رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 7 محرم 1426هـ - 16 فبراير 2005
العدد 1665

مواجهة الإرهاب(2)
فشل خطة تنقيح الدستور ولَّدت تحالفا حكوميا مع القوى الدينية
د. الزعبي: أنا أسأل أين الدولة وهوية الكويت؟ وكيف لمتطرفين أن يكونوا وسطيين؟!

 

 

·         سيادة الفكر الديني المنغلق شجع على ظهور ثقافة السحر والشعوذة والغيبيات

·         لماذا يتأخر قرار دمج الشريعة والحقوق؟ ولماذا تعطى مهلة لأصحاب المحلات المخالفة؟!

·         وضعنا مزر وخطير ودليلي أن وزيرا ليبراليا يوقع على قانون منع الاختلاط في الجامعة!

·         مسؤول في حركة الإخوان يرى أن الإرهاب مستورد! ولا يعلم أن تنظيمه مستورد من مصر

·         35 حادثا إرهابيا في 14 عاما لا تكفي الحكومة لأن تعي خطورة التيارات الدينية؟!

 

أجرى الحوار مظفر عبدالله:

تنشر "الطليعة" سلسلة من اللقاءات مع نخبة من القيادات الفكرية والعلمية لتسليط الضوء على بعض الجوانب الغائبة في تفسير ظهور السلوك الإرهابي ومظاهر الكراهية التي بدأت تنتشر بشكل كبير داخل مجتمعنا، وبعيدا عما تقدمه الأجهزة الرسمية من حلول جزئية ولحظية لتطمين المجتمع بأن ما يحدث ليس بظاهرة، وكذلك بعض الكتل والتجمعات السياسـية التي جعلت من انتشار هذه الظاهرة فرصة لتصفية حسابات سياسية أو محاولة لإبعاد التهم عن بعضها·· بعيدا عن كل ذلك نقدم للقارئ هذه اللقاءات التي قد تفتح لنا جميعا آفـاقا جديدة للحل·

في هذه الحلقة، نستضيف الأستاذ في قسم الاجتماع بجــامعة الكويت د· علي الزعبي ضيفاً ثانياً في سلسلة لقاءات الطليعة حول سـبل مواجهة الإرهاب وفيما يلي نص اللقاء:

 

هوية الكويت المفقودة

 

"الطليعة" : كشفت الأحداث الإرهابية الأخيرة من خلال تعاطي الدولة والمجتمع معها عن غياب الهوية الوطنية لدولة الكويت، بحيث أصبح كل طرف يدافع عن نفسه في محاولة للهروب من تحمل نتائج المأساة التي حدثت، وتم تناسي الحديث عن تطبيق القانون والدستور والحقوق المدنية لأفراد المجتمع وهو وجه الكويت الحقيقي، ما رأيكم في ذلك؟·

الهوية الكويتية قامت على الفكر التعاقدي السياسي بين مجاميع وشرائح اجتماعية توافقت على شكل الدولة، والتسامح الاجتماعي بين الشرائح المهاجرة إلى الكويت· من هنا نشأ دستور عام 1962 الذي أعطى الكويت هويتها السياسية والاجتماعية والثقافية الواضحة، وفصل حقوق وواجبات المواطن تجاه أنفسهم وتجاه بعضهم بعضا وتجاه الوطن·

لكن - ومما يؤسف له - هناك من يحاول تغيير هذه الهوية وهو حاول أن يغيرها ضمن أدوات دستورية "حادثة تنقيح الدستور" ولم يستطع، ومن ثم تمت محاولة أخرى تجلت في الدفع للتيارات المعادية للدستور ومضامينه، ومن هنا دعمت الدولة التيارات الدينية التي أصبحت تأخذ وضعها في المجتمع فسهل لها كل شيء، فهي أعطيت بنكا لا يخضع لرقابة البنك المركزي فيما كل البنوك تخضع له، وسهل لها إنشاء شركات لا تخصع لوزارة المالية أو البورصة، أو وزارة التجارة، وسهل لها إنشاء جمعيات لا تخضع لوزارة الشؤون، وسهل لها إقامة مقرات خارجة عن رقابة وزارة الداخلية، وإقامة ندوات لا تخضع لقانون التجمعات، فهنا أصبحت هذه التيارات تتحرك في المجتمع بكل مرونة، وأصبحت الكويت ملعبا فقط لهذا التيار، فيما حجّم نشاط التيارات الأخرى·

ولذلك هناك خطأ يقع فيه بعض رموز التيار الديني حينما يقولون بأننا حركة شارع·· بالتأكيد سيكون كذلك إذا ما توافرت هذه الأرضية المالية والقانونية·

أعتقد أن "حنفية" الدعم المالي لو أغلقت عن هذه التيارات فسنرى كثيرا من نوابهم يسقطون عضويتهم بإرادتهم· فالقضية قضية مالية·

وهناك الكثير من العناصر فكرت في الدخول مع هذه التيارات تصنعا من أجل الحصول على مغانم من خلال عضويتها في لجان متعددة·

إذن نحن أمام خطر كبير، فالتيارات الدينية لم تقتنع بتغيير الهوية الكويتية بل تريد تغيير النفسية الاجتماعية للمجتمع الكويتي بتحويل النظام من ديمقراطي دستوري تعددي إلى مجتمع منغلق ومنعزل ويحارب الرأي الآخر ولا يؤمن به·· بل لا يتوانى في قتل أصحاب الآراء الأخرى·

 

هويتنا في أزمة فعلية

 

ونحن الآن أمام مفترق طرق·· فإما أن نكون كويتيين أو لا نكون، فإذا كانت الدولة صادقة وإذا كان فيها خط وطني صادق فيجب أن يحافظوا على هويتها المرسومة في دستور 1962 وأرى أن التحالفات التي تمت ولا تزال بين بعض أقطاب في الأسرة والتيارات الدينية هي التي أدت إلى النتائج الأخيرة·

 

إهمال دراسة الظواهر السلبية

 

"الطليعة" : يلاحظ إهمال الدولة لدراسة الكثير من الظواهر الاجتماعية، ومن بينها ظاهرة العنف الفكري الذي تحول إلى عنف دموي مؤخرا، وكذلك إهمال بث روح الكراهية بين الكويتيين مع بعضهم بعضا وبين الكويتيين والأجانب وخاصة المسيحيين من خلال بيانات وفتاوى الجمعيات الدينية·· فلماذا هذا العنف في دراسة هذه الظواهر؟·

ما يثبت لك أن البلد يعيش على البركة، أن مركز دراسات صحيفة "القبس" رصد 35 حادثة إرهابية منذ بداية التسعينيات وحتى العام 2004·· لو قارنت هذه الكثافة من الأعمال مع مجريات الصراع بين الجيش الإيرلندي والقوات البريطانية فلن تصل إلى هذا العدد، ومع ذلك ترى أن هناك من يقول بأن هذه المجموعة أو تلك شرذمة!! أو هذه أفعال فردية!!

جميع المعطيات تقول - وبرغم نفي البعض - إن ما يحدث ظاهرة، بل هناك من يرى من التيارات الدينية ومثال ذلك ما أطلقه مسؤول في جمعية الإصلاح بأن هذا الشيء مستورد من الخارج، ونحن نعرف أن حركة الإخوان المسلمين نشأت منذ أوائل الأربعينيات في مصر، وبالتالي فالفكر والتنظيم مستورد بالأصل من الخارج إلى الكويت·

 

دمج الشريعة والحقوق

 

أضف إلى ذلك أن معالجة الدولة مقيدة، وهي لا تعلم ماذا يحدث في الكويت، لدرجة أن الحكومة عندما قررت دمج كليتي الحقوق مع الشريعة كما كان الوضع في السابق لاحظنا المماطلة في الجامعة·· والدولة لا تفعل شيئا·· لو كانت عندنا حكومة تنفيذية قوية لكان هذا القرار مطبقا اليوم·

عندما يصدر قرار بإغلاق المحلات التجارية المخالفة فيجب تطبيق القرار فورا، دون إعطاء مهلة أو غيره لأن هذا تسويف·· المشكلة أنك تجد موظفا كبيرا يعلق قضية هي في غير صالح البلد والقانون ويسكت عنه·

لجنة الوسطية

وحقيقة أنا لا أفهم قرار وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية تشكيله لجنة ما يسمى بـ "الوسطية"، وأجد أن بعض أعضائها معروف عنهم محاربة الديمقراطية والتعددية بل يكفّرون ويشجعون على القتل·· الوضع في البلد مزر إلى أبعد الحدود ونحن لا نعيش الأزمة التي نحن فيها، بل نعيش أزمة الأزمة·

الكويت في عام 1990 خطفت من نظام صدام وأخشى أن يأتي الخطف القادم من داخل الكويت، وهناك من يسعى إلى هذا الخطف ولديه جميع الوسائل·

العلم أو الدراسات العلمية في هذا البلد لا يؤخذ بها، بل يؤخذ بفتوى، ويؤخذ بقول واحد سفيه أو حديث السن، تخيل أن بعض أئمة المساجد يقولون بأن من لا يقصر ثوبه مصيره سبعين خريفا في النار·· تخيل هذا·

لذلك لا تجد مكانا للدراسات العلمية وللتخطيط بل تجد مجالا خصبا لفكر الشعوذة والسحر، لاحظ أن كثيرا ممن يقبض عليهم في قضايا ممارسة السحر تجدهم من الخارج يأتون إلى الكويت لأنها أصبحت بلدا لأناس يعشقون السحر والشعوذة والخزعبلات·· أما الفكر المنطقي العقلاني، وحتى الإسلامي المتنور فهو مغيب·

 

الفتاوى سياسية

 

"الطليعة" : خطورة الفتوى الدينية في المجتمع تأتي من جهة القائمين عليها، فأنت تجد الكثيرين يمتهنون هذه المهنة وهم حديثو السن والعلم·· كيف يمكن بيان تأثير ذلك على الشباب المتحمس؟

الفتوى وممارستها في السنوات الأخيرة في نظري عملية سياسية وليست دينية، ففي حين تجد أن الرسول عليه الصلاة والسلام يمشي في جنازة يهودي، نجد الدينيين اليوم يفتون بعدم مخالطة المسيحيين ومجاملتهم وهم أهل كتاب·

كما أن معظم هذه الفتاوى معلبة لا علاقة لها بالواقع ولا تأخذ مفاهيم التقارب بين الشعوب واختلاطهم لأسباب مختلفة· الخطورة ليست في عدم مشاركة المسيحيين في احتفالاتهم بل إن الأخطر أن لدى الطائفتين السنية والشيعية أصوات تحرم الذهاب إلى مآتم بعضهم البعض، وهذه مأساة لذا لم تعد المشكلة نحن والآخر بل "نحن مع أنفسنا"·

الكويت بحاجة اليوم إلى أن تعود إلى حظيرة الدول المدنية لا الدينية لأن الأخيرة تعتمد على الرؤية الأحادية الديكتاتورية· لاحظ أن النظم الدينية في كل من إيران والسودان أثبتت عدم القدرة على مواجهة متطلبات الحياة، والانسجام الاجتماعي·

أما الدولة المدنية فهي التي تجمع الكل، المسلم وغير المسلم الوطني والسلفي والإخواني والشيعي والماركسي والجماعات العرقية والقبلية، خذ مثالا على ذلك، ماليزيا حيث نجحت في إعطاء رمز ناجح لانسجام طوائف مسلمة وهندوسية ومسيحية معا وأصبحت من أرقى الدول الإسلامية في عالمنا اليوم، ماليزيا دولة إسلامية نعم، لكن النظام فيها مدني يحفظ حقوق الجميع·

أما الوضع عندنا فهو مغاير تماما، أنت لا تجد تيارات إسلامية بل دينية تستخدم الدين لغرض سياسي بحت·

 

الحكومات السابقة كلها مسؤولة

 

"الطليعة" : في حالة الكويت، من المسؤول في رأيك عما يحدث من تطرف وغلو في الدين؟

الحكومات الكويتية السابقة هي المسؤولة مسؤولية تامة عن تصاعد حالة الفكر الانغلاقي، الحكومة الحالية وحتى نكون منصفين ورثت من سابقتها هذا الإرث الخطير ومطلوب منها أن تعيد الكويت كسابق عهدها كمنارة للفكر المستنير· وبدورنا كمفكرين وسياسيين علينا أن ندعم الحكومة الحالية في محاربتها للتطرف والإرهاب وأن لا نقف مكتوفي الأيدي·

 

برنامج الإصلاح

 

"الطليعة" : وبماذا تنصح الحكومة الحالية؟

مطلوب منها تطبيق دستور عام 1962 وعليها أن تتحالف مع مواد الدستور وهذا سيغنيها عن أي تحالف ومع أي تيار كان·

من ناحية ثانية على الحكومة تبني استراتيجية تنموية إصلاحية حتى تنتشل البلد من الوضع المزري الذي تعيشه، وهذه الاستراتيجية يجب أن تعتمد مبدأ تكثيف المشاركة السياسية وتوسيعها بين المواطنين "سن الناخب، ودخول المرأة"·

ثالثا: يجب على الحكومة الحالية أن تعمل على إقامة دولة القانون وإحياء مبدأ الشفافية ونشر المعلومات بكل وضوح، نحن بحاجة إلى معرفة ما يدور في الجمعيات التعاونية والجمعيات الخيرية وغيرها من المؤسسات·

ورابعا: العمل على تحسين الأداء الوظيفي للموظفين من جهة وجود رقابة على أدائهم، كما يجب تبسيط الإجراءات لكي لا ندفع الناس لتبني "الواسطة" وإلغاء سياسة ديمومة المناصب التي تؤدى إلى إحباط الموظف وقتل روح المنافسة، هناك وكلاء وزارات يجلسون على كراسيهم عقودا من الزمن وهذا فيه تجميد للحراك الوظيفي·

وخامسا: يجب العمل على تعزيز الروح الوطنية في المناهج التربوية فالمناهج عندنا بحاجة إلى قنبلة لنسفها لأنها لا تخلق نشئا مفكرا ومبدعا ومؤمنا بالتعددية والولاء لهذا البلد·

هناك لقاء أجرته صحيفة القبس كشف خلاله الأستاذ حمود الحطاب، وهو رجل تربوي، كشف فضيحة تدخل لجنة استكمال الشريعة الإسلامية في صوغ برامج التعليم التربوي، أنا هنا أعتب على الوزير المسؤول في زمن هذا التدخل وهو الذي وقع مع الأسف قرار فصل الجنسين في التعليم الجامعي·

وسادسا: يجب النظر باهتمام إلى الدوائر الانتخابية وطبيعة إفرازاتها، فنظام الـ "25" دائرة أضفى على المجتمع الكويتي روح الانغلاق على الجماعة الصغيرة سواء كانت مذهبية أو طبقية أو قبلية، وأصبح الدستور هو الضحية·

نظام الانتخابات الحالي أصبح منتجاً لنواب الخدمات، الآن الناخب لا يريد إلا من يخدمه بغض النظر على مواقفه، لذا أعتقد أن النظام الحالي قتل الكويت وأصبح يفرز لنا أناسا متطرفين دينيا وقبليا وعائليا ويجب العودة إلى الدوائر الخمس على الأقل التي تساعد بشكل كبير على محو الكثير من الظواهر السلبية المرافقة للعمل البرلماني، أنا أعتقد بأن من يتمسك بنظام الـ "25" دائرة فهو ضد البلد ويعمل لغير صالحها·

 

* * *

 

إعلانات الشكر والتقدير!!

 

علق د. الزعبي على ظاهرة إعلانات الشكر من قبل بعض المواطنين إلى نواب أو متنفذين نظير تقديم خدمة معينة بقوله:

الدستور عندما كتب أراد أن يخلق دولة المؤسسات لكن هناك من كان ولا يزال يعمل على إقامة دولة الأفراد ويحدث هذا الآن، فإن مرض إنسان وأراد أن يتعالج في الخارج لأسباب تتعلق بأوضاع وزارة الصحة فلن يجد أمامه الطريق سالكا إلا بواسطة نائب أو متنفذ، بمعنى أن الأمر يتحول إلى علاقات شخصية، هناك نواب في المجلس يأخذون رشاوى مقابل الواسطة!! منهم من يقبض ثمن مواقفه على شكل أراضي وأموالا وغيرها·· وهذه كارثة أن يكون الفساد في مؤسسة تمثل الشعب.

طباعة  

"الطليعة" تطرح موضوع تعديل لائحة مجلس الأمة للنقاش:
 
على خلفية القضية المرفوعة ضد نقابة العاملين في "الكويتية"
21 الجاري موعد أخير لمقابلة مجلس الإدارة