الرجل الذي كان يسقي حماره القهوة
محمد العريشية (ليبيا)
في الزعفران·· وفي مطعم غرناطة يأتي رجل مسن بدين يحمل صرة صغيرة في يده على الدوام·· يصعد درجات المطعم مستعينا بعكازه المصنوع من شجرة زيتون·· يحييني برفع حاجبيه، ثم يفتح البراد بعكازه ويتناول علبة بيبسي يدلقها في جوفه دون أن يتنفس، ثم يتجشأ ويذهب ليعود في منتصف النهار يطلب كأس ماء بتوجيه إبهامه نحو فمه، ثم يقف على قارعة الطريق مستوقفا السيارات المتجهة ناحية الغرب بعكازه، ومن وقت لآخر يلتفت متابعا جبرين الذي يقوم بعدّ المسافة بين الطريق والمطعم بفتح خطواته الى أقصى حد حتى تلامس ركبتاه الأرض ليبني سوره الخيالي·
يقبل الرجل المسن ويحني رأسه ليشعل لفافة وهو يدمدم شاتما أصحاب السيارات التي تمرق مسرعة، ناثرا رذاذ لعابه المتطاير في وجهي، ثم يسير نحو جبرين المشغول بمحاكاة صوت وحركة شاحنة قديمة تفرغ رملا ويمازحه مقرفصا مرة، ومتكئا على مرفقه مرة أخرى، وهو لا يتوقف عن التلويح للسيارات بعكازه وعيناه تلاحقان جبرين وهو ينطلق مهرولا على خط الطريق الأصفر عاقدا يديه الى ظهره ويعود في المساء حاملا جوالا مملوءا قططا نافقة ليدفنها في مقبرة قططه·· وفي لحظات ينهي مراسم الدفن·· ويقف عند رؤوس القطط الراحلة واحدا تلو الآخر·· فاتحا كفيه إزاء وجهه متمتما بكلمات في سره ثم ينطلق كما لو كان شاحنة قديمة··
هكذا تمر الأيام في هذه القرية الكئيبة منذ اليوم الأول الذي تركت فيه المدرسة والتحقت بالعمل في هذا المطعم، كما لو أن الأيام جثث هامدة تتراكم بعضها فوق بعض وتفوح منها رائحة الملل والسأم والتقزز·
ذات يوم كان المطر غزيرا منذ الصباح، وزاد المطر من حنقي على نفسي فوددت لو أترك العمل وأركض في الفراغ الى أن تخر قواي، وبينما كنت في قمة غضبي جاء رجل غير مألوف في الزعفران وفاجأني قائلا:
- اسق الحمار قهوة يا فتى!!!
ونظرت إليه·· كان غريب الهيئة طويلا يرتدي ملابس بيضاء فضفاضة، وله شارب كث لو قصت منه شعرة لسقط على قفاه من فرط نحافته·· قلت له:
- ماذا قلت يا سيدي؟!!!
قال وهو يربت على رأس حماره:
- رفيقي يريد أكوابا من القهوة·
لم أسمع يوما بهذا الطلب فذهبت الى صاحب المطعم وقلت له:
- رجل غريب يريد أن يسقي حماره قهوة·
خرج مسرعا حافي القدمين وقال بود:
- كم كوبا تريد أيها السيد؟
- أجاب وهو يتثاءب مخفيا وجهه بيديه:
- أريد بيتا لليلة أو ليلتين، وأكياسا من البن الصافي·
ورأيت بصورة جلية كم كان صاحب المطعم مسرورا وعيناه تتسعان فرحا ثم التفت إلي قائلا بلهجته المقرفة:
- اذهب مع الرجل ليشاهد البيت·
ركضت ذاك اليوم كما لم يركض أحد قط، وتذكرت أبي حين كان يختلط في ذهنه حابل الفشل بنابل انسداد أفق الأمل في القرية، كان يستل فأسه الحادة جدا، شديدة اللمعان، ويخط دائرة كبيرة بقدمه حول نخلة طويلة بلا رأس، ويحذر من تجمع حوله من أهل القرية:
- لا أحد يقترب·
- إننا نسمع أنينها في الليل يا برتي·
- من يدخل هذه الدائرة أهشم رأسه بالفأس!!
- كن رحيما بها فقد غرسها جدنا الأعلى، وقد يخطر على بال أحدنا أن يجلس في ظلها حين تنمو من جديد يا برتي·
فيلتفت إليهم ملوحا بإصبعه الوسطى للأعلى وقد استشاط غضبا:
- من يرد الجلوس فليجلس هنا·
- لا يعقل هذا الكلام بيننا أطفال يا برتي·
- قلت لكم مليون مرة، لا أحب من يناديني بهذا اللقب·
وينهال على جذع النخلة ضربا حتى يهده التعب فيتوسد فأسه وينام الى الصباح·· مات أبي وورثني هذه الكراهية العمياء للمكان الضيق حتى تسود الدنيا في نظري، وأظل أركض كما لو أن نعرة في أنفي·
وبينما كنت في طريقي الى المطعم لمحت باب البيت مفتوحا على مصراعيه، والرجل فارد قامته متوسدا معطفا قديما والحمار بقربه ساهما يحرك أذنيه ففاجأني قائلا:
- ماذا تريد يا فتى؟·
ثم أخذ يرمي حبات من التمر لترتفع وتسقط في فمه المظلم بلا انحراف، استهوتني طريقته في الأكل·
- هل تريد شيئا يا سيدي؟
أجبت وأنا أتابع حبات التمر وهي ترتفع الى مسافة محددة، ثم تسقط لترتفع الأخرى وهكذا·
- أريد قهوة، قهوة، قهوة يا فتى·
وتناول طستا كبيرا وأفرغ أكياس البن·· وسكب عليها جالونا من الماء ثم رفع كمه، وقام بخلط القهوة وقدمها للحمار الذي عبها بتلذذ، ثم حرك فكيه كاشفا عن أسنانه الكبيرة ثانيا قدميه الأماميتين وبرك·· فرد الرجل قامته على الأرض قرب حماره، وتوسد معطفه القديم ونام·
هطلت الأمطار في الزعفران بغزارة لثلاثة أيام متتالية حتى فاض وادي تلال، وعزل أجزاء القرية عن بعضها البعض، مما اضطر بعض الأهالي الى النزوح الى علاج وقرى أخرى، وصعد بعضهم الى الغابة ونصبوا خيامهم هناك، ولم يأت أحد على ذكر صاحب الحمار·· لكن ما زاد طين حيرتي بلة هو اختفاء صاحب المطعم المفاجئ· سألت من لم يدهمهم الفيضان قالوا لم يرحل ولم يصعد·· وأخيرا خطرت ببالي فكرة أن يكون قد قفل راجعا الى قريته البعيدة ريثما يجف الوادي·
أقفلت المطعم وأمضيت يومي على ضفة الوادي حاملا بندقية الصيد على كتفي ملاحقا أسراب البط البري الذي وفد بكثافة، ولم يكن نصيبي أقل من غيري فقد تمكنت من اصطياد خمس بطات وعددا من الزرازير·
في صباح اليوم التالي استيقظت على صراخ وجلبة كبيرة·· ركضت أسوة ببعض الأهالي باتجاه البيت الذي اكتراه صاحب الحمار حيث تجمع أمامه عدد كبير من الناس·· وكان المزيد منهم يأتون من كل الأنحاء، ما إن وصلت البيت حتى لفحتني رائحة كريهة·· وتشكلت حول عيني طبقة كثيفة من الظلمة، ثم بدأت عيناي تدمعان بلا توقف وحين صرخت:
- إنني لا أرى شيئا·
تلاشت صرختي في صرخة رجل قال:
- ذبحه الرجل الذي كان يسقي حماره القهوة وهرب·
كنت أود رؤية صاحب المطعم وركضت، لكني كنت أعدو في اتجاه آخر، ولا يكاد يتناهى الى سمعي صراخ رجل يصيح:
- بينهما ثأر قديم···!