رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 9 ذو الحجة 1425هـ - 19 يناير 2005
العدد 1662

ناقد "النظام الأبوي" صديق سعادة
هشام شرابي "يأخذ الوطن في نزهة حول الكون".. ويغيب

                                                                            

 

بعد أيام من غياب المفكر السوري أنطون مقدسي ومن قبله إدوارد سعيد تفقد الثقافة العربية اسما مهما ومؤثرا في الفكر النهضوي العربي فقد غيب الموت المفكر الفلسطيني المغترب هشام شرابي في الأسبوع الماضي بعد سنوات من صراعه مع المرض·

ويعد شرابي من أهم الأسماء التنويرية المعاصرة ذات الإسهامات الفكرية المتعددة، كإسهاماته في إدخال مفاهيم جديدة نقدية في القضايا الفكرية خصوصا المتعلقة بتنمية المجتمع والتي أخذت أغلب اهتماماته مثل دعوته الى تفتيت النظام الأبوي (البطريركي)، ومصطلحات النقد الحضاري وتحرير المرأة وتفعيل الحركات الاجتماعية·

أجاب على أحد أصدقائه (سليمان بختي) في أشهر مرضه الأخيرة حينما سأله عن الألم بقوله "أشعر بالأمل وأحاول أن أستدين الوقت من المستقبل" وكان حينها يعمل على استكمال إصدار جديد يروي فيه تفاصيل زيارته الى فلسطين عام 2001 وأحاسيسه بعد سنوات طويلة من مغتربه في أمريكا، وكان قد عاد الى بيروت 1998 بعد تقاعده من عمله في جامعة جورج تاون ليكون قريبا من أهله وأصدقائه ومحبيه و"يافا"·

انضم شرابي في سنوات شبابه وأيام دراسته في الجامعة الأمريكية في بيروت الى "الحركة العربية السرية" الممثلة للفكر القومي العربي تحت قيادة قسطنطين زريق لكنه وبسبب تكليف من أحد أساتذته لإعداد دراسة عن الحزب السوري القومي الاجتماعي تأثر بفكر أنطون سعادة وتحول للانضمام للحزب ومقربا من سعادة وسكرتيرا خاصا له ومكلفا بمسؤولية ثقافة الحزب· وكان برفقة أنطون سعادة عندما غادر سرا الى دمشق عام 1949 وقبل يومين من اعتقاله وإعلان إعدامه في 8/7/49 مما ترك أثرا في نفس شرابي اضطره الى العودة الى الولايات المتحدة الأمريكية، ويستكمل بعدها دراسته في جامعة جورج تاون ويحـصل على شهادة الدكتوراه عام 1953·

يقول الرئيس الأمريكي السابق كلينتون في كتابه "حياتي": "أما الحلقة الدراسية المطولة في مادة التاريخ الأوروبي فكانت في أساسها دراسة شاملة لتاريخ الفكر الأوروبي، كان أستاذ المادة هشام شرابي وهو لبناني ألمعي، واسع العلم والمعرفة، شديد الحماسة والالتزام بالقضية الفلسطينية، وكما أذكر كان ثمة أربعة عشر طالبا مسجلين في مقرر يستغرق تدريسه أربعة عشر أسبوعا بمعدل ساعتين في الأسبوع، قرأنا جميعا الكتب، حيث تقضي الخطة أن يقود أحد الطلاب المناقشة حول كتاب الأسبوع فيقدم عرضا له في عشر دقائق، أي يعتقد شرابي أن الطالب الذي لا يستطيع عرض الكتاب ضمن هذه المدة المحددة لم يفهمه، لذلك كان حازما في تطبيقه لهذا الحد الزمني، ثم جاء دوري وقدمت عرضا لكتاب "الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية" لجوزف شمبيتر· لم أدر كيف كانت جودة العرض، غير أني استعملت كلمات بسيطة، وصدقوا أو لا تصدقوا، قدمت عرضي هذا في تسع دقائق أو تزيد قليلا"·

وبكلمات الرئيس الأمريكي السابق التي تشير بشكل عابر وسريع الى صفة معلم مر في "حياته" منذ عقود ولم ينسه وإن جهل أصوله الفلسطينية إلتفاتة ذكية الى "جدية" شرابي، هذه الصفة الرئيسة والعلامة الفارقة في شخصيته التي توقف عندها كثير من أصدقائه وتلامذته ومحبيه في ذكرهم لمناقبه·

كتب الراحل في السيرة الذاتية "الجمر والرماد" و"صور الماضي" ورواية "الرحلة الأخيرة" ولم يذهب شرابي في كتاباته تلك بعيدا عما كان يشكل من أرض فكرية صلبة فيما طرحه من الإسهامات الكتابية في الفكر ونقد الفكر والحركات الاجتماعية مثل "النظام الأبوي" و"النقد الحضاري" و"المثقفون العرب والغرب" و"مقدمات لدراسة المجتمع العربي" و"أزمة المثقفين العرب"، وفي كل تلك القضايا طرح شرابي اقتراحات مغايرة لمحاولة الوصول للحل مثل تفكيك المجتمع الأبوي لتغييره وضرورة الأخذ "بتحرير المرأة كقضية تهم كل أفراد المجتمع ومواجهة المثقفين العرب وعلاقاتهم المرتبكة بالغرب، حتى أن مقولاته في نقد الفكر العربي تظل تتجدد كقوله "نحن نتعامل على المستوى الواقعي بأسلوبنا الخاص وعلى المستوى الفكري نأخذ بنظريات من الخارج والنتيجة تناقض وانفصام وازدواجية"· وفي مقابلة له في "النهار" يقول "الأصولية اليوم تريد ما أراده حزب البعث والحزب الشيوعي تريد الوصول الى السلطة"، ويظل شرابي منسجما في أطروحاته سواء ما جاء في إصداراته الفكرية أو سيرته الذاتية أو حياته·

يغيب المفكر الفلسطيني شرابي في بيروت غير بعيد عن شاطئ "يافا" الذي كان يحلم بالعودة إليه، ذاك الشاطئ الذي استقبل عام 1927 أولى أنفاسه ولم يستقبل الآن سوى أصداء كلمات صديقه أدونيس: منذ طفولتنا / يا صديقي/ نقرأ تاريخنا/ وهو يهبط إلينا على أدراج من الدم·

كل صباح/ كنا نأخذ ما سميناه الوطن في نزهة حول الكون·

ن·م

طباعة  

"صياغة الخطاب المدني الكويتي" في رابطة الأدباء
سعد بن طفلة:
الإسلاميون يخلطون الخطاب المدني بالديني بجهل متعمد وهزلي!

 
وتد
 
نص
 
إصدارات
 
المرصد الثقافي
 
نتائج مسابقات دار "سعاد الصباح"