رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 30 ذو الحجة 1425هـ - 9 فبراير 2005
العدد 1664

البعض ينصحه: "أطلق لها السيفَ لا خوفٌ ولا وجلُ"!
حيدر محمود شاعر البلاط الأردني يهجو الحكومة فيتعرض لمضايقات!

 

 

كتب نشمي مهنا:

اختار وزير الثقافة الأردني الأسبق الشاعر حيدر محمود الاحتجاج صمتا، بعد أن قرر الانسحاب من المعركة الدائرة حاليا في الصحافة الأردنية حول قصيدة كتبها في هـجاء الحكومة·

وكان حيدر يلقب بشاعر البلاط لقربه من الملك الراحل الحسين لسنوات عدة، قلّده فيها مناصب دبلوماسية مختلفة، ووزيرا للثقافة، وآخرها كان توليه إدارة مركز الحسين الثقافي الذي استقال منه قبيل عزم رئيس الوزراء فيصل الفايز طرده من المركز بسبب نشره لقصيدة "السرايا" في إحدى الصحف العربية والتي وجهها إلى الملك عبدالله الثاني ينبهه فيها إلى فساد الحكومة وعجزها عن إدارة أمور الدولة·

ويقول حيدر تعليقا على الجدل الدائر في عمّان حول قصيدته وردة فعل الحكومة "حدث ما كنت أتوقعه" مشيراً إلى انتقام الحكومة منه بالإيعاز إلى وزارة الخارجية لمضايقة ابنه البكر الذي يعمل ملحقا دبلوماسياً، مما اضطره إلى الاستقالة مؤخرا، واشتداد الحملات الصحافية عليه وعلى ابنه·

وفي تصريحاته الصحافية الأخيرة ينفي حيدر مساسه بثوابت المملكة الهاشمية (الدولة والنظام والوطن) ويهوّن من فحوى رسالته الشعرية التي ضمنها قصيدته "السرايا" إذ لا يرى فيها إلا انتقادا لسلطة تنفيذية هزيلة لا ترقى إلى طموحات الملك·

 

"عرضحالجي"

 

وعن الحملة الصحافية الموجهة ضده وعن تدهور الأمور في بلده يقول "هذا كله مربوط بالعطاياوالهدايا للصحافيين للاصطفاف مع الحكومة" مشككا بموضوعية الصحف التي تناولته بالنقد اللاذع·

وألحق الشاعر حيدر مؤخرا بقصيدته مثار الجدل قصيدة جديدة وجهها إلى ابنه شاكيا نكران الكثيرين للأعمال التي قدمها للوطن، مقررا - هذه المرة - العودة إلى ذاته، موحيا أنه سيغادر "البلاط"، ويتخفف من متطلبات التبعية للسلطة!

يصف المتابعون للقضية التي اختلط فيها الشعر بالسياسة بتصفية حسابات قديمة قصيدة حيدر بالمباشرة في لغتها ومضمونها وعدم استحقاقها كل هذا الجدل الدائر حولها، ولم يروا فيها سوى "عرض حال" يحمل شكوى متأخرة جدا من الأوضاع المتردية في عمّان، ويستغرب البعض من أن هذه "الرسالة" رغم بساطة معانيها وعدم تجاوزها لأي خطوط حمراء من المحظورات الأردنية أنها تجيء من شاعر "بلاطي" كوفىء طوال السنوات السابقة بمناصب حكومية عديدة مقابل ولائه للسلطات السياسية، ويشيرون إلى فوزه قبل أسابيع من نشر قصيدته بجائزة الملك عبدالله الثاني بن الحسين للإبداع (مناصفة مع الشاعر التونسي يوسف رزوقة) مما ينفي أحاديثه حول محاربة الحكومات له في السنوات الأخيرة·

 

"أطلق لها السيف!"

 

يذكّر البعض بالأبيات الشعرية التي كان يرددها الطاغية صدام حسين أيام تداعي نظامه في بغداد:

أطلق لها السيف لا خوفٌ ولا وجلٌُ

أطلق لها السيف وليشهد لها زحلُ

أطلق لها السيف قد جاش العدو لها

وليس يثنيه إلاّ العاقلُ البطلُ

وأن صاحبها لم يكن إلا شاعر البلاط الذي كان يستنهض بطولات وهمية، وأنه كان محرضاً في مثل هذا النفَس الشعري لممارسات الأنظمة الاستبدادية والوقوف في صفوفها، ورغم نفي حيدر وتبرئه من استشهادات صدام حسين الشعرية، إلا أن البعض يؤكد أن البيتين مقتطعان من قصيدة قالها الشاعر في البلاط البعثي أيام غزو الكويت·

 

صورة من الذاكرة

 

في الصورة المنشورة هنا، جلسة ضمتنا مع الشاعر أيام توليه وزارة الثقافة الأردنية، وكانت على هامش أحد المهرجانات الثقافية في مسقط الذي دعي له حيدر كشاعر مشارك لا كوزير، وكانت قبل استشهادات صدام بأبياته، تلك التي جلبت له الشؤم وأثارت بوجهه الغضب والاستنكار·

ورغم لطف حيدر وتواضعه وشعبيته إلا أن الذاكرة مازالت تحتفظ بمفاجآت تلك الجلسة وتفاصيلها التي دعت الشاعر الفلسطيني الراحل محمد القيسي في مقابل ذاك اللطف والتواضع إلى تفجير غضبه بوجه الوزير شاعر البلاط وكشفه لأسرار علاقته بالسلطة المالكة في عمّان، وانتقاد مواقفه التي اضطرته للاصطفاف مع الرغبات الملكية ضد طموحات الشعب·

مما اضطر صاحب "السرايا" - بعد انفضاض الجلسة وتفجر أجوائها - إلى نفي ما جاء في كلام القيسي، وإلى أن يسّر لنا أنه قام أكثر من مرة بمساعدة القيسي في مواجهة صعوبات الحياة المعيشية وقدم له التسهيلات·

 

لموقفه لا لشخصه

 

وبين خدمة الشاعر حيدر محمود للنظام الملكي وللحكومات المتعاقبة وبين انقلابه الآن على حكومة الفايز وقراره "العودة إلى ذاته" وهجائه لهذه الحكومة لا يجد الشاعر كثيرا من المتعاطفين مع موقفه الجديد!

وبين كتاباته لقصائد المدائح في مهرجانات "المربد" وقصيدة "أطلق لها السيف"  - إن صحت نسبتها إليه - وبين قصيدة "السرايا" في هجاء الحكومة الأردنية·· يقف الكثير من المتابعين موقف الحياد من شاعر ساهم بنفسه في تشجيع تسلط الحكومات وممارسات الأنظمة المستبدة·

إلا أن حالات التشفي - وفي كل الأحوال - لا تصح، ولا يُقبل موقف الحياد أمام تعرض شاعر لمضايقات وتقييد لحرياته من قبل أي نظام، حتى إن كان في يوم ما ابنا لهذا النظام، بل يجب تشجيعه في "انقلابه" الشعري هذا ومساعدته في "العودة إلى ذاته"·

 

***

 

يا سرايا نشكو إليك السرايا

ونناديك باسم كل القرايا

فلقد أخطأت كثيرا.. كثيرا

لتصير الأخطاء فيها خطايا

مر عامٌ، وبعض عام، وما في

فمها ما تقول.. غير النوايا؟

أمنيات بالتنميات تليها

أمنيات.. من دونهن المنايا!

شوهت وجهنا الجميل الذي

كان مثال الجمال.. بين البرايا

واستباحت دموعنا، ودمانا

واستزادت على الرزايا•• رزايا!

ويفوز الشطار دوما وللأحرار

ما لاعين رأت من بلايا!

وصبرنا على الهوان إلى أن

أصبح الكل للمطايا.. مطايا!

يا سرايا.. أصغي لصمت يدوّي

في المنايا.. وأنت ملء الحنايا

خمد الجمر في المواقد.. حتى

كاد أن يلفظ الرماد الشظايا!

فافتحي بابك الذي أغلقته الـ

بهلوانات.. في وجوه الرعايا

وأعيدي الحمى كما كان دوما

وطنا.. لا مزارعا.. وتكايا!

قد سقيناه أدمعا ودماء

ليرانا من بعدُ فيه سبايا!

اقرئي فصلنا الأخير، فما

                       عاد لدينا.. إلا بقايا البقايا!

ثم ماذا؟ لا شيء إلا التحايا

والسلامات كلها يا سرايا!

طباعة  

قصة قصيرة
 
وتد
 
اقتراح
 
إصدار
 
سلة أخبارهم
 
المرصد