بقلم عزيز الساعدي:
نص "النبوءة والدينونة" - لبيان صالح - يشكل نقطة تحول في معالجة الموضوعة الدرامية لسيرة بطلها "بشروجي" رجل الدين الخلاصي الذي انضم إلى انتفاضة قلعة "ماندان" مدفوعا بنبوءة·
وقد اكتشف داخل زنزانته أنه كان مخدوعا وأن فتح السلطة للثائرين كان هدفه القضاء على البنوءة·
الحوارية التالية مع ممثل السلطة "أوانيس" تكشف الخطط الخبيثة والمحكمة التي رسمتها السلطة للإيقاع برجل الدين "بشروجي" والحفاة الثائرين الجياع الذين انضم إليهم مدفوعا بحلم النبوءة في الخلاص·
أوانيس: وقلعة ماندان! ألم ندخلها بإرادتنا؟
بشروجي! كانت فخا لنا، ولكي يفشلوا نبوءة واحدة قتلوا مئات الألوف المعاناة والتفكير المضني الذي استمر أربع سنوات، وهي مدة العقوبة التي قضاها المخلص بشروجي أوصلته إلى نتيجة واحدة وهي أن "الغفلة" هي داؤه وداء مريديه "الحفاة" والتي أودت بهم إلى التهلكة جميعا والهزيمة المميتة كقدر محتوم شكل ثقبا أسود في حياة الشعوب، وبالذات شعوب العالم الثالث المبتلاة بالأنظمة الدكتاتورية المقيتة·
إن فشل الانتفاضة وعذاب السجن تركت بصماتها السلبية على "المبشر" إذ خرج من السجن خائفا تملؤه الريبة والشك ينتابه من مريديه المخدوعين السذج كل هذا ولّد لديه الخوف من مريديه أكثر من أعدائه·
"بشروجي" نسل الأفاعي؟ أنتم يانسل الأفاعي ماذا تريدون مني ·· هاه فقدان الإيمان بالنفس والناس هي النتيجة التي تهدف وتخطط لها الأنظمة القمعية لكي تستمر في الحكم·
إلا أن بشروجي رغم انتكاسته على الصعيد النفسي، فإنه في الواقع العملي لا يتقبل الهزيمة وسيستسلم بسهولة، ولكي يسترجع ثقته وإيمانه بذاته التي أضاعها نتيجة البطش والخذلان من مريديه، يقوم برحلة "الحج" الى الجبل· بشروجي "أيها الجبل·· يا ركني·· أعد إلي إيماني الذي اضمحل واطمئناني الذي ولى، إيماني الذي غدوت من دونه شبيها بداية "أوانيس" المشؤوم"·
إيماني الذي كنت جديرا به·· إيماني·· إيماني ويقيني "يبكي" إن الشكل الفني لرحلة الحج للجبل ومناجاته ليس له وجود مادي حقيقي، وإنما هو تصور كان يدور في ذهن البطل اتخذ بشكل منولوج، تداعيا حرا داخل عقله الباطن على شكل محاكمة ذاتية "القاضي" الحكم والخصم رجل السلطة "أوانيس" والمتهم بشروجي المدان بانضمامه الى انتفاضة قلعة ماندان التي قادها الجياع الحفاة الذين ذبحتهم السلطة كالخراف·
إن الجبل ما هو إلا رمز دلالة لقوى عليا يتضاءل أمام جبروتها البشر·
إن سياق الحوار مع هذه القوى المطلقة يتخذ عدة مستويات، مناجاة وجودية وفلسفية تصل أحيانا إلى الشك الوجودي·
أوانيس: تحقق من نفسك·· تحقق من نفسك!!!
بشروجي! نفسي نفسي·· ماذا آتت نفسي لتصب عليها غضبك الجامح؟ بعد أن تعهدتها بالإذلال وسممتها بوصاياك·· ألم أعرفك من خلال نفسي هذه وبها؟! ألم أخبر أقوالك وزمانك، حبك، وكرهك، عدلك وظلمك، كل هذا عرفته وخبرته بنفسي المغضوب عليها·· فكيف سأغدو لو طرحتها عني أو ما كينونتي بغير نفسي، وما كينونتك أنت، لو غدوت لا أملك نفسي ولا هي تمتلكني ص 17·
إن بشروجي في هذه المحاكمة المفترضة من قبل القوى العظمى قد دافع بشجاعة عن قضيته وجودا وكينونة، إلا أن الحكم المطلق الذي لا يناقش والقاضي يحرمانه من الماء دلالة الحياة والوجود ولّد لديه شعورا بالخيبة واليأس من محاكمة غير عادلة قضت بإعدامه، الحكم جاهز وجائر ·
أوانيس - مخاطبا بشروجي - لا تدخل فمك ماء·· فمك·· ماء فمك··
بشروجي "هذه وصية موتي·· لقد خسرت الأب، والأهل فهل أطمح بصديق· يا رفيق عمري، إني قادم إليك ياكمالي وروحي المهلهلة"· بعد هذه المعاناة حدث تحول عاطفي ووجداني في شخصية بشروجي·
عند اللقاء الذي حدث بينه وبين حبيبته "مارنا" متجسدة في شخصية "إيمي" حبه الأول أيام الشباب "مارنا" المنبوذة اجتماعيا وأخلاقيا من أهل القرية استطاعت بعاطفتها الإنسانية والوجدانية أن تعيد ثقته إليه بنفسه وتجدد حياته الروحية في مشهد يقطر عاطفة إنسانية، عندما يضمهمها فراش واحد بعيدا عن وطأة وثقل الواقع الملتبس·
بشروجي: بامتنان "هذا أعظم أجرلي عن كل ما عانيته في دنياي" (ص 29) ولكي تأتي لحمة هذا العمل الدرامي متضامنة شكلا ومضمونا مع موضوعة الغفلة التي وصم فيها بشروجي رعاياه، فقد تسللت إلى شخصيته وأصابته هذه الغفلة في ثلاثة مواقف·
الأول: عندما تمهل في الهرب من البلاد نتيجة عدم تقديره العواقب ولفكره المثالي في النظـرية والممارسة وفضل زيارة والدة أحد الصبية المريضة·
الثاني: عندما أباح لعدوه اللدود "أوانيس" بنيته وعزمه على الهروب معتقدا أن ذلك هو السبيل الوحيد لإقناع عدوه بأنه أصبح لا يشكل خطرا على الرغم من تحذيرات "مارنا" بعدم البوح بسر هروبه وحثه على الهروب خارج الحدود·
الثالث: عندما تجرع كأس الشراب المسموم الذي وضعه في إناء عدوه اللدود أوانيس بكل سذاجة وعدم احتياط وخشية·
القراءة المثالية لنص النبوءة والدينونة، تضعنا أمام قناعة، باتت تقليدية للعلاقة بين السلطة والمجتمع، وهي سقوط "أو فشل" وجهة النظر المثالية التي تجاهر بإمكانية انتشال العالم وقيمه من السقوط باللجوء إلى وسائل لا تتطابق أو تتناسب مع لغة عالم ساخن وملتهب يحتاج فيها هذا العالم المريض إلى اجتثاث أورامه الخبيثة بدلا من إعطائه جرعات مسكنة أو مخدرة·
لذلك خسر "بشروجي" البطل الخلاصي الحديث بسبب مثاليته وإيمانه بنفسه ومريديه وبالنتيجة تصفيته من قبل القوى الظلامية·
يقول الكاتب المسرحي الكبير "بوجين بونسكو" في رسالة وجهها إلى جورج جان ناثان "لا بد للكاتب المسرحي اليوم من أن يصل إلى جذور مرض اليوم، كما يشعر به وهو موت الإله القديم وإخفاق العلم والمادية في تقديم إله آخر يرضي الغريزة الدينية البدائية المتبقية، لكي يجد معنى للحياة فيها ومخاوفه من الموت معها"·
إن نص النبوءة والدينونة يوجه إدانة لكل أشكال القمع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والديني الذي تمارسه السلطات المتحكمة برقاب الناس في كل زمان ومكان·
1) المسرح الثوري لبروستاين