رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 14 محرم 1426هـ - 23 فبراير 2005
العدد 1666

كيف يغلق الفضاء الإلكتروني؟!
وزير الإعلام العماني يواصل منع الحارثي والريامي في وسائل إعلامه!

                                                     

 

كتب نشمي مهنا:

ما زال قرار وزير الإعلام العماني بحظر أي مشاركات للكاتبين الشاعرين محمد الحارثي وعبدالله الريامي في جميع وسائل الإعلام في السلطنة ساريا، حيث أوقف مقال الحارثي الأسبوعي عن النشر في الملحق الثقافي "شرفات" منذ ستة أشهر، بالإضافة الى مواصلة منع كتاباتهما في الصحـف والمجـات والإذاعة والتلفزيون·

وكان هذا القرار أو التعليمات "السرية" الصادرة من الوزير الى أجهزته الإعلامية، والذي كتبنا حينها في "الطليعة" عن أثره في التضييق على الحريات وتشويه الصورة الإعلامية للسلطنة قد صدر إثر مشاركة الحارثي والريامي في برنامج حواري عرض على فضائية "العالم" تناولا فيه حقيقة الإصلاحات السياسية في سلطنة عمان وحدود وحرية التعبير فيها·

ويتساءل كثير من المتابعين لقضايا الرأي ولمحاولات بعض السلطات في تقييد حرية الفرد في التعبير والكتابة والنشر عن جدوى مثل هذا السلوك التعسفي في ظل زمن الفضائيات وشبكات الإنترنت التي تعجز أي سلطة حديدية في تقييدها ومراقبتها، وعن صورة الأجهزة - ومن ثم البلد - التي ستتركها مثل هذه القرارات أمام أعين المتابعين في الفضاء الإعلامي المفتوح، وأمام المنظمات الدولية المعنية بحقوق الفرد في ممارسة حرياته في التعبير·

الريامي تناول في مقالة له نشرت على شبكات الإنترنت تصريحات وزير الإعلام العماني الأخيرة ووصفه لكتاب الشبكة الإلكترونية بـ "السماسرة والخفافيش"، وأخذ عليه بعنف خروجه عن الاتزان المعروف في السياسة الإعلامية العمانية· وعلق على لغة الوزير التحريضية وعلى حملة الاعتقالات التي جرت في عمان لبعض الكتاب المشاركين في مواقع الإنترنت قائلاً إن هي إلا"عداء ضد الكلمة· ضد الرأي وحرية التعبير" وإن الوزير في تصريحه ضد الكتّاب قد ادعى امتلاكه للحقيقة وحده، مصادرا حق الآخرين وقائما بالوصاية على أفكارهم وآرائهم·

من جانب آخر، وجه الحارثي رسالة الى الوزير يطالبه فيها بالرجوع عن قراره التعسفي في منعه وصديقه الريامي عن النشر في وسائل الإعلام، وينبه الحارثي وزير الإعلام الى تداعيات هذا القرار الذي قد يدرج اسم البلاد بأكملها في القائمة السوداء لدى المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان ولا يقتصر الأمر على وضع الوزير اسمي الكاتبين في قائمة منع محلية·

المعروف أن للكاتبين الشاعرين الحارثي والريامي إسهامات كتابية مهمة جعلت اسميهما حاضرا في أكثر من عاصمة عربية وشهرة في الأوساط الثقافية العربية·

وننشــر هـنا رسالة محمد الحارثي الموجهة الى وزير الإعلام بالكامل:

 

* * *

 

رسالة إلى الوزير:

أخرِجْ بلادَنا مـن قوائمك السّـوداء

 

بقلم: محمد الحارثي*

بعد مرور أكثر من ستة أشهر على صدور قراركم بمصادرة حقي من التعبير والكتابة في كافة وسائل إعلامنا المحلية (المُتمَظهِر عَلناً في إيقافي من كتابة مقالي الأسبوعي في ملحق "شرفات" الثقافي، والذي أساسه مُصادرة حق وطني وأدبي وقانوني هو التعبير في جميع الوسائل المُتاحة للرأي والكتابة، على اعتبار أن وسائل الإعلام مُلكٌ مفتوحٌ للمواطنين)·· أعتقدُ، أن الأوان قد آن وحان - بعد مرور ما يَرْبـو على النصف عام - لأن تتحَلوا بالشجاعة الأدبية والإنصاف القانوني (وفقاً لما نصّ عليه النظام الأساسي للدولة) لاستصدار قرار نقيض يرفع الحظر الذي أصدرتموه وعَمَّمْتمُوه على جميع وسائل إعلامنا المحلي بحقي وحق زميلي الشاعر والكاتب عبدالله الريامي، إثر مشاركتنا سويّة في برنامج حِواريّ بثتهُ في شهر يوليو المُنصرم فضائيّة "العالم" الإيرانية حول الإصلاحات السياسية في بلادنا، وحول حُريّة التعبير وخطوطها الحَمراء المتأرجحة صُعوداً وهبوطاً، كما أشرتُ إليها في ذلك الحوار·· لأنهُ حظرٌ جائرٌ قانوناً واستنكرَتهُ، وأصدَرت عدة منظمات دولية بخصوصه بيانات ووجهت رسائل، لكن الحقيقة التي لا مِراءَ فيها أنه حظرٌ لم يَعُد بفضله اسمُ عبدالله الريامي ومحمد الحارثي على قائمة سوداء في إعلامنا المحلي فحَسْب، بل اسمُ بلاد بأكملها في مقدمة القوائم السوداء لمنظمات دولية كتلك·

ومثلكَ يُدركُ تماماً أن التغييب المُمنهَج لذاكرة شعب بأكمله ليس وليدَ التوّ واللحظة، ولا يبدأ كما لا ينتهي هنا، فاستمراريّة ذلك التغييب ما زالت سارية المفعول على ديوان شاعر مُؤسِّس ورائد (ومُسَلّمَة من المُسَلّمات الأدبية والفقهية) كـ أبي مُسْلم البهلاني الذي ما زال ديوانهُ ممنوعاً حتى البارحة، رغم أنه - رحمَهُ الله - توفي عام 1920 في زنجبار! -   نسوق هذا مثالاً استثنائياً شاخصاًً، لا حَصْراً لحالات ممنوعاتكم وأشكال رقاباتكم المتعددة، والمتعدية على النظام الأساسي للدولة·

ليس بخافٍ عليكُم أن سياساتكم الإعلامية ما زالت "مخفورة بوعُول" الحقبة السبعينية وأيَائلِها، وليس بخافٍ عليكم أيضاً أنها ليست محلّ ابتهاج لدى شرائح وقطاعات واسعة من الشعب العُماني، لأنها اشتهرت بزيْـفها وفجاجتها ومفارقتها لأبسط هموم واقتراحات وآراء ووجهات نظر الناس في بلادي وبلادك، بل إنها أضحت محلّ تندُّر الخاصة والعامة في الأفق المُمتد من حدائق وشرُفات شاطئ القرْم حتى آخر غافة في رمال وهيبة· وأمست - كما أصبحت - توصفُ بأوصاف (لن أكرِّرَها هنا)، لأنها لا تسُرُّ قريباً أو بعيداً، كما تعلمُ أيها الوزير·

لذا، ولهذا وذاك، فإن مُراجعتكم وتقييمَكُم ومُساءلتكُم النقدية لسياساتكُم الإعلامية أمرٌ مِلحاح، في هذه الآونة، بما يتناسبُ والطموح الرّسْمي (المُعلن) في الأقلّ، والطموح الشعبي (العارم) الذي ما فتئ يُعبِّرُ عن نفسه، كما بمطالباتهِ أينما وكيفما تسنى لهُ ذلك، خارجَ جهازكُم الإعلامي الذي - للأسف - لمْ يُولِ أهميّة ولمْ يُصْغِ طوالَ خمسة وثلاثين عاماً لحق الناس في أن يكون مُعبِّراً عنهُم، كما يَدّعي ليل نهار· لذلك نحن أحوج ما نكون إلى صياغة هويّة ذواتنا وبلادنا (عبر الإعلام، بالطبع) وفقاً لمتطلبات العصر والمرحلة·· فقيَم الشفافية والحُريّة طريقٌ وَضّاء لبلوَرَة المصلحة الوطنية، فيما لو تلافيتم ما فات وقمتم بتشحيم دولاب الثقة الصّدئ وتدويره في قصْد الهواء الطازج وقصيدته، حتى تعود المكانة والاعتبار لقوانين مدنيّة وخيارات شعبية أضحتْ أكثر وضوحاً وقرباً مما نراهُ على شاشتكم/شاشتنا، ونسمعه في أثير مذياعكم/مذياعنا، ونقرأهُ شِيباً و"شبيبة" على صفحات "وطن" و"عُمان" لم تعكس سوى البُعد الواحد·

لقد تعوّدتم (وعَوّدتمونا، في الواقع) خَللَ معالجتكُم للأحداث على التسويف وعدم الشفافية وذلك بإصراركم دائماً وأبداً على الخطأ دون التراجُع عنه حتى عندما يتضحُ، بيّنة وبُرهاناً، أنهُ خطأ فادح، مُفوِّتين فرَصَ الثقة والمصداقيّة على أنفسكم أولاً وأخيراً· لذلك أعتقد أن خطوة ترميميّة لهذا القرار بقرار نقيض ستمنحُ بلادنا صُورة أفضلَ مما أوصَلتمُوها (أنتم) إليه· وهي خطوة - إن تجاسرتم على اتخاذها، وتجاوزتم ما أنتم عليه - ستجَصِّصُ في الذاكرة بداية صريحة وشفافة لمعالجة المعضلة الإعلامية انطلاقاً من منظور مُفتقد لدور الإعلام وسيرورة فاعليته حين يكون أسُّ الحُرية وأساسُها (الذي يكفله القانون) وخيارات التنمية المفتوحة على إعلام خلاّق يُبدعُ - ما اسْطاع - الصّورة التي يجب أن تكون عليها بلادُ الوارث بن كعب والخليل بن أحمد الفراهيدي وأبو مُسْلم البهلاني وسعيد بن سلطان وعزان بن قيس وابن دُريْد وسالم بن راشد الخروصي وأحمد بن ماجد وأحمد بن النظر، في عالم - كهذا الذي على شاشة سواك - لا يحترمُ من تخاذلَ عن حقوق مواطنيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية·

وهي خطوة ترميميّة - فيما لو قمتم بها - ستصحِّح قراركُم السابق الذي (رغم سرّيته الشفوية والمكتوبة) أضحى مفضوحاً أمام العالم إلى الحد الذي لن يَهَبَ واهبٌ في الأرض والسماء "ماكينة إعلامكم الصّدئ" فرصة أخرى لانتهاك حُرية التعبير والرأي، كي تكونوا في آخر المطاف وأوله (قولاً وفعلاً) على قدر المسؤولية للتراجع عن خطوتكم السابقة بخطوة متقدمة ولائقة، فيما لو خطوتموها بجسارة وحُسن نيّة، لأنها مُفتتحٌ لعلاقة تدوير دولاب ثقة (أنتم) أحوج من يكون إلى دورانه بسلاسة· أما في حالة استمرار الوضع على ما هو عليه، وعدم اتخاذكُم بادرة لتصحيحه، فإنني وزميلي الشاعر عبدالله الريامي، لن نتراجع عن حقنا في التعبير، صراحة، عما تعلنونه وتخالفونه، في آن·· مُحَمِّلين إيّاكُم المسؤولية الكاملة عن الضرر الذي نالَ من حقوقنا ومن صُورة البلاد التي ترغبون·

يُعتبر الشاعر والفقيه والمتصوِّف أبو مُسْلم البهلاني (1860-1920) الذي عاش جُلّ حياته منفياً في زنجبار علامة فارقة في الشعر العُماني الكلاسيكي· ولولا العزلة التي عاشها في منفاه، وعدم اكتراث الدراسات النقدية به لكانت له، ذيوعاً وانتشاراً، ذات المكانة التي حظي بها أحمد شوقي وبدوي الجبل وحافظ إبراهيم ومطران خليل مطران وسواهم من شعراء النهضة· ورغم تفقهه لم يكن ناظماً كسائر الفقهاء، بل شاعراً كبيراً لم ينل الحظ والمكانة التي يستحق شاعر في مقامه بين مُجايليه·

* شاعر عماني

mohdalharthi@hotmail.com

طباعة  

وتد
 
"سيمياء العنونة.. الرواية نموذجا" في رابطة الأدباء
قطوس: العنوان في الرواية الحديثة انزياح شعري عن واقع العمل الفني

 
الإعلان عن مجموعة من المشاريع الثقافية في المؤتمر الصحافي
الدورة العاشرة في باريس وملتقى الشعراء العراقيين ومركز الترجمة.. عن مؤسسة البابطين

 
إصدارات
 
المرصد
 
محاضرتان في دار الآثار الإسلامية
من المعنى.. إلى كتابة التاريخ