
· مشكلة الهوية أصبحت عالمية وضاعفت من هذه المشكلة عوامل عدة مثل التطور والعولمة وسرعة الاتصالات
· 86 في المئة من الأمريكيين يؤمنون بوجود الله و66 في المئة منهم يمارسون شعائرهم الدينية
· الأمريكيون متمسكون بمسيحيتهم ولا مكان لـ "فصل الدين عن الدولة" في الدستور
· الهوية الوطنية للأمريكيين تشكلت على أربع مراحل
· التنوع الديني داخل المجتمع الأمريكي لم يربك الهوية المسيحية
· الوافدون الأوروبيون الى أمريكا انصهروا في المجتمع الأمريكي بشكل أكبر من المهاجرين الآسيويين واللاتينيين
· الأمريكيون المسلمون يشكلون تهديدا للنفوذ اليهودي فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط
عرض: سعاد المعجل
قد لا تكون مهمة عرض كتاب دسم ككتاب "صامويل هانتنجتون" الأخير بعنوان "من نحن" مهمة سهلة !! فالكتاب مليء بالتفاصيل المهمة جداً والتي قد لا يوفيها عرض مختصر كهذا حقها·
أهمية الكتاب تعود إلى أمرين·· الأول، أنه بقلم كاتب سبق وأن قدم أطروحات سياسية جدلية وكما حدث في إصدارات سابقة مثل "صراع الحضارات" و"الديمقراطية في نهاية القرن العشرين" و"أثر القيم في تطور البشر" وغيرها من كتب!!
أما الأمر الثاني، فيعود إلى أن هانتنجتون" في كتابه هذا قد حاول أن يجيب على تساؤل الكثير من الأمريكيين بالإضافة إلى غيرهم حول ماهية الهوية الأمريكية وحدودها·
كتاب "من نحن" صادر عن دار "سايمون وشوستر" البريطانية للنشر في 2004، وهو زاخر بالتفاصيل التاريخية والمعاصرة لما يتعلق بالهوية الأمريكية·
يستهل "هانتنجتون" كتابة بعرض تفصيلي لتداعيات الحادي عشر من سبتمبر على المواطن الأمريكي الذي أحيا فيه الحدث روح الانتماء بصورة جعلت 80 % من الأمريكيين يعلقون العلم الأمريكي على أبواب منازلهم ومكاتبهم بل وحتى سياراتهم·· وهو أمر يرى "هانتنجتون" أنه يعكس صحوة المواطن الأمريكي لأهمية الهوية الوطنية التي كانت قد تلاشت في أمريكا بفعل العولمة، والهجرة ومجتمع الثقافات المتعددة!! وبحيث تراجعت الحاجة لتدريس التاريخ القومي أمام تدريس تاريخ الأعراق والطوائف الأخرى··· ولم تعد معها أمريكا في العام 2000 أمة كما كانت في القرن الماضي·· وعلى الرغم من أن نسبة المواليد الأجانب أصبحت أقل بكثير مما كانت عليه في العام 1910، إلا أن نسبة الأمريكيين الموالين لثقافات وأمم أخرى هي اليوم أكثر بكثير من السابق بل إن رموزاً سياسية وفكرية أمريكية بارزة أصبحت تحذر من التركيز على تنمية الحس القومي لدى طلبة المدارس، لكن الحادي عشر من سبتمبر الذي أعاد العلم الأمريكي إلى واجهة مجتمعه أعاد معه السؤال حول طبيعية وحدود الهوية والقومية الأمريكية·
أعمدة الهوية الأمريكية
فالعلم الأمريكي قد يرمز لأمريكا·· لكنه لا يحمل معه معنى لأمريكا وكما هي الحال في الأعلام الأخرى ثلاثية الألوان·· أو العلم البريطاني "اليونيون جاك" أو العلم الباكستاني الأخضر ذي الهلال والنجمة!!
فكل ما يقوله العلم الأمريكي بنجومه وخطوطه أن أمريكا قد قامت على ثلاثة عشرة ولاية·· وهي الأن خمسون ولاية؟! لكن تجمع الولايات تحت اتحاد واحد لايمكن أن يؤمن استمراراً لهوية قومية واحدة··
فالاتحاد السوفييتي انهار وتفكك إلى أمم مختلفة، والمملكة المتحدة أصبحت أقل اتحاداً، فلا يوجد مجتمع خالد وفقاً لمقولة "روسو" الذي يقول بأن انهيار روما واسبرطة يؤكد أن ليس هنالك دولة باقية أبداً·
تاريخياً هنالك أربعة أعمدة للهوية الأمريكية··
سقط منها اثنان: العرق والطائفة·· أما الثقافة الأمريكية فقد أصبحت محاصرة، أما الفكر فهو لن يستطيع وحده أن يوحد أمة، والمثال الروسي خير دليل على ذلك· ويبقى أمام الأمريكيين إذاً أن يعيدوا إحياء شعورهم بالهوية القومية الذي بدا واضحاً في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر·
يرى "هانتنجتون" أن مشكلة الهوية قد باتت مشكلة عالمية··· فاليابان حائرة بين هويتها بناء على موقعها الجغرافي·· وهويتها كدولة صناعية·· وإيران كذلك·· وجنوب أفريقيا بالإضافة إلى تركيا وكندا والجزائر·
وقد ضاعف من حجم هذه المشكلة عوامل أخرى كالتحضر·· والعولمة·· والتطور الاقتصادي والمعلوماتي وسرعة الاتصالات الذي جعل إنسان العصر الحديث يتجاوز بانتمائه حدوده الجغرافية إلى آفاق أخرى تؤمن له انتماء أكثر بفعل روابط اللغة، أو الدين، أو الثقافة··
وبحيث تحولت النخب الثقافية والسياسية عن الترويج للقومية وكما كان الحال في القرن الماضي·· فبعد أن كان الرابط الديني هو المعيار الأول للانتماء القومي من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أصبح مع نهاية القرن العشرين الرابط الفكري هو المعيار الأساسي مع تحول ما يقارب الخمسين دولة إلى النظام الديمقراطي في الربع الأخير من القرن العشرين·
تحديات الهوية
يرى "هانتنجتون" أن الهوية الأمريكية قد واجهت عدة تحديات في نهاية القرن العشرين الأول كان في تحلل الاتحاد السوفييتي واختفاء القطب المقابل للهوية الأمريكية!!
أما الثاني فهو في فكر التعددية الثقافية الذي اكتسح أساس الهوية الأمريكية!! والثالث جاء في أفواج المهاجرين التي بدأت في العالم 1960·
أما رابع التحديات فهو في ذلك التراجع الكبير لعدد الأمريكيين المتحدثين باللغة الإنجليزية مقارنة بأولئك المتحدثين بالإسبانية، يعرف "هانتنجتون" الهوية بكونها وعي الإنسان لنفسه والجماعة لجماعتها، ثم يطرح بعض الأمور المهمة والمتعلقة بمسألة الهوية بشكل عام ومنها:
أولاً: الفرد والمجموعة·· كلاهما بحاجة إلى هوية·
ثانياً: يضع الإنسان وبفعل الظروف المختلفة حدود وشروط هويته·
ثالثاً: يتمتع الأفراد وإلى حد ما المجموعات بهويات ثنائية·
رابعاً: يُعرف الإنسان هويته، ولكن ذلك لايمكن دون التعامل مع الآخرين·
خامساً: للهوية ظروف مكانية، بمعنى أن الإنسان قد يضطر إما إلى إبراز أو إخفاء هويته وانتمائه وفقاً للظروف المواكبة·
أما مصادر الهوية والانتماء فيـرى "هانتنجتون" أنها متعددة قد تكون ثقـافية، أو سياسية أو جغرافية، أو اقتصادية أو اجتماعية·
المكونات
ثم يتناول "هانتنجتون" وبالتفصيل مكونات الهوية الأمريكية·· ويركز خلال ذلك على مسألتين يرى فيهما الكثير من التناقضات والخطأ الجسيم· الأولى تتعلق بدعوى أن أمريكا ما هي سوى أمة من المهاجرين، حيث يعترض بقوله أن أول القادمين إلى أمريكا في القرنين السابع عشر والثامن عشر من الجزر البريطانية قد حملوا معهم تحديداً للهوية الأمريكية آنذاك بناء على ثقافة، وعرق ودين محدد!! وهؤلاء عملوا بعد ذلك على تعريف أمريكا أيديولوجياً في القرن الثامن عشر لتبرير استقلالهم عن الجزر البريطانية وهم وفقاً لـ "هانتنجتون" ليسوا مهاجرين وإنما مستوطنون·· والفرق شاسع بين التعريفين، فالمستوطنون يحملون معهم إرثهم الفكري والثقافي والديني إلى بقعة ما من الأرض، ويخلقون بذلك مجتمعاً جديداً ذا هوية·· بعكس المهاجرين الذين لا يقيمون مجتمعات وإنما فقط يتحولون إليها·
أما الادعاء الثاني الذي يرفضه "هانتنجتون" فهو القول بأن العقيدة الأمريكية "The American Creed" لا تحوي سوى جانباً سياسياً!! حيث يشير إلى أن جوهر الثقافة الأمريكية كان ولايزال وفقاً لما حمله المستوطنون معهم من إرث حضاري، يحوي فيما يحويه الدين المسيحي والقيم البروتستانتية·· وأخلاقيات العمل·· واللغة الإنجليزية·· بالإضافة إلى القانون والعدالة الإنجليزية·· وصلاحيات الحكومة·· وأيضاً الإرث الأوروبي من فنون وفلسفة وأدب وموسيقى·
ومن خلال كل ذلك طور المستوطنون في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ما يعرف بالعقيدة الأمريكية ومبادئها الأساسية كالحرية والمساواة والملكية الخـاصة.. والحكومة المُمثلة·
العقيدة
لقد عرف "هانتنجتون" الأمريكيين بأنهم أولئك الملتزمون بالعقيدة الأمريكية·· الذين استمر ارتباطهم بانجلترا حتى منتصف القرن الثامن عشر لما يتعلق بالعرق والثقافة وخاصة الدين·· وذلك قبل إعلان الاستقلال عن إنجلترا الذي فسره الأمريكيون آنذاك وكما جاء في أدبياتهم كردة فعل أمريكية لتخلي إنجلترا عن مبادئ الحرية والمساواة وكما جاءت في العقيدة الأمريكية، وأيضاً لإحساس الأمريكيين بضرورة أن يكون لهم كأمة مفاهيمهم الخاصة لما يتعلق بتلك المبادئ، وأصبح "The Creed" مصدراً لتعريف الأمركة·· بل وأثر في قرارات الحرب والسلام بالنسبة للعرف الأمريكي·
يرى "هانتنجتون" أن الثقافة الأنجلو بروتستانتية في أمريكا قد شملت المؤسسات السياسية والاجتماعية بالإضافة إلى الإرث الإنجليزي بما فيه اللغة· وقد كان جميع الأمريكيين من البروتستانت في المئتي عام الأولى·· قبل أن تتراجع نسبتهم قليلاً مع قدوم الإيطاليين والبولنديين الذين شكلوا أقليات كاثوليكية· ومع العام 1999 تقول الإحصاءات أن %39 من الأمريكيين هم من الأفانجليكيين" المعاصرين والذين اشتهروا بعدائهم للأورثوذوكس· ومن هنا فإن "هانتنجتون" يرى أن العقيدة الأمريكية The American Creed هي أساساً تنحدر من الثقافة البروتستانتية،ويجادل "هانتنجتون" في المقولة الشائعة بأن أمريكا دولة علمانية لا مكان فيها للدين، ويستند في ذلك إلى معارضة أغلب الأمريكيين لقرار الكونغرس في العام 1954 الداعي لإلغاء الصفة الدينية من قسم الولاء، وهو القرار الذي استهزأ به الرئيس "جورج بوش"·· وصوت على ضرورة إعادة النظر فيه 99 نائباً مقابل لا شيء !!
ويرى "هانتنجتون" أن الأمريكيين كانوا ولايزالون متمسكين بمسيحيتهم، وأن كلمة فصل الكنيسة عن الدولة لا مكان لها في الدستور، وأن الهدف ليس التحرر من الدين·· وإنما إفساح المجال لحرية أكثر للدين·
وفي استفتاء العام 1999 أجاب 86 % من الأمريكيين عن إيمانهم بوجود الله·
وفي العام 2002 2003 -أجاب 66 % من الأمريكيين بأنهم يمارسون الشعائر الدينية، وبذلك فإن الأمريكيين يأتون في مقدمة الدول فيما يتعلق بتدينهم، أما ما يتعلق بعدائهم للكاثوليكية، فإنه يعود إلى حركات التصحيح ضد الكاثوليك، وأيضاً إلى النظرة الإنجليزية للكاثوليكية كمصدر تهديد إبان القرنين السابع عشر والثامن عشر، والذي وصل إلى حد إحراق بعض الكنائس الكاثوليكية في تشارلستون بولاية "ماساتشوستس" في العام 1834، إلى أن تدخل بعض رجال الدين الأمريكيين لإعادة الوفاق بين الأمريكيين والكاثوليكيين·
التنوع الديني
ولا يتصور "هانتنجتون" بأن التنوع الديني داخل المجتمع الأمريكي قد أربك الهوية الأمريكية المسيحية، على الرغم من أنه كثيراً ما يطرح أسئلة لما يتعلق بمكانة تلك الأديان في الهيكل السياسي والاجتماعي الأمريكي·
يرى الكاتب أن هوية الأمريكيين الوطنية قد تشكلت على أربعة مراحل: الأولى، كانت في منتصف القرن الثامن عشر حين كانت الهوية الوطنية والولاء للولاية وليست لأمريكا كلها·· والثانية، كانت مع إعلان الاستقلال الذي ألغى الولاء لبريطانيا، أما الثالثة، فقد تشكلت في الستينات والسبعينات من هذا القرن حين بدأت أفواج المهاجرين بالتدفق على أمريكا· أما الرابعة، فقد فجرتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي أعادت للأمريكيين وعيهم لهويتهم في مقابل الهويات الأخرى التي تعيش في أمريكا·
يرى "هانتنجتون" أن الخليط العرقي والثقافي واللغوي في أمريكا الآن قد أصبح يهدد العقيدة الأمريكية واللغة الإنجليزية وأيضاً جوهر الثقافة الأمريكية، وأن الصراع الأمريكي لمواجهة مثل هذا التهديد قد جعل الأمريكيين هدفاً لأعمال إرهابية·
بين العام 1820 - 1924 قدم إلى أمريكا ما يقارب 34 مليون أوروبي، استطاعوا مع الوقت أن ينصهروا في المجتمع الأمريكي، وبين العام 1965 - 2000 دخل أمريكا ما يقارب 23 مليون مهاجر أغلبهم من أمريكا اللاتينية وآسيا، وهؤلاء لم يحققوا انصهاراً مماثلاً للأفواج السابقة، وأصبحوا مع الوقت يشكلون معضلة تتطلب إعادة نظر في شروط وأهلية الجنسية الأمريكية·
الأجانب في أمريكا
ثم يستعرض "هانتنجتون" جدولاً للعام 1960 يوضح عدد الأجانب ونسبتهم من خمس دول تمتعت آنذاك بأعلى نسبة من القادمين إلى أمريكا، هذه الدول هي إيطاليا، ألمانيا، كندا، المملكة المتحدة وبولندا·
ويقارن هذا الجدول بجدول آخر للعام 2000 حيث تتصدره دول أخرى كالفلبين، الصين، المكسيك، الهند وكوبا·
وينتهي "هانتنجتون" في مقارنته هذه إلى استنتاج واحد، أن استمرار تدفق المهاجرين من المكسيك وغيرها سيعيق عملية الانصهار التي سادت في السابق·· لأن هؤلاء سيؤدون إلى خلق أمريكيتين بهويتين مختلفـــتين على شـــتى النواحي·
يرى الكاتب أن وجود (عدد) أو كيان آخر في الجهة المقابلة أمر مهم لتعزيز الشعور بالهوية وهو ما تعاني منه أمريكا "الآخر" مع غياب الاتحاد السوفييتي، وبالتالي الهوية المقابلة التي كانت أمريكا تقارن بها هويتها الأيديولوجية، بعد أن أسقطت الحرب العالمية الثانية، اليابان التي كانت في مواجهة الهوية الأمريكية العرقية··
لكن "هانتنجتون" ينفي أن يكون ذلك أو أي من العوامل الاقتصادية والمعلوماتية الأخرى قد قلّصت الوطنية عند الأمريكيين، ففي إحصاء العام 1994 أجاب %86 من الأمريكيين بنعم عند سؤالهم عن مدى اعتزازهم بأمريكيتهم، لكن ذلك لا ينفي المخاطر التي تهدد السياسة الأمريكية بسبب تنوعها العرقي، والذي يؤهل بعض المواطنين الأمريكيين لمعارضة المصالح الأمريكية ومن قلب مراكز صناعة القرار فيها، حيث استطاعت أعلام بارزة من الأقليات العرقية التي استوطنت أمريكا أن تحظى بنفوذ كبير داخل الكونغرس الأمريكي، وبالتالي الدفع بمصالح أوطانها الأم، وليس المصالح الأمريكية، وكما هي الحال في حالة العرب الأمريكيين والمسلمين الأمريكيين الذين يشكلون تهديداً للنفوذ اليهودي لما يتعلق بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط·
يرى "هانتنجتون" بأن خطر العدوان الخارجي الذي تواجهه أمريكا، بالإضافة إلى تعاملها مع أعراق وثقافات مختلفة سيعمل على تشكيل الهوية الأمريكية، وبصورة يعود للأمريكيين معها وعيهم لضرورة ترسيخ انتمائهم وثقافتهم الأنجلو - بروتستانتية·
ومع بداية القرن الحالي، بدأت الهوية الأمريكية بالتشكل وفقاً للمعطيات الجديدة·· وعلى رأسها المخاطر الخارجية والصحوة الدينية في المجتمع الأمريكي·
لذلك فإن نهاية القرن العشرين قد شهدت عودة للمبادئ الأساسية في العقيدة الأمريكية "The American Creed" ·· يدعمها عاملان: الأول يتخلص في المخاطر التي أصبحت تهدد الثقافة الأنجلو - بروتستانتية والتي ضاعفت من حاجة الأمريكيين للتمسك بهذه العقيدة لكونها المخلص الوحيد للهوية والإرث التاريخ الأمريكي·
أما العامل الثاني فهو لكون العقيدة الأمريكية قد أصبحت تشكل حجر الزاوية في المقارنة بين الهوية والأيديولوجية الأمريكية·· وبين الأيديولوجيات الأخرى اليابانية، والروسية والألمانية·
قوة عظمى
ويختتم "هانتنجتون" كتابه "من نحن" بأن أمريكا مع بداية القرن الحادي والعشرين قد أصبحت القوة العظمى الوحيدة، لكن ذلك لا يعني أن لاقوة أخرى غيرها·· فهنالك فرنسا، وبريطانيا وألمانيا، والصين، واليابان على المستوى العالمي، وأيضاً البرازيل، والهند، ونيجيريا، وإيران وأندونيسيا وجنوب أفريقيا على المستوى الإقليمي، وأمريكا لن تستطيع أن تحتل دوراً مهماً في العالم دون التعامل مع بعض من هذه القوى، التي تنحدر من ثقافات مختلفة، ولن تقبل أن يأتيها التغيير من الخارج، لذا فإن أمريكا تتقبل تلك الفروقات، فهي لا تستطيع أن تكون هي العالم وفي الوقت نفسه أمريكا، كما أن الآخرين لن يكونوا أمريكيين·· ويبقون كما هم في الوقت ذاته·
أمريكا إذاً تختلف عن الآخرين، وحدود هذا الاختلاف تكمن في دينها وثقافتها الأنجلو بروتستانتية·
كما أن الأمريكيين وإلى حد كبير هم مسيحيون وهذا ما يميزهم عن المجتمعات غير الغربية·
وقد مكّن هذا التدين الأمريكيين من تمييز الخير من الشر أكثر بكثير من غيرهم، لكن الآخرين يجدون في نزعة التدين هذه أمراً غريباً ويستبعدون انعكاساتها على الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأمريكية·
لقد سارت الوطنية مع الدين يداً بيد وعلى امتداد التاريخ الأمريكي، وسواء رغب بعض الأمريكيين في توسعة المجتمع الأمريكي عرقياً، وعقائدياً، أو رغب آخرون في ممارسة دوراً استعمارياً، فإن الغالبية الأمريكية تلتزم بهوية سادت ومنذ قرون· وستبقى أمريكا هي أمريكا سواء كانت متعددة الأجناس، امبريالية، أو وطنية·
فالخيارات التي يرجونها الأمريكيون في حاضرهم·· ستُشكل مستقبلهم كأمة·· ومستقبل العالم من حولهم·