المقالح وقصيدة النثر
"أعتقد أن تجربة عباس بيضون واحدة من أهم التجارب الرائدة التي اختطت مسارا مغايرا في الكتابة الشعرية، فقد أسهمت في كسر العمودية الجديدة التي سيطرت حتى الآن على قصيدة النثر نفسها، واستطاعت، عبر ثماني مجاميع شعرية أن تفتح أمام القصيدة "الأجد" فضاء رحبا للحركة وللفعل وللتأثير أيضا، وساعدت على استمرار الخرق المتواصل لبنية هذا المستوى الأحدث من الشعر، مخترقة بذلك تجربة روادها الأوائل بما التزمت به من تموقع مع الحياة، ومن حرص على استيعاب الأحداث والاصطدام بها من دون الوقوع في المباشرة، أو التطابق الآلي مع الواقع، أو تغييب ذات الشاعر· إنه يرصد، أو بالأصح يرسم مرارات الواقع الراهن وفجيعته، ويعمل على تعميق الإحساس ببؤس اللحظة من دون الوقوع في فخ المباشرة، أو وصف اللحظة من خارجها، أو جعلها تغتال الشعر، وتحوله الى مرآة عاكسة بدلا من أن تكون دلالة لا تفارق غوايتها الشعرية، ولا تسأم من أن تجعل الأشياء والأحداث ترسم ما يوازيها في زمن التصدع، وخطيئاته التي حولت الإنسان الى ضحية بريئة، لا مناص له من معايشة ظلال الهزيمة والإحباط·
ومن هنا، فالشعر عند عباس بيضون ليس لغة وحسب، ولا هو تعبير جميل ومثير للوجدان وحسب، ولا هو رفض للسائد وحسب، إنما هو كل هذا، وتعبير عن موقف مغاير من الوجود ومن السياسة والأخلاق، من الحياة والموت، من الناس والأشياء"·
د. عبدالعزيز المقالح - "الحياة"