رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 4 ربيع الأول 1426هـ - 13 أبريل 2005
العدد 1673

زيارة الى متحف طارق رجب
شواهد حضارة لم تعد جزءا من حياتنا اليومية!

 

 

·         عالم إسلامي واسع طبع الثقافات المحلية بطوابعه، وأعطته ثرواتها الموروثة

 

كتب أحمد حسين:

في مكان ما من "الجابرية"، وبعيدا عن ضجيج الشارع العام، والمطاعم ومحلات الحلويات الآخذة في الانتشار، ودكاكين أجهزة الاتصال والالكترونيات، ينزوي متحف طارق رجب في فيللا لا تعلن عن نفسها إلا إذا اقتربت منها، أو من البوابة، ليقودك بعدها سلم هابط الى سردابين واسعين يتصل أحدهما بالآخر، إنها المتحف الغائر في الأرض، كما هو غائر في التاريخ على حد سواء·

من المعتاد أن ينصرف الناس الى هذا الشأن أو ذاك· كأن يكون للمتاحف والتاريخ هواتها، ويكون للديوانيات وأحاديثها روادها· لا رابط بين الاثنين· أو كأن يكون للكرة وأصحابها شأن يتضاءل أمامه شأن السياسة وندواتها· لم نتعلم بعد أن نجمع بين هذا وذاك ونضيف آخر الى اهتماماتنا· تحت هذا الهاجس أقدمت على زيارة هذا المتحف بعد أن سمعت عنه كاسم يتردد بين المهتمين، وغالبيتهم من الجالية الأجنبية، فلماذا لا أضيف الى اهتمامي شيئا آخر، ومن عالم أصبح مصطلحا مألوفا: "العالم الإسلامي"؟

نشأ هذا المتحف من مجموعة خاصة، ثم فتح أبوابه كمتحف للعامة في العام 1980 بعد أن تمكن صاحبه من تجميع تحف وعاديات ومصنوعات تغطي الكثير من جوانب الفن الإسلامي، وتمتد على زمن طويل نسبيا (من القرن الثامن الميلادي الى منتصف القرن العشرين)· وحين نقول الفن الإسلامي، لا يجب أن ينصرف الذهن الى مجرد فن الخط والزخرفة أو الفخار، فها هنا يتقدم مفهوم أوسع يشمل فن المخطوطات والأشغال الخزفية والمعدنية وصناعة الأسلحة والدروع والزجاجيات والمنمنمات والمسكوكات الذهبية والفضية، كما يشمل المنسوجات والأزياء والمطرزات والمجوهرات والحلي، والآلات الموسيقية·

إذن نحن أمام ما يمكن أن نسميه الفنون الجمالية والتطبيقية، رغم أن "الفن الإسلامي" لم يعرف هذا التقسيم، بل كان فنا حيا، بمعنى أنه فن ذو وظيفة، سواء كانت روحية أو مادية، أو هو فن الحياة كما يعيشها الإنسان، لهذا السبب ربما، تفاجئنا أول سمة طاغية ولافتة للنظر: إن كل شيء في هذا العالم، من السجادة الى الثوب الى الكوب الى الباب الى الجدار، مجبول بيد وفكر لا يشغلهما الجميل عن المعاش، ولا المعاش عن الجميل· ليس لهذا مقدار وذاك مقدار، بل هما معا، لا ينفصل أحدهما عن الآخر من دون أن يفقد معناه· وكذلك الإنسان بالطبع، صانع هذا الفن ومستهلكه على حد سواء·

 

من أين جئنا؟

 

وأنا أدخل الى السرداب، وأبدأ بأول المعروضات: أبواب خشبية، وبقايا ألواح وأعمدة، ثم الأدوات البيتية، وجدتني أنفصل تدريجيا عن العالم الفوقي، العالم الراهن· فالفرق واضح بين هذا العالم وأناسه، وأناس عالمنا الذي نعيشه· ما الذي نبحث عنه إذن حين نجمع تحف وشواهد هذه الحضارة الغائبة كسلوك وممارسة والحاضرة كفكرة أو مثال أو حتى ذكرى؟!

يقول صاحب المتحف طارق رجب في تقديمه لمتحفه، أو جهد عمره، إن المتحف من أعمق المؤسسات التربوية، هو ليس للمتعة والفرجة فقط، بل للتعليم أيضا، لأن محتوياته تتصل بالكثير من جوانب ومراحل التاريخ الإسلامي المهمة· إنه يقدم لنا جذور وخلفيات هذه الجوانب والمراحل· ثم هو ليس مجرد متعة وفرجة، بل محفز للمخيلة، مخيلة الفنان والحرفي، ومكان يشيع في نفس الزائر إحساسا بالأسلاف، والتاريخ، وأرضية الوجود·

وأتساءل: ألا يحق لنا القول إذن، إن زيارة متحف من هذا النوع هي زيارة بحث عن المكان الذي جئنا منه، أو الأرض التي أصبحت ذاكرة، وذاكرة فقط؟ أرضنا بالطبع، وثقافتنا وحضارتنا·

كان الجواب: بالطبع، فهذا المتحف قام وفتح أبوابه من أجل الكويتيين بشكل خاص، فهم جزء من العالم الإسلامي الكبير، وهم معنيون بمعرفة تراثهم الإسلامي·

ولكنني لا أتوقف عند هذا· فأنا أشاهد أفواجا من الزائرين الأجانب أكثر من العرب ربما، يأتون أيضا، هل للتعرف على ذلك العالم البعيد الذي شغلهم، أو شغل جزءا لا يستهان به من مخيلتهم منذ قرون وما زال أم بقصد آخر؟!

أحد الزائرين الأجانب، وكان غربيا بالتحديد، لا يخفي شغفه في التدقيق بتحفة من الخزف، ثم يلتفت الي قائلا يا لها من صناعة رائعة!، ربما كان مأخوذا بما نسميه القيم الجمالية· ولكنه يؤكد لي أن الروح المتوارية خلف هذا الإناء أو هذه الصفحة من المخطوطة، أو هذا التطريز، هو ما يراه في العمق، إنه معني بالتعرف على الوجه الإنساني لأصحاب هذه التحف، من صنعها ومن استخدمها، لا مجرد تضاريسها وخطوطها أو حتى ملمسها·

 

قصة تحفة

 

وأنا أنعطف نحو خزائن ممتلئة بالزجاجيات، اقترب مني "علي جيازي" أحد المشرفين في المتحف، وسألني وهو يشير الى قارورة زجاجية زرقاء اللون ذات عنق طويل يماثل عنق طائر مائي: "هل تعرف ما هذا؟"· وفكرت قليلا، ثم فكرت،وأنا أحاول رؤية شيء أبعد من هذه القارورة وعنق الطائر، فلم أجد، فقلت "هي قارورة تماثل لقلقا أو ما أشبه"· ضحك "علي" وقال هذه تسمى عندنا في فارس "قارورة الدموع ولها قصة"· وسرد قصة هذه التحفة·· أو علة وجودها بهذا الشكل العجيب الذي بدا لي مجرد نزوة في تجميل القارورة، كان عنقها مائلا، وفوهتها عريضة ممتدة كأنها قبضة يد مبسوطة، كانت هذه القارورة تستخدم لحفظ دموع النساء اللواتي يغيب عنهن الأعزاء، آباء أو أزواجا، وما أن يعود الغائبون حتى تجد المرأة من واجبها تقديم القارورة التي جمعت فيها دموعها حزنا على غياب العزيز كدليل على الإخلاص والوفاء· ومن هنا جاء اسمها: "قارورة الدموع"!

ويضيف "علي" بالطبع لم يكن الأمر يخلو من ماء والقليل من الملح أحيانا··!

 

قصة حضارة

 

لكن تحفة قصة· هذا هو المغزي، أي أن لها وظيفة محددة، ولكن ثمة قصة أخرى ترافقها عبر تاريخها، ويحرص جامعو التحف على تسجيل حكايات التحف، منذ صناعتها ومرورا برحلتها عبر الأمكنة والأزمنة، وصولا الى يد صاحبها الأخير، أو المتحف الذي حصل عليها· وباجتماع هذه التحف والعاديات على اختلافها، تبدأ قصة أخرى أوسع وأشمل، أنها قصة الحضارة التي أنتجت هذه المجموعة المتنوعة·

هنا في متحف طارق سيد رجب القصة المقصودة، هي قصة ماضي الإسلام وحضارته، ولكي تصل هذه القصة بأسلوب ملائم، تم عرض المحتويات الكثيرة والمتنوعة بأسلوب غير تقليدي·

من المعروف أن الأسلوب التقليدي يقوم على تقسيم المحتويات حسب الأنواع، فهنا قسم للفنون الجميلة، وقسم للصناعات الشعبية، وهنا أدوات ومجوهرات القصور والحكام·· وهكذا· ولكن رواية قصة ماضي الإسلام وصولا الى حاضره اقتضت من صاحب المتحف عرضا مختلفا· فهنا تتجاور صفحات من مخطوطات قرآنية مع قطعة مطرزة من قصر، أو مصباح من بيت متواضع· وفي هذا خدمة لهدفين: الأول إظهار التنوع في عالم الإسلام، وإظهار مدى إحاطة قيمه وتعاليمه بكل شأن من شؤون حياته اليومية·

هناك وحدة بارزة في أساليب الزخرفة والتطريز والمعمار وصفحة الكتاب وصناعة أدوات الاستعمال اليومي،وهناك تنوع وثراء هائلين يمتدان على مساحة جغرافية واسعة· ولا يطمس هذا ذاك، فالوحدة ملموسة بدءا من معمار الهند الإسلامية ووصولا الى الأندلس، مرورا بفارس والعراق والشام ومصر والمغرب على سبيل المثال· وهناك تنوع أحدثته الأقاليم الإسلامية وثقافاتها التي نهض بها الإسلام ونهضت به، فبرزت خصائص كل إقليم على حدة في صناعة السيوف والثياب والأبواب والمنمنمات إلخ·

ولإعطاء قصة الحضارة مداها، انصرف اهتمام صاحب المتحف الى توسيع دائرة الاقتناء، فهو لم يتوقف عند البحث عن عاديات وتحف ذوي السلطان والأثرياء بل امتد الى أخرى مما تعتبر عادية من مقتنيات الطبقات الوسطى والدنيا، ومن مختلف المجالات بدءا من النسيج الكشميري الدقيق ووصولا الى الإناء الخشبي المطعم الذي يستخدمه البدو في حلب القطعان·

 

عالم واسع

 

من جانب آخر، تقدم المعروضات مع روايتها للقصة الأوسع، قصصا خاصة بكل صناعة أو فن على حدة، فهناك حكاية تطور الخط الإسلامي، وهذا جانب أعطته المجموعة اهتماما كبيرا، فتشكلت مجموعة واسعة من المخطوطات الجميلة، ومن عدة أقاليم إسلامية، يعود بعضها الى أقدم العصور، وصولا الى الزمن الراهن· وهنا نجد نماذج ممثلة لأكثر أساليب الكتابة أهمية، وعلى يد أشهر الخطاطين مثل "ياقوت المستعصمي" (القرن الثالث عشر) وعبدالله الصيرفي (القرن الرابع عشر)·

ويمكن قول الأمر نفسه عن بقية المجموعات، مثل الأزياء والمجوهرات والمنسوجات، فهي تجتهد لتمثيل أكثر من منطقة، وأكثر من أسلوب· صحيح أن هذه المجموعة تعرض سمات إسلامية مشتركة بين مختلف البقاع والأزمنة، إلا أن الاختلافات واضحة أيضا، وذلك بتأثير الثقافات المتنوعة وموروثاتها التي سبقت ظهور الإسلام، ثم تطورت في ضوء الفكرة الإسلامية· وتقدم مجموعة الصناعات الخزفية والزجاجية والسيوف والدروع صورة ممثلة أيضا لمراكز الإنتاج الشهيرة في أنحاء العالم الإسلامي، وكذلك تأثيرها على صناعة الزجاج والخزف في بقية أنحاء العالم·

إن ما يعرضه هذا المتحف، على تواضعه قياسا بالشهير من المتاحف العالمية، ليعد أثرا فريدا من نوعه، وهو كذلك، حيث نجد فيه عاديات وتحفا نادرة لا يمكن العثور عليها في أي مكان، تحكي في النهاية حكاية أخرى، هي حكاية صاحب المتحف ذاته مع مجموعته التي تنامت طيلة ما يقارب ربع قرن أو أكثر، بجهد دائب لم يكن عفويا· بل مخططا، ووفق أحدث أساليب التوثيق والتحقيق والعرض، أعد له مساعدون وباحثون ومنظمون ذوو مؤهلات علمية عالية·

 

  

طباعة  

Zoom1
 
Zoom2
 
Zoom3
 
فضاءات