425هـ - 15 ديسمبر 2004
العدد 1657

لأنه كان الوحيد القادر على إقناع شعبه بالتسوية..
وفاة عرفات لن تخدم السلام

                                        

 

·      رفض إقامة دولة في الضفة وغزة لأنه كان يتطلع لاستعادة كامل فلسطين

 

بقلم: بني موريس

(أستاذ التاريخ في جامعة بن غوريون)

بالرغم من إكثاره من الحضور، إلا أن ياسر عرفات كان رجلا ذا رؤية، لقد كان من الصعب أن تحصل منه على جواب واضح عن أي سؤال، حين كان يتحدث باللغة العربية كان يفصح عما يريد، أي "إنهاء الاحتلال"، و"استعادة فلسطين"، وكان سامعوه من العرب في الداخل والخارج يفهمون ماذا يعني·

لقد كان الكثير من الغربيين يعتقد أو يحلو لهم الاعتقاد أو يتظاهرون بالاعتقاد أنه كان يعني الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب عام 1967 وتشكل 22 في المئة فقط من أرض فلسطين التاريخية، لكن هذه المناطق كانت أقل بكثير من طموح ذلك الرجل وحلمه، فلم يكن عرفات يريد بل إنه لم يقبل أبدا بفكرة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة، وكان يعكس - برؤيته تلك - الإرادة العامة لشعبه بدقة، كما فعل طوال حياته بالنسبة للقضايا الرئيسية، وهو الأمر الذي يفسر طول تربعه على الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث ترأس منظمة التحرير الفلسطينية من 1969-2004·

فبالنسبة لجميع الفلسطينيين من أصوليي الجهاد الإسلامي الى معتدلي حركة فتح، فإن المأساة الفلسطينية والاحتلال لم يبدأ عام 1967 أو حتى عام 1917، بل عام 1882 حين وطأت قدما أول مستوطن يهودي على أرض فلسطين·

وإن دولة إسرائيل أقيمت عام 1948 على 78 في المئة من أرض فلسطين وتعرض ثلثا سكانها الى الطرد من ديارهم·

 

عدالة واحدة

 

وحين انطلق ياسر عرفات الذي كان مهندسا شابا لتحقيق العدالة لأبناء شعبه، فكر وتحدث بوضوح وبصورة جازمة عن إعادة الفلسطينيين الى فلسطين وعودة فلسطين الى "أصحابها الشرعيين"، ولا شيء أقل من ذلك، هذا ما ناضل من أجله ياسر عرفات طوال حياته، وكان يراوح في التكتيك والاستراتيجية، لكنه لم يحد عن ذلك الهدف، ومع حلول التسعينات، أدرك أن مزيجا من العمل السياسي والدبلوماسي والضغط الدولي خصوصا من الولايات المتحدة والإرهاب والديموغرافيا، قد يساعده في تحقيق أهدافه ويجعل العرب أغلبية في فلسطين·

ومهما صدّق الغربيون من حيل، فإن عرفات لم يكن ليبراليا يحسب حسابا لآراء ومشاعر الآخرين ويسعى الى حلول من خلال المصالحة والحلول الوسط، ففي نظر عرفات وأبناء شعبه، هناك عدالة واحدة هي العدالة الفلسطينية، إن ما يعتقده الفلسطينيون ويسعون لتحقيقه هو العدالة·

ولهذا السبب أصر عرفات - وفقا لدينيس روس - في كامب ديفيد عام 2000، أمام الرئيس كلينتون بأنه لم يكن هناك أبدا معبد يهودي في القدس، ولذلك يجب أن تكون السيادة في المدينة للعرب فقط·

وفي الواقع، كان عرفات - بذلك - يشير الى نقطة أكثر أهمية، وهي أن كل فلسطين هي حق للفلسطينيين وأن مزاعم اليهود بأي حق لهم فيها هي باطلة وغير مشروعة، ولهذا السبب رفض مقترحات السلام التي عرضها ايهود باراك ومقترحات بيل كلينتون·

فهذا الرفض لا يعود الى أن باراك لم يقبل وجنتي عرفات أو لأن الفلسطينيين يريدون مزيدا من الأرض هنا أو هناك·

لقد رفض عرفات تلك المقترحات لأنه لا يريد أي تسوية لا تتضمن آلية لإلغائها مستقبلا، ثغرة تسمح للفلسطينيين مستقبلا، بإضعاف أساس التسوية القائم على دولتين، وهذه الثغرة تحديدا هي "حق العودة" للاجئين الفلسطينيين الى داخل إسرائيل، إن من شأن مثل هذه العودة أن تؤدي الى القضاء على دولة إسرائيل (ففي إسرائيل الآن خمسة ملايين يهودي مقابل 1,35 مليون فلسطيني، وهناك أربعة ملايين فلسطيني آخرين مسجلين كلاجئين على قوائم الأمم المتحدة)، باختصار، عرفات أراد فلسطين، كل فلسطين، وليس حلا يقوم على أساس 22 في المئة من أرض فلسطين·

 

تنازلات تكتيكية

 

ومع ذلك، أراد عرفات أن يأخذ في اعتباره وجود إسرائيل وقوتها وموافقة المجتمع الدولي لوجود الدولة اليهودية، ولذلك، ففي سبيل تحقيق رؤيته، كان يتعين عليه تقديم تنازلات تكتيكية كنبذ الإرهاب عام 1988 والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود كجزء من اتفاق أوسلو عام 1993·

وفي المجال العسكري، لم يقدم عرفات سوى الإخفاقات (على الرغم من وصفه لنفسه بأنه "الجنرال" الذي لم يهزم أبدا··)، لكنه تلقى الضربات القوية من الملك حسين عام 1970 ومن الجيش الإسرائيلي عام 1982 ومن سورية عام 1983·

ولكن أداؤه كان أفضل قليلا في الانتفاضة الثانية التي بدأت في سبتمبر 2000، حيث ألحقت العمليات الانتحارية خسائر كبيرة في الجانب الإسرائيلي، لكن الجيش وأجهزة الأمن بدأت تتكيف مع الوضع، فتراجعت هذه الهجمات ويختبئ معظم الإرهابيين الآن من الطائرات والصواريخ الإسرائيلية·

وقد حقق عرفات، على الجبهة السياسية إنجازات مذهلة، فقد تمكن عبر عقود من وضع القضية الفلسطينية على رأس الأجندة العالمية وحصل على دعم دولي شبه كامل لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، إذا قارنا ذلك بتجاهل المجتمع الدولي للمشكلة عامي 1948 و1967، فعلى مدى عقدين من رئاسته لمنظمة التحرير، تمكن عرفات من فرض أدواته السياسية وإقامة التحالفات الدولية التي وضعت الفلسطينيين على حافة الدولة، بالرغم من النكسات العسكرية التي مني بها عرفات·

وفي حين فشل عرفات في إقامة الدولة الفلسطينية، إلا أن التأييد كاسح في العالمين العربي والإسلامي لحق الفلسطينيين في تقرير المصير، ويؤيد الأوروبيون هذا الحق، بل إن جورج بوش وأرييل شارون تحدثا عن تأييدهما لقيام الدولة الفلسطينية·

 

مفارقة

 

وبالإضافة الى ذلك، تمكن عرفات من بناء ثورة نظر إليها على نطاق واسع على أنها ثورة الضعيف ضد القوي، وثورة العالم الثالث ضد العالم الأول، وناور مع إسرائيل باستخدام الإرهاب ودفعها الى ارتكاب ممارسات قاتلة ضد المدنيين الفلسطينيين، وهو الأمر الذي أثار شكوكا خطيرة لدى الكثير من الأوروبيين بل وحتى بعض الأمريكيين، حول شرعية وجود إسرائيل، وفي الواقع، يطالب بعض المثقفين الغربيين والإسرائيليين الآن، بتسوية تقدم على أساس دولة واحدة للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وهي الدولة التي سيصبح الفلسطينيون فيها الأغلبية·

ويبدو أن عرفات أعد المجتمع الدولي في السنوات الأخيرة، الى السير في نهج يقود في النهاية الى التراجع عن الموافقة الدولية التاريخية على قيام دولة إسرائيل·

وما من شك في أن وفاة عرفات ستطلق الصراع على خلافته بين الجيل القديم والجديد داخل حركة "فتح" وبين الحركة والأحزاب الأصولية، ولكن ليس من الواضح ما إذا كانت وفاته ستقرب الشرق الأوسط من السلام أم لا·

ولكن غياب عرفات يتركنا أيضا، أمام مفارقة، لأن عرفات كان الفلسطيني الوحيد - بالنظر الى موقعه التاريخي والسياسي - القادر على إقناع الفلسطينيين، أو معظهم، على القبول بالتنازلات الضرورية من أجل الحل القائم على دولتين، ومن ناحية أخرى، فإن من يخلفون عرفات سيكونون أكثر ميلا للقبول بتسوية إقليمية، لكنهم يفتقرون الى الموقع الذي يمكنهم من إجبار أو إقناع الشعب الفلسطيني بقبول التسوية القائمة على دولتين ومكافحة الإرهاب، ولذلك، فإن وفاة عرفات لن تخدم إسرائيل أو قضية السلام بين الشعبين·

 

" عن نيويورك تايمز "

 

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

طباعة  

يوسف درويش..
ستة عقود من الشجاعة والمضي قدماً: معركة ضد الظلم

 
بعد غياب زعيمهم التاريخي..
جيل الشباب الفلسطيني يريد حكم القانون