
· الحكومة الإسرائيلية ألغت قانون حظر التعامل التجاري مع العراق
· يقول مناحيم بيغن: لو أن المفاعل النووي العراقي لم يدمر لحدثت محرقة جديدة لليهود
· تفتيت العراق إلى دويلات طرح في إسرائيل بصورة علنية منذ عام 1982
· شكلت عملية إعادة إعمار العراق الفرصة الذهبية للشركات الإسرائيلية المنهارة من وطأة الانتفاضة
· "حدود إسرائيل من الفرات إلى النيل" عقيدة متأصلة في العقلية اليهودية المتدينة
إعداد: عبدالله عيسى الموسويü
في 9/4/2003 سقط نظام الطاغية "صدام حسين" وانزاح عن قلوب شعب العراق الشقيق حكم نظام البعث الذي حكم بالنار والحديد قرابة ثلاثة عقود من الزمان وأعاد العراق كدولة وشعب للوراء عشرات السنين وخاض حرباً ضروساً على جارته الجمهورية الإسلامية في إيران واحتلت قواته بعد ذلك أراضي دولة الكويت في جرائم أدانها العالم أجمع·
واليوم، وبعد مرور عامين على سقوط هذا النظام البائد، فإننا نتناول جانبا آخر للأوضاع في العراق يتمثل في التغلغل الإسرائيلي وسعي الحكومات الصهيونية المتعاقبة ومن قبلها قيادات الحركة اليهودية وسعيها لإيجاد موضع قدم في العراق لموقعه الاستراتيجي والثروات الطبيعية التي يمتلكها·
وقد جاءت الأحداث الأخيرة لتشكل الفرصة الذهبية للإسرائيليين للتغلغل في العراق خصوصا في ظل الحماية الأمريكية والدعم اللامحدود لسياسات وممارسات حكومة إسرائيل·
الدولة اليهودية في العراق في الفكر اليهودي
يعتبر "السبي البابلي" عقدة العمل الدرامي الإسرائيلي في هذه المسألة الخطيرة والحساسة، ففي عام 206 قبل الميلاد وفي عهد الملك البابلي "نبوخذ نصر" الذي بلغت الدولة في عصره أوجها فمدّ حدودها وقوى نفوذها وتحالف مع جيرانها، ومنهم الملك اليهودي "يوافيم" الذي حاول لاحقا التملص من هذا التحالف، فجرد له نبوخذ حملة عسكرية حاصر فيها القدس ثم فتحها واقتاد ملكها وحاشيته وأركان حكمه إلى بابل·
كما تشير الوثائق التاريخية أو وقوع سبي بابلي آخر عندما حاول "صدقيا" ملك "يهودا" التمرد على الحكم الكلداني مما أدى الى قيام حملة بابلية أخرى انتهت عام 685 قبل الميلاد بالقضاء على الدولة العبرية وسبي حوالي 50 ألف يهودي إلى العراق هم أغلبية من تبقى في القدس، وقد ساقهم الكلدانيون مكبلين بالحديد إلى أرض العراق·
ومن هنا، فإن اليهود - خصوصا المتدينين منهم - يكنون عداء كبيراً للعراق حتى اليوم وليس أدل من ذلك قول رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق "مناحيم بيغن" الذي قال عشية قصف المفاعل النووي العراقي بأنه لو أن المفاعل النووي لم يدمر لحدثت محرقة جديدة في تاريخ الشعب اليهودي المعاصر·
كما أن من الأسباب التي تدعو الصهاينة للطمع في العراق العقيدة اليهودية المحكومة ذهنيا برؤية توارتية ترى أن حدود إسرائيل ممتدة من الفرات إلى النيل حيث إن "أرض الميعاد" حسب الوعد الإلهي لنبي الله إبراهيم - حسب الرؤية اليهودية - كما ترى المنظومة التوراتية المحفورة فوق منصة الكنيست الإسرائيلي هي "حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل" وهي رؤية يؤمن بها أغلب الصهاينة والمتابع للأدبيات العقائدية الصهيونية المعاصرة يتأكد له أن النية في إقامة إسرائيل الكبرى موجودة ولكن الظروف الدولية غير مواتية لتطبيقها على أرض الواقع اليوم·
غزو العراق في الفكر الصهيوني المعاصر
في أوائل عام 1982 نشرت مجلة "كيفونيم" الإسرائيلية الناطقة بلسان المنظمة اليهودية العالمية، دراسة اعتبرتها الأوساط الإسرائيلية بمثابة "ورقة عمل للحكومات المتعاقبة"·
وتبدأ الدراسة باستعراض التحديات التي تواجهها إسرائيل، والفرص المتاحة أمامها، وتحمل حكومة حزب العمل التي كانت في الحكم عام 1967 مسؤولية المآسي التي واجهتها الدولة العبرية منذ ذلك الحين، وتقول: (لقد ارتكبت حكومة حزب العمل خطأ استراتيجيا بارزا عشية حرب الأيام الستة، لأنها لم تستمر في زحفها لاحتلال الأردن، ولو أنها فعلت ونقلت سكان الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الأردن لتمكنت بعد ذلك من تحييد المشكلة الفلسطينية، وبات الوقت متاحا أمامها لتنفيذ مخططاتها الأخرى في المنطقة، والتي من دونها لن تتمكن في البقاء على المدى البعيد)·
والمخططات الأخرى التي تحدثت عنها الدراسة الاستراتيجية تشمل تفتيت الدول العربية بأسرها إلى كيانات صغيرة عن طريق تأجيج الأقليات في كل دولة، ودعمها بجميع السبل المتاحة، وتقدم الدراسة تصورات موسعة لكيفية تفتيت مصر وتحويل لبنان إلى دويلات على أساس طائفي·
وتتحدث الدراسة عن العراق بالقول: (إن تفتيت العراق أكثر أهمية من تفتيت سورية بالنسبة إلى أمن "إسرائيل"، فهي أقوى من سورية، وعلى المدى البعيد، فإنها تشكل خطرا حقيقيا على أمن إسرائيل)·
ولأهمية هذه الدراسة، قام الباحث الإسرائيلي "إسرائيل شاحاك" المعادي لأفكار الحركة الصهيونية بترجمتها للغة الإنكليزية ووضع لها مقدمة طويلة تحذر العالم من المخطط الإسرائيلي لتدمير المنطقة بأسرها·
تفتيت العراق
كما نشرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية في 2/2/1982 مقالا بقلم الباحث الاستراتيجي الصهيوني "زيف شيف" كشف فيها وجود خطة جاهزة لدى الحكومة الإسرائيلية لتفتيت العراق إلى أربع دويلات·
وطالب "شيف" إسرائيل بإعادة التوازن السكاني والاستراتيجي والاقتصادي داخل حدودها، ويضيف: (لقد دخلنا العصر النووي، ووجود ثلاثة أرباع سكان إسرائيل في المناطق الساحلية والسهول يشكل نقطة ضعف قاتلة بالنسبة إليها، إذ إن تعرضها لضربة نووية من أحد جيرانها سيؤدي إلى إبادة الجزء الأكبر من سكانها وعليه يجب السيطرة على المناطق الجبلية في الضفة الغربية لكي يتم توفير الحماية اللازمة للدولة)·
ويحذر المفكر اليهودي "إسرائيل شاحاك" منذ ذلك الوقت من خطورة التحالف الأمريكي الصهيوني حيث إنه يشكل خطرا على الولايات المتحدة الأمريكية قبل غيرها حيث يقول موجها كلامه للأمريكيين: (ليس صحيحاً أن إسرائيل تحمي مصالحكم في المنطقة، إنها تحاول التحول إلى إمبراطورية في الشرق الأوسط، وتتبع السياسة نفسها التي اتبعتها ألمانيا خلال عامي 1890 و1933 عندما حاولت تفكيك أوروبا إلى دويلات صغيرة لم يجد هتلر صعوبة في ابتلاعها أثناء الحرب العالمية الثانية، وكما اضطر العالم إلى تشكيل تحالف دولي موسع للحد من مطامع هتلر، فإنه سيجد نفسه في المستقبل بحاجة إلى تحالف دولي بالحجم والقوة نفسها للحد من الطموحات الإسرائيلية)·
تطبيع العلاقات مع العراق من أولويات إسرائيل
يشكل الوضع الحالي في العراق فرصة ذهبية للكيان الصهيوني لتحقيق حلمه في الاندماج الطبيعي مع الدول العربية وإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية كاملة معها خصوصا في ظل الدعم الأمريكي اللامحدود وضغوطاته العلنية على الدول العربية بهذا الاتجاه·
وتضع الحكومة الإسرائيلية تطبيع العلاقات مع العراق في مقدمة أولوياتها للاستفادة من الفرص الهائلة التي طرحتها عمليات إعادة إعمار البنية التحتية العراقية والتي تبلغ تكلفتها التقديرية خلال السنوات العشر المقبلة 600 مليار دولار·
وترى كبرى الشركات الإسرائيلية في إعادة تأهيل العراق نافذة تتيح لها كسب مليارات الدولارات ووفقا لتأكيدات صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية الصادرة يوم 18/4/2003 والتي أشارت لشروع الشركات الإسرائيلية في إجراء العديد من الاتصالات مع حلفائها الأمريكيين للحصول على بعض العقود المميزة وكان أن حصلت هذه الشركات على العديد من العقود وشرعت في تنفيذها وإن كان الأمر لا يزال في إطار السرية التي لم تظهر أمام الملأ ويكفي للدلالة على أن هذه المخططات الإسرائيلية تحظى بدعم أمريكي كامل ما قاله نائب وزير المالية الأمريكي "جون تايلور" في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد في الأردن حيث قال في خطابه: (هذه فرصة تاريخيه أمامكم لإنعاش الاقتصاد الإسرائيلي، ففي العراق يوجد واقع اقتصادي جديد والإمكانات هائلة، حيث لا توجد ضرائب ولا جمارك على المشاريع الاقتصادية، والاقتصاد الإسرائيلي بحاجة ماسة إلى الانخراط في هذه المشاريع، وهو قادر على لعب دور كبير فيها، إذ يتمتع بالتكنولوجيا العالية والخبرات)·
كما قامت الشركات الإسرائيلية من خلال وسائط بإغراق السوق العراقي بمختلف السلع الاستهلاكية التي يحتاجها مجتمع منهك بعد الحرب وأعطيت أغلب الشركات الإسرائيلية هذه الامتيازات دون غيرها من الشركات العربية، كما قامت إحدى الشركات الإسرائيلية بتوقيع عقد مع الجيش الأمريكي في العراق لتزويده بالخضار والفواكه الإسرائيلية في صفقة بلغت قيمتها 100 مليون دولار·
وفي 4/7/2005 ألغت وزارة المالية الإسرائيلية قانون حظر المتاجرة مع العراق والذي كان يعتبر دولة معادية حسب القانون الإسرائيلي·
ومن المعروف أن الاقتصاد الإسرائيلي قد شهد انهيارا كبيرا نتيجة المقاومة الفلسطينية وجاء احتلال العراق ليشكل فرصة ذهبية للشركات المنهارة لتقف على قدميها من جديد·
حيث بلغت خسائر الاقتصاد المباشرة قرابة 20 مليار دولار وتهور كبير للنشاط السياحي وتراجع عدد السياح لأدنى المستويات منذ عام 1982 وتراجع نسبة الاستثمار الأجنبي قرابة %60 مما أدى الى إغلاق أبواب 45 ألف شركة وما ترتب عليه من ارتفاع نسبة العاطلين عن العمل لتصل إلى أكثر من %10 من إجمالي القادرين على العمل·
والأخطر من ذلك هو تخطيط إسرائيل لتغلغل اليهود ديمغرافيا في نسيج المجتمع العراقي للتمتع بنفوذ مالي وتجاري وربما سياسي، خاصة أن يهود العراق من أقدم الجماعات اليهودية في العالم - كما ذكرنا في الجزء الأول من الدراسة - وكان قد هاجر أكثر من 120 ألف يهودي إلى إسرائيل في خمسينات القرن الماضي وقد صرفت لهؤلاء ملايين الدولارات استقطعت من عائدات بيع النفط العراقي بموجب قرارات مجلس الأمن كتعويضات عما لحق بهم من أضرار حيث بلغ معدل ما حصلت عليه كل أسرة 95 ألف دولار·
وقد كشف وزير البنى التحتية الإسرائيلية "يوسف بارتيزكي" في 10/4/2003 عن خطط بلاده لإعادة تشغيل خط أنابيب النفط الذي أنشىء في ثلاثينات القرن الماضي ويربط بين مدينتي الموصل في العراق وحيفا في إسرائيل عبر الأراضي الأردنية وهو الخط الذي توقف عن العمل بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948·
وبالرغم من عدم البدء في المشروع بسبب الظروف الأمنية في العراق فإن الجانب الإسرائيلي قام بعمل صيانة شاملة لخط الأنابيب في الأردن والذي يمتد لمسافة 400 كلم وهو لم يكن ليقدم على هذه الخطوة إلا وهو واثق بأن هذا المشروع الحيوي سيرى النور وهو الذي سيوفر على إسرائيل مبالغ طائلة خصوصا أن المستورد الصافي للنفط للدولة العبرية يقدر بنحو 12 مليون طن سنويا يأتي %80 منه من جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا·
الخلاصة:
فيما سبق عرضنا بصورة موجزة حقيقة الأطماع الصهيونية في العراق والمكاسب التي حققتها خلال الفترة السابقة وبالطبع، فإن هناك مكاسب عديدة أخرى قد حققها الكيان الصهيوني ولكنها لا تزال خافية علينا والأيام كفيلة بتبيانها·
لقد قاد الطاغية صدام حسين وحزب البعث المنحل المنطقة بأسرها إلى طريق لا يعرف الكثيرون نهايته خصوصا في ظل العربدة الأمريكية وسياسة الكيل بمكيالين في التعامل مع القضايا العربية العادلة والدعم اللامحدود لسياسات حكومة الإرهاب في الكيان الصهيوني ومخالفته لأبسط قواعد السلوك الدولي واستخفافه بقرارات الشرعية الدولية·
ü باحث في الصراع العربي - الإسرائيلي/ مارس 2005
