
· يتحدث الإسرائيليون عن "السلام" ويمارسون القتل والتدمير ويقتنع العالم بهم وبمشروعهم
· قرارات أبو مازن انفرادية.. تسبق لقاءاته مع منظمات المقاومة
· أوامر السلطة الفلسطينية تبذر بذور مأساة مواجهات فلسطينية – فلسطينية
غزة الطليعة - خاص:
خرجت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية على لسان رئيسها محمود عباس، ورئيس السلطة الفلسطينية في الوقت نفسه، بقرار يدعو إلى وقف عمليات المقاومة الفلسطينية، ثم تبع هذا أمر رئاسي تفصيلي صدر عن مجلس الوزراء الفلسطيني يأمر بوقف عمليات المقاومة ضد إسرائيل، وإلحاق كتائب شهداء الأقصى التي تشارك في العمليات بأجهزة الأمن الفلسطينية، ونشر قوات الأمن الفلسطينية على الحواجز التي تقيمها قوات الاحتلال الإسرائيلي على مداخل المدن الفلسطينية·
القرار والأوامر التفصيلية وجد معارضة من أطراف في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وبخاصة العضو الممثل للجبهة الشعبية الذي أعلن أن هذا أمر لم يتم الاتفاق عليه في اللجنة التنفيذية·
من جانبهم برر وزراء في السلطة مثل عزام الأحمد هذا القرار والأوامر، بأن الهدف هو إيقاف العمليات التي تضر بمصالح الشعب الفلسطيني العليا وقال آخرون، في السياق نفسه، إن هذه العمليات تساعد الحكومة الإسرائيلية على التهرب من "عملية السلام"، بينما أكد ناطق باسم السلطة هو حسن أبولبدة، أن هذه عمليات "لا طائل من ورائها"·
أما على صعيد منظمات المقاومة الفلسطينية، فقد أعلنت الجبهة الشعبية في بيان رسمي استغرابها من القرار والأوامر التي تبعته معلنة أنها لن توقف عمليات المقاومة ضد المحتلين، ورأت أن هذا القرار يقدم خدمة مجانية لإسرائيل، بينما رأت حركة حماس ممثلة بالناطق باسمها أن هذا القرار والأوامر تقلب معنى الصراع القائم، وتجعل المقاومة الفلسطينية هي المشكلة، لا الاحتلال القائم، وتضعف الموقف الفلسطيني أمام العالم، أما كتائب شهداء الأقصى، فقد عبر أحد قادتها من جنين عن رفضه لهذا القرار والأوامر التي تقضي بإلحاق كتائب الأقصى بأجهزة الأمن·
لا تغيير
على الجانب الإسرائيلي مازالت الأوامر القائمة بلا تغيير، وهي ترسيخ الاحتلال بكل الطرق عبر الاجتياحات المتواصلة، للمدن والقرى الفلسطينية، وهدم البيوت على رؤوس ساكنيها وتخريب الأراضي الزراعية، ومواصلة توسيع المستعمرات في فلسطين الشرقية، ومد الجدار العدواني، إضافة إلى توسيع عمليات قتل الفلسطينيين، مدنيين وغير مدنيين بلا تمييز، ويشير هذا الثبات الإسرائيلي إلى أنه ليس هناك أي "مشروع سلام" يدور في أذهان قادة إسرائيل يمكن المراهنة عليه، وقد سبق أن جرب الفلسطينيون نوعا من التوقف طيلة ما يقارب 6 أشهر عن كل عمل مقاوم، ولم يكن لهذا التوقف أن يوقف بندا واحدا من بنود العدوان الإسرائيلي المتواصل، وحتى على الصعيد العربي، وحين طرح الأمير السعودي عبدالله بن عبدالعزيز مبادرة سلام عربية شاملة تمنح إسرائيل شرعية الوجود في قمة بيروت بشرط تطبيق القرارات الدولية فقط، لم تجد هذه المبادرة في المقابل سوى إمعان إسرائيلي في سياسة الاستيلاء على الأراضي ومواصلة حملة إبادة مقومات الحياة الفلسطينية·
هنالك إذن مأزق تقع فيه المبادرات الفلسطينية، على شاكلة مبادرة أبو مازن التي سارع إليها إثر تهديد شارون بقطع الاتصالات معه، والمبادرات العربية، على شاكلة مبادرة الأمير عبدالله التي توجهت إلي العالم، ولم تجد أذنا صاغية من أحد·
تحت رقابة إسرائيل
هذه المآزق تشير إلى شيء واحد وهو ثبات السياسة الإسرائيلية واستمرارها في تنفيذ مخططها الذي لا يوجد في مفرداته لفظ "سلام" واحد وفي ظل انعدام توازن قوى محلي وإقليمي ودولي لصالح العدو الإسرائيلي متواصل منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، لا يتضح على أرض الواقع سوى رسم لخريطة إسرائيلية بالدم والنار والإسمنت واستعمار الأرض، ركائزها أصبحت بارزة في ترسيخ أمر واقع استعماري على ما يقارب %70 من أراضي فلسطين الشرقية، وإحاطة ما تبقى من التجمعات السكانية الفلسطينية بالجدران والحواجز، وقوات الجيش الإسرائيلي، ولا يوجد في هذا المشروع من نصيب للسلطة الفلسطينية بعدد وزرائها الذي يفوق عدد وزراء الولايات المتحدة، سوى تكوين أجهزة أمنية ومؤسسات تحت الرقابة الإسرائيلية هدفها الوحيد هو مراقبة نشاط الفلسطينيين، وقمع أي بادرة تذمر أو شكوى بينهم بالقوة، أي إدارة ما أصبح معروفا في الذهنية الحكومية الإسرائىلية باسم "البانتوستانات" على غرار "بانتوستانات" نظام إفريقيا الجنوبية العنصري قبل سقوطه·
هذا هو المشروع الإسرائيلي باختصار، ذلك الذي لن توقفه مبادرات وقرارات وأوامر تصدرها السلطة الفلسطينية ضد منظمات المقاومة الفلسطينية بهذه الحجة أو تلك، والاحتمال الأقوى، في ظل استشراسه، أن تساهم في تسريعه وتسهيل الطريق أمامه، ذلك لأنها مبادرات وقرارات وأوامر تصدر منفردة، وقبل أي لقاء أو حوار مع الأطراف الفلسطينية المقاومة، أي في ظل انفراد واضح سيكون له أثر خطر وسلبي على الوضعية الفلسطينية أخطر من كل ما مر حتى الآن·
المزيد من الفوضى
المأزق الفلسطيني لا ينحصر فقط في هذا الانعزال الكامل للسلطة الفلسطينية ورئيسها ووزرائها، والهوة الواسعة بين ما تفكر فيه، وما تفكر فيه الأطراف المقاومة، والمعارضة التي برزت بقوة أو اتضحت بعد الانتخاب أو الرئاسية، بل أيضا في انعدام فرص اللقاء على أرضية مشتركة لكل هذه الأطراف، وتشتتها بين خيار التبعية الكاملة أو شبه المطلقة للإملاءات الإسرائيلية بلا نافذة أمل من أي نوع، وخيار المقاومة من دون أداة سياسية قادرة على مواجهة الخلل الذي حول المقاومة الفلسطينية في نظر الأطراف الدولية والعربية حتى إلى عقبة أمام ما يدعى "السلام"·
المفارقة هي أنه ليس ثمة مشروع سلام، لا في الماضي ولا في الأفق المنظور يمكن أن يراهن عليه أحد، بعد أن أعلن شارون لاءاته الشهيرة التي يتحرك في ظلها: لا لإزالة المستعمرات في فلسطين الشرقية، ولا لقدس فلسطينية، ولا عودة لاجىء واحد ومع ذلك، هاهي الساحة الفلسطينة على وشك أن تضاف إلى فوضاها فوضى جديدة، حين تدفع قوى الأمن المبعثرة أصلا إلى مواجهة مقاتلي المقاومة الفلسطينية بمختلف أطيافها، أو تنتشر على الحواجز مع قوات الاحتلال الإسرائيلي لدفعها دفعا إلى الدفاع عن قوات الاحتلال·