رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 18 ربيع الاول 1426هـ - 27 أبريل 2005
العدد 1675

شركة "كوستر باتلز" نموذج لأخطاء التعمير في العراق
سلطة التحالف تطلق الشركة بمليوني دولار!

·         أصدرت الشركة فواتير مزوّرة بملايين الدولارات

·         مسؤول أمريكي: جئنا نعلم العراقيين دولة القانون فعلمناهم النصب والاحتيال

·         شركات وهمية لرفع الأرباح من 25% إلى 130%!

 

دوغلاس فرانتس وجوش مايرü

كان مايك باتلز بحاجة إلى المال على عجل، فقد فازت شركته التي تعاني من نقص في السيولة، بعقد لحراسة مطار بغداد، وكان ذلك في شهر يوليو من العام 2003·

ولجأ باتلز إلى إحدى الجهات المانحة للقروض والتي لديها الكثير من السيولة النقدية والقليل من التساؤلات حول طريقة صرف هذه المبالغ: إنها سلطة التحالف بقيادة الولايات المتحدة في العراق·

وفقا لما ذكره باتلز للمحققين الجنائيين في مابعد، فقد اصطحبه أحدهم إلى سرداب تحت أحد قصور صدام حيث سلمه أحد موظفي الحكومة الأمريكية مليوني دولار كلها رزمات من فئة المئة دولار مع إيصال تسليم كتب بخط اليد، وذكر باتلز للمحققين أنه جرى إبلاغه بأن عملية الترسية ستتم لاحقا· وهكذا أصبحت مغامرات هذه الشركة الناشئة في مجال الأمن "كوستر باتلز" (custer Battles) نموذجا للأخطاء التي وقعت فيها سلطة التحالف في العراق في بداية جهود إعادة الإعمار، والتي ليس أقلها الفوضى والإشراف الأمريكي غير الفاعل على المشاريع·

اليوم، يواجه باتلز وشريكه سكوت كوستر، تحقيقا جنائيا ودعاوى رفعها عليهما موظفون سابقون، وأمر فيدرالي يحظر توليها أي نشاط تجاري مع الحكومة بسبب اتهامات بالاحتيال·

ولم يرد أي منهما على طلبات من هذه الصحيفة بإجراء مقابلات معهما من خلال محاميهما، وعلى أية حال، فقد أظهرت سجلات المحكمة ومحاضر التحقيق أن الرجلين أنكرا ارتكاب أية مخالفات·

وأرجعا سبب الاتهامات الموجهة إلى موظفين ساخطين بسبب الاستغناء عن خدماتهم، وعلى موظفين سابقين في شركتهما، وأصبحت لديهم شركات منافسة في مجال خدمات الأمن في العراق، وعلى موظفين حكوميين يكنّون الضغينة للشركة·

ولكن سجلات المحكمة ومذكرات الشركة الداخلية والمقابلات مع موظفين حاليين وسابقين والتحقيقات الحكومية ووثائق سرية من التحقيق الجنائى الذي أجراه البنتاغون تظهر أن الشركة غارقة في المخالفات والمشكلات منذ اللحظة الأولى التي بدأت عملها في العراق·

 

اللعب على الفوضى

 

وهناك مزاعم بأن موظفي الشركة زوروا الفواتير، وتصادموا مع موظفين حكوميين، وحاولوا التهرب من الضرائب، ووجهت للشركة اتهامات بأنها تجاوزت التواريخ المحددة الممنوحة لها لإتمام العقود، وفشلت في تقديم الخدمات وأهملت التفتيشات الأمنية الروتينية·

ومن بين مخالفاتها أيضا، قيام اثنين من حراسها بالاعتداء على بعض المراهقين العراقيين، وأبدى المسؤولون الأمريكيون دهشتهم حين اكتشفوا أن هذه الشركة كانت تدير أيضا حظيرة لتربية الكلاب وتقدم الخدمات الغذائىة في أرض المطار·

أما الحيرة التي أثارتها ردود فعل الحكومة الأمريكية فلا تقل إثارة عن الحيرة التي أثارتها الاتهامات الموجهة إلى هذه الشركة·

فبعد وقت قصير من فوز الشركة بعقد مطار بغداد، أبدى خمسة مسؤولين أو مستشارين أمريكيين على الأقل، شكوكهم حول أخطاء ترتكبها الشركة أو موظفوها، ومع ذلك، ظلت الشركة وعلى مدى الـ 14 شهرا التالية، تفوز بعقود حكومية جديدة، حتى أنها تعمل الآن على تنفيذ عقد كبير في البرنامج الأمريكي لتزويد قوات الأمن العراقية الجديدة بالأسلحة والمعدات·

ولم يتعرض نمو هذه الشركة للإبطاء إلاّ في شهر سبتمبر من العام  2004 حين أصدرت القوات الجوية الأمريكية قرارا يمنع الشركة من  الحصول على أية عقود فيدرالية جديدة·

وأظهرت السجلات والتحقيقات أن أعباء موظفي الحكومة الكبيرة حالت دون قيامهم باتخاذ إجراءات ضد هذه الشركة التي تمكنت، بصورة متكررة من الإفلات من محاولات التدقيق في عملياتها، لقد كان هناك وضع تعتريه الفوضى ومن السهل استغلاله·

ويقول فرانك ويليس الذي كان يعمل لدى سلطة التحالف في العراق إن هذه الشركة كانت الثابت الوحيد في بحر من المتغيرات، وهو ما يمكن تسميته باللعب على حالة الفوضى، وهو أمر مارسته بإتقان·

ويقول الكولونيل ريتشارد بالارد الذي كان آنذاك يعمل مفتشا عاما على القوات التي غزت العراق بقيادة الولايات المتحدة إنه لم يتمكن من التركيز على نشاط تلك الشركة في وقت كان يواجه فيه مشكلات أخرى ومن بينها فضيحة سجن أبو غريب·

ويضيف بالارد "في ظل ظروف لا يتوافر لك فيها طاقم موظفين كافٍ، كنا نعمل ونكافح فقط من أجل ترسية العقود، ولم نكن قادرين على القيام بالكثير من التفتيش، والموازنات، لقد فرضت هذه البيئة نفسها على عمليات ترسية العقود في العراق خلال النصف الثاني من العالم 2003، وربما لا تزال"·

وأكدت سلسلة من عمليات التدقيق الحكومية في عمليات ترسية العقود في العراق وجود ضعف في الإشراف، وأشارت إلى وجود مليارات الدولارات التي لا ىُعرف مصيرها حتى الآن·

وفي مقابلة معه، قال محامي الشركة جون بويس إن الشركة ربما ارتكبت أخطاء، ولكنه نفى أن يكون صاحبا الشركة قد احتالا على الحكومة، وقال إن الرجلين استوفيا كل شروط العقد في بيئة تسودها الحرب·

ولم يكن يبدو "للوهلة الأولى" أن شركة كوستر باتلز مؤهلة للفوز بعقود ذات طبيعة حساسة كهذه، فلم يسبق لهذه الشركة - قبل حرب العراق - أن حصلت على أي عقد حكومي ولم تصل عوائد الشركة التي لم يمض على تأسيسها عامان إلى 200 ألف دولار قبل الحرب، وذلك من خلال تقديم خدمات الأمن في أفغانستان، كما يقول محاميها·

 

ضابط وعميل

 

ولكن مؤسسي الشركة كانا نشيطين وتملأهما الحيوية على الرغم من عدم امتلاكهما لخبرة كافية، فالأول، كوستر، كان ضابطا في الجيش والثاني، باتلز، كان عميلا لوكالة المخابرات المركزية "سي· أي· إيه" فشل في انتخابات الكونغرس للعام 2002 كمرشح عن الحزب الجمهوري في "رود إيلاند"·

وقد حققت الشركة خلال ستة أشهر في الحصول على عقد مطار بغداد، عوائد وصلت إلى 32 مليون دولار، وبنى الرجلان مقرا للشركة مزودا بحوض للسباحة في المطار·

ثم حصلت الشركة على عقد بقيمة 16,8 مليون دولار لحماية المطار وعلى الرغم من أن الشركة لم يسبق أن قامت بمثل هذا النشاط، إلاّ أنها فازت على شركتين لهما باع طويل في مجال الحراسة، وذلك من خلال إبداء الاستعداد لبدء العمل في وقت مبكر لم تقدم عليه الشركتان المنافستان، وهو الأمر الذي كان يحظى بالأولوية في عراق ما بعد الحرب·

وقد توقع مسؤولو سلطة التحالف أن تنفذ الشركة إجراءات الأمن الروتينية، ولكن سرعان ما أصبح المطار هدفا للمتمردين، وأصبحت الشركة فجأة تحرس منشأة بالغة التحصين والأراضي المحيطة بها·

ومثل هذه التغيرات في المهمات أصبحت من المتاعب العامة في العراق فقد عمد مسؤولو سلطة التحالف بشكل متكرر إلى تغيير شروط العقد بحيث يدخلون عليها تغييرات تصل قيمتها أحيانا، إلى مليون دولار بوساطة أوامر مكتوبة بخط اليد أو شفوية·

وقد رفض بعض المقاولين مثل هذه التغييرات المثيرة للفوضى وأخروا عمليات البناء، بينما تكيّف آخرون من أمثال كوستر باتلز مع الأوامر الجديدة، وحصلوا على مقابلها بوساطة أوراق بسيطة تحمل توقيع أحد مسؤولي سلطة التحالف·

بالارد هو أول من عبّر عن قلقه من الوضع القائم بعد أن تبين له أن موظفي هذه الشركة ينقصهم التدريب والمعدات، وذلك من خلال عشرين عملية تفتيش ميدانية قام بها، وقال إنه رأى حراسا يشيرون لحافلات وشاحنات بالعبور دون أدنى تفتيش، وأنه لم يحدث أن شاهد الشركة تستعين بالكلاب البوليسية، كما سبق للشركة أن وعدت، لتفتيش الشاحنات الداخلة إلى المنطقة الخضراء·

وأشار بالارد إلى أنه شاهد اثنين من حراس الشركة يطلقون النار في الهواء في محاولة لوقف مراهقين عراقيين متهمين بإطلاق النار على دورية أمريكية بالقرب من مطار بغداد·

وأضاف أن كاستر أعاق محاولاته للتحقيق بزعم التشكيك في صلاحياته على الرغم من إظهاره أمرا مكتوبا من قبل الجنرال ريكاردو سانشيز وقد أوصى بالارد أن تنهي سلطة التحالف العقد، لكنه انصرف إلى معالجة فضيحة سجن أبو غريب ولم يتخذ أي إجراء رسمي بحق الشركة قبل مغادرته العراق·

 

شائعات

 

ويقول "لقد خلصت إلى أن الرجلين قصدا التحايل على الحكومة الأمريكية" أما ويليس، المسؤول السابق في وزارة المواصلات الأمريكية الذي أشرف على الجانب المدني من مشروع مطار بغداد، فقد تصادم كثيرا مع الشركة·

فقد فتحت حظيرة للكلاب في المطار من دون الحصول على ترخيص بذلك، وعرضت كلابا تشم القنابل على وكلاء آخرين، كما بدأت بجلب عمال من الفلبين سرا للعمل في مشروع الخدمات الغذائية وقد عثر ويليس، في زيارة له إلى مقر الشركة في المطار، على 40 عاملا فلبينيا يعيشون في ركن ضيّق ومزدحم بالنزلاء، وطالب ويليس الشركة بإيجاد تبرير لاستخدام المطار لتوسيع أعمالها، لكنها رفضت وغادر ويليس العراق بعد ستة أشهر من الخدمة، ومرة أخرى، لم يتم اتخاذ أي إجراء رسمي بحق الشركة·

واستمرت شركة كوستر باتلز في أعمال حراسة المطار حتى يونيو 2004 وعلى الرغم من عدم تجديد الحكومة الأمريكية للعقد، حظيت الشركة بثناء دوغلاس غولد، الذي كان رابع مسؤول في سلطة التحالف يأتي للإشراف على المطار·

وقال مسؤول أمريكي إن غولد كان على علم بـ "شائعات" عن وجود مشكلات ومخالفات ترتكبها الشركة، ولكن لم يذكر أحد أن البنتاغون فتح تحقيقا جنائيا في عقد تبديل العملة النقدية في أكتوبر 2003·

ويقول مسؤول أمريكي إنه "لم يظهر شيء ينذر بالخطر"·

وبعد وقت قصير من فوز الشركة بعقد المطار، حصلت على عقد آخر بقيمة 9,8 مليون دولار لبناء مساكن لعمال المشروع المزمع لاستبدال العملة العراقية القديمة بأخرى حديثة، وقد توسع هذا العقد حتى أصبحت قيمته 21,4 مليون دولار·

ولم يمض وقت طويل حتى عبّر فريق سلطة التحالف المشرف على المشروع عن خيبة أمله بالشركة، لا سيما بعد فشلها في الالتزام بمواعيد إقامة المخيمات، وتذمر المقاولين العاملين معها من الباطن من عدم حصولهم على مستحقاتهم من الشركة·

وتبين أيضا أن الشركة ترفع أرباحها بصورة مصطنعة، كما ورد في مذكرة للمستشار، كما أشارت السجلات إلى أن الشركة أصدرت فواتير تطالب بموجبها الحكومة الأمريكية بمبلغ 2,1 مليون دولار عن أعمال تبلغ قيمتها 913 ألف دولارفقط·

وعلى الرغم من تحقيقات البنتاغون، صادق مسؤولو التحالف في العراق على أوامر تغييرية في العقد تصل قيمتها إلى 5,6 مليون دولار، قائلين إنهم سوف يستردون أية أموال دفعت بموجب فواتير مزوّرة!·

ويقول المدير المالي لسطة التحالف آنذاك آل رونيلز في مذكرة كتبها في نوفمبر 2003 إن "إنهاء عمل شركة كوستر باتلز ستكون له آثار كارثية على نجاح برنامج استبدال العملة"·

ومع تطور التحقيق الجنائي، كشف اثنان من موظفي الشركة عن خطة معقدة للتحايل على الحكومة فقد أبلغا المحققين أن الشركة أنشأت شركات وهمية في جزر كايمان (Cayman Islands) من أجل إصدار فواتير صورية، وأضافا أن الشركة سلمت الفواتير إلى الحكومة كي تسددها عن أعمال نفذتها تلك الشركة دون أن تكشف من يملك هذه الشركات·

وقد أدت تلك الفواتير إلى رفع نسبة الأرباح من 25 في المئة كحد أقصى مسموح به وفقا للعقد، إلى 130 في المئة·

 

حكم إعدام

 

وأكد هذان الرجلان، وهما وليام بالدوين وروبرت جاكسون، على شهادتهما لهذه الصحيفة، وكان كلاهما قد عمل للشركة وتركها في ظروف غامضة ورفعا دعوى ضدها بموجب "قانون المزاعم الكاذبة" الذي يسمح للأفراد بمقاضاة الشركات نيابة عن الحكومة الأمريكية، وإذا نجحت الدعوى، فسيكون من حقهما الحصول على حصة من الأموال التي ستعود إلى الحكومة·

وحاول مدققو البنتاغون إلقاء نظرة على دفاتر الشركة الخاصة بعقد تبديل العملة في فبراير 2004، لكن الشركة تمكنت من إعاقة التدقيق لأنه لم يكن هناك بند في العقد يتضمن إجراء هذا التدقيق، وفقا للبنتاغون·

وأسدل المزيد من الغموض ظلاله بسبب بنود العقد الفضفاضة وفي معرض نفيهم لارتكاب الشركة أية مخالفات، جادل محاموها أنه كان ينبغي أن تتلقى الشركة سعرا ثابتا، وهو ما يعني أنه لم تكن هناك حوافز لتزيد تكاليفها، لكن بعض وثائق العقد تناقض هذا الزعم·

وقال محامو الشركة إن المزاعم بوجود احتيال تثير السخرية لأن الشركة منيت بالخسارة في هذا العقد، وورد في السجلات التي قدمتها الشركة أنها حصلت على مبلغ 9 ملايين دولار من الحكومة وأنها صرفت 14 مليونا، وقال المحامون إن شركات جزر كايمان هي شركات شرعية·

وأخيرا، أصدرت القوات الجوية في شهر سبتمبر الماضي، ما يُعرف في التجارة بـ "حكم إعدام" يمنع أية وكالة أمريكية من ترسية أية عقود على الشركات التابعة لها والأفراد ذوي الصلة بها، لكن بوسع الشركة استكمال العقود التي تعمل وفقها حاليا·

وتواصل وزارة العدل الأمريكية تحقيقاتها الجنائىة في نشاط الشركة، كما يمضي الموظفون السابقون فيها في إجراءات مقاضاتها في المحاكم بهدوء·

ويقول باتريك بيرنز، الناطق باسم منظمة "دافعو الضرائب ضد الاحتيال" التي تراقب أية ممارسات خاطئة تقوم بها الشركات كما هو الحال بالنسبة إلى شركة كوستر باتلز "إننا ذهبنا إلى العراق كي نعلمهم كيف تسير الأمور في دولة القانون، ولكننا علمناهم - بدلا من ذلك - كيف نمارس النصب والاحتيال من دون عقاب"·

 

ü عن: لوس أنجلوس تايمز

 

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

طباعة  

حراك ديمقراطي في العراق ومصر ولبنان والكويت والسعودية..
ربيع العرب بدأ والمنطقة على أبواب التغيير

 
الإجماع الأمريكي - الأوروبي شرط لنجاحها..
فرصة لا تعوض لإصلاح الأمم المتحدة