رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 17 ذو القعدة 1425هـ - 29 ديسمبر 2004
العدد 1659

قصيدة الحياة اليومية في الخليج
آدم يوسف: مشردون ورحالة دائمون!

                                                                            

 

حاوره عهدي محمد أحمد:

تحت عنوان "قصدة التفاصيل اليومية في الشعر الخليجي المعاصر" بحث "آدم يوسف منحى جديدا من مناحي الحياة الشعرية في منطقة الخليج لم يتطرق إليه أحد· وتقدم برسالة الى جامعة الكويت اعتمادا على جدة النظر ورغبة في استكشاف ما وراء هذا الشعر الشاب الجديد المنحصر بين الصحافة والمجلات الأدبية·

ستظهر هذه الرسالة في كتاب قريبا، في وقت سيأخذ فيه الباحث في الإعداد لمشروعه الأكبر، رسالة الدكتوراه التي لم يتبلور موضوعها بعد، وإن كان المنطلق الشعري هو الذي سيكون محورا كما نتوقع·

 

* * *

 

·     أولا، لماذا اختيار هذا الموضوع بالذات؟

- بالطبع هناك مجالات كثيرة للبحث، ولكن ما يشغلني بالذات هو التوجهات الجديدة في الكتابة الشعرية لدى عدد من الشبان، وهي توجهات يهمها كليا العالم الأكاديمي· وحين أتيحت لي فرصة تقديم بحث في رسالة جامعية اقتنصت هذه الفرصة· والهدف هو الخروج بهذه النصوص المحصورة في عالم الصحافة والمجلات الأدبية الى النور، وبوساطة البحث الأكاديمي·

 

·     لا أعرف كيف يستقبل الأكاديميون ما تعتبره أوساطهم الغالبة فوضى في مجال الشعر العربي، فبصعوبة اقتنعوا بجيل من الرواد، فمابالك بجيل يرى أنه أكثر جدية وأعماله أبلغ مغزى، السؤال هو لماذا منطقة الخليج العربي تحديدا؟ أعتقد أن قصيدة الحياة اليومية التي شاع معظمها منذ السبعينات تجد شواهدها البارزة في مناطق أخرى مثل لبنان والعراق ومصر·

فلماذا لم تذهب الى حيث الشواهد الدالة أكثر؟

- وقع اختياري على منطقة الخليج لأسباب عدة، أولا لأن هناك من تناول ويتناول شعر المناطق التي ذكرتها، وهناك أطروحات تتخذ هذه النماذج موضوعا لها، وهناك من يتبنى أصحاب هذه القصيدة، إلا أن الشاعر الشاب في الخليج يكاد يكون مهمشا نقديا· لا يقرأ ولا يدرس ولا يتم تقديمه، ومعظم من تناولت أشعاره لا يتجاوز ما لديهم المجموعة أو المجموعتين·

ثانيا، حصر ميدان البحث في منطقة الخليج يجعله أكثر سهولة، لأن عدد النماذج المدروسة قليل· ولو قدمت بحثا في قصيدة التفاصيل اليومية، في مصر أو لبنان مثلا لوجدت عددا كبيرا من الشعراء وتنوعا في توجهات هذه القصيدة· ثالثا تمنحني المساحة المحددة أو الضيقة إمكانية التحرك وإيضاح ملامح القصيدة في الخليج بشكل أدق·

 

بين المدينة والصحراء

 

·     أي الأسماء تناولت؟ وكم عددها؟

- الأسماء التي تناولت أعمالها هي ثلاثة شعراء من عُمان، وأربعة من السعودية، وأربعة من الكويت، واثنان من الإمارات· من عُمان اخترت الأبرز مثل محمد الحارثي وسيف الرحبي، ومن الكويت نشمي مهنا وعلي الصافي وصلاح دبشة، ومن السعودية تناولت الأبرز، وهو شاعر مبدع له مجموعة تحمل عنوان "التخلص من جثة" وأعني مسعود السويداء من المنطقة الشرقية، ومن الإمارات درست أعمال ثاني السويدي الذي يمتلك طاقة إبداعية ملحوظة·

 

·    أي خصائص كشفت عنها في دراستك؟ هل هم متفردون أم ثمة ما هو عام ومشترك يتحركون تحت مظلته؟

- لاحظت أن المشترك بينهم هو الحنين الدائم الى الصحراء، ويتمثل هذا في استخدام مفردات الصحراء الى جانب مفردات المدينة· وهذه ثنائية ملحوظة عندهم، هناك أيضا وضوح سمة السردية أي القص وكذلك التكثيف واصطياد اللقطة بجملة مختزلة الى أدنى حد ممكن، وأجد التهكم والسخرية قاسما مشتركا· ولكن هذه السمات تجد تعبيرا عنها مختلفا بين هذا الشاعر وذاك وإن كان المناخ واحدا·

 

جحيم وجنة

 

·   الى جانب هذه السمات ما الذي تكشف عنه؟ ماذا تشير إليه من مواقف من المدينة والصحراء من الحاضر أو الماضي، من الموروث والمعاصر؟

- لديهم بشكل عام رفض للمدينة ولا تشعر أن لديهم اندماجا أو انسجاما مع حياتها وصورتها الغالبة عندهم أنها أمكنة مرتبكة ممتلئة بالخيانة والتناقض·

 

·   إذا قلنا إن هذه المدينة وفق ما تصوروها هي جحيم هؤلاء الشعراء، فأين عثروا على جنتهم؟

- جنتهم في خيالهم·

 

·    هل استنتجت شيئا من طبيعة أخيلتهم؟ كيف يتصورون جنتهم؟ ألم تلمس ملامح معينة؟

- السمة الغالبة على شعرهم هي الرفض، وما يحلمون به مقابل هذا الرفض هو عالم مثالي على الأغلب، إلا أنهم لا يصرحون به· مدينة مثالية لا وجود لها واقعيا·

 

·     أعتقد أن حلم الكثيرين منهم كما يتجسد في نصوصهم هو الرحيل؟

- بالضبط، وبالفعل أنا أفردت جزءا من أحد فصول دراستي للرغبة في الرحيل، وبخاصة في الشعر العماني· وتتمثل برغبة في التشرد وتقمص شخصية المتشرد·

 

من أين لهم هذا؟

 

·   هذه المواقف الموزعة بين رفض ورغبة بالرحيل أو التخيل والإفراط فيه والحنين الى جنات أخرى ليست من هذه الأرض، هل هي أصيلة ونابعة من تجارب حية، أم هي مستعارة من أجواء شعرية أخرى· هل تلمست الأجواء التي تأثر بها هؤلاء الشعراء؟

- بالتأكيد· سمات هذه القصيدة بعامة لا بد أن تكون أثرا من عوالم أخرى وشعراء آخرين، لأن قصيدة التفاصيل بما تحمله من سمات التشرد والضجر ورفض المدينة، لا تجد موضوعاتها هذه في منطقة الخليج· الاحتمال الأقوى أنها صور مستعارة من قراءات هؤلاء الشعراء وثقافتهم إلا أن هذا لا يمنح كون الشاعر يمكن أن يعيش هذه الحالات سواء كواقع أو خيال·

 

·   من أبرز من تأثر به شعراء الدراسة، أو من الذي "يوحي" لهم، ومن كان مثالهم الشعري؟ هل عثرت على أسماء محددة؟

- من دراسة ما لا يقل عن عشرة أو أثني عشر شاعرا، لا أستطيع تحديد مصدر واحد لهم· هناك شعراء أسسوا لهذه القصيدة التي نسميها قصيدة الحياة اليومية ومنحوها سماتها مثل محمد الماغوط وسعدي يوسف، ومجموعة شعراء من الجيل الشاب في مصر ولبنان· ما وجدته بين يدي تأثر، ولكنني لم أستطع تحديد اسم معين· أستطيع أن أعطيك مرجعية عامة·

 

مزيج من كل الجهات

 

·  لا أطلب أسماء محددة، لأكن أكثر تحديدا: هل استخلصت من نصوصهم ملامح شعراء آخرين، لدينا أمثلة على أكثر من شاعر في الخليج اتخذ له اسما من الأسماء الشهيرة إماما، وصدر عن نبعه بلا مواربة، بل بعضهم لا يخفي هذه الواقعة· سؤالي هو هل تعرفت على منابع هؤلاء الذين تناولتهم بالدراسة، هل لهم علاقة مثلا بالقصيدة الموروثة في المنطقة، أم انفصلوا عنها تماما؟

- قصائد هؤلاء الشعراء مزيج من الموروث الثقافي في الخليج ومما اكتسبوه من العواصم الثقافية المجاورة وبهذا المزيج استطاعوا تقديم قصيدة تحمل سمات خاصة بهم· ولكن مرة أخرى، لا أستطيع تحديد مصادر معينة، أو لا أستطيع الجزم·

 

بساطة وعمق

 

·     لماذا لم تأخذ أحدا من البحرين، ونحن نعرف أنها تتوافر على عدد من الشعراء الجدد؟

- لم آخذ من البحرين ولا قطر أيضا· ربما لأنني لم أجد لديهم "وأنا أبحث سمات قصيدة الحياة اليومية" أو قصيدة من هذا النوع تلبي حاجة محاور دراستي، لهذا اكتفيت بنماذج من أربع دول خليجية، أعتقد هذه مسألة جائزة ومشروعة، لأن هدفي ليس تقديم إحصائية بعدد الشعراء بل تقديم نماذج ممثلة· المشرفون على رسالتي سألوا هذا السؤال نفسه وكذلك الذين ناقشوها، وكان ردي هو أن ما وقع بين يدي من مجموعات الفترة المحددة للدراسة (1980-2002) لم يتوافر على عمل شعري من هذين البلدين يلبي موضوع الدراسة·

 

·    ماذا عن تقنيات القصيدة أو جمالياتها بالأحرى؟ أم اكتفيت بدراسة موضوعات القصائد؟

- البحث إجمالا ليس في الموضوعات فقط، والوصول الى أن هذه قصيدة تفاصيل وتلك ليســت كــذلك· تناولت في التطبيق بالتحليل قصائد هؤلاء الشعراء، وقمت بتفكيكهاواستخراج سماتها وربطها بالواقع وبصور شعراء آخرين، ثم أعدت بناءها·

 

·     والى ماذا خلصت من هذا التفكيك؟

- لاحظت بساطة الكلمة، وبعدها عن التكثيف المجازي واللغوي، وأنه رغم هذه البساطة نجد عمقا في المشاعر، ونجد اختلاطا سرياليا وغرائبية، واعتمادا على المفارقة يختلف من شاعر الى آخر، فسيف الرحبي مثلا ربما متأثر بالبيئة العمانية بيئة جبلية ذات موروث من السحر والخرافات تكثر لديه هذه الغرائب والكائنات العدوانية، بينما نجد في نص صالح دبشة مفارقات وتناقضات مصدرها حالات أخرى كأن تكون التفكير بالقدمين أو برؤوس المارة·· وهكذا·

 

طباعة  

وتد
 
نص
 
"العدم".. مدخل الضوء الأول
 
خبر ثقافي