رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 25 ربيع الأول 1426هـ - 4 مايو 2005
العدد 1676

قصة قصيرة

التصاق..

 

عهود بدر السالم

رن جرس الهاتف·· صوته عكر صفو الأجواء الهادئة·· حبل أفكارها أخذ يلتئم·· امتداداً من الأفق المزين بألوان قوس قزح··· نزلاً كريشة تتهاوى مستسلمة لأنامل الريح تهدهدها، لتقترب من جسد ألقى نفسه بدون اهتمام على الأريكة·

الهاتف ما زال يلح بالرنين لعلها تستجيب، لكنها لم تكترث يوما لصوته الحاد ورنينه المزعج·· صوت آخر يأتي ليكسر من حده الرنين·· باستياء·· "هذي إنتي داىماً تحقرين·· الله يهديك··"·

رمقت أمها بنظرات اللااكتراث·· ربما كانت الابتسامة تتوارى خلف تلك الشفاه الوردية الملونة بأحمر الشفاه خوفاً أو هرباً أو ربما عناداً·· لا أحد يدري··

رفعت الهاتف، فانقطع ذلك الرنين اللامنتهي مادام الطرف الآخر ينتظر رحمة المستمعين دون اكتراث لبكائه·· جاءها صوته متسائلا·· "وينكم؟ ليش ما تردون؟·· المهم، أقول أم جراح ترى الجماعة اليوم بيون والمرة هذي غير، وصي بنتج لا تفشلنا مثل المرة لي طافت"·· "ولا يهمك يا بوجراح، أنت هد أعصابك وما يصير إلا كل خير·· إن شاء الله بتفرح فيها وبتشوف عيال عيالها قول آمين"·· أغلق الهاتف بعد أن زفر زفرة عبرت عن قلق اجتاحه، وأمنية غصت بها الأحرف الأربعة تعبيراً عن الآمين التي هتف بها قلبه قبل أن ينطلق بها لسانه·

صوت مبحوح علته نبرة التوتر مشوب ببعض الحشرجة··· "رهف حبيبتي·· اليوم بيونا ناس، بيت بوغانم صديق أبوك· يايين علشان يخطبونك، ويا يمة أنتي كبرتي والبنت تحتاج للزوج إللي يصونها·· وأبيك هالمرة تبيضين وجوهنا"·· جاء جوابها صارخاً بالرفض معلناً عن نهاية البداية بكلمة لا التي أخذ صداها يرسل موجاته النصف دائرية إلى أرجاء ذلك المكان··

بشيء من التوتر، تركت المكان حزيناً بانقباض قلب أم ينفطر حرقه على شباب ابنة أخذها إفراط الدلع للعناد·· تتمتم "لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم·· الله يهديك يا بنيتي"·· وتكمل طريقها عائدة إلى المطبخ لتكمل ما بدأته من أطباق احتفاء بالضيوف··

في الطابق العلوي·· كانت هي جالسة القرفصاء بأحد زوايا غرفتها، معلقة النظر على تلك الصورة·· حيث الإطار كان يجمعها معاً·· هي وهناء·

بعد أن حكمت على جسدها بأن يستقر في مكانه متربعاً أعلى أرض سراميكية شديدة اللمعان، مستندة إلى حائط شاءت هندسيات التكوين بأن يلتحم طرفاه متعامداً كل منهما على الآخر ·· التصقت به، فشعرت ببرودته تشق طريقها متواصلة كجزىئات الماء المتماسكة··عاليا حيث جلدها الرقيق كاد أن يشتعل حرارة، نزلاً حيث قطنية الملابس السوداء كانت لا تنفك عن امتصاص الحرارة فأشعلتها توتراً·

في البدايات عندما كانتا في الصف الرابع والأول للمرحلة المتوسطة في مدرسة الإخاء المشتركة للبنات، كانت رهف هي الأفضل والأكثر تفوقا وجمالا بين زميلاتها، ملامحها غير العادية كانت صورة خرافية اتضح تفوقها في أعين المتعطشين إلى ارتواء الحسن الذي مل رؤيته عن بعد في الشاشات المتلفزة·· رهف فائقة الجمال، شبت في سن مبكرة، قوامها الرشيق، طولها الفارع وجسدها الرقيق الممتلىء الذي يصرخ سحراً ليعبر عن أنوثة شهية الطعم وطيبة الرائحة يسيل لها لعاب الجياع، وعلى  العكس من ذلك كانت هي هناء·· الفتاة الأكثر كسلا وخمولا وتمرداً في الفصل، بنيتها الضخمة وتصرفاتها الصبيانية جعلت منها محلا للسخرية لدى البعض من قريناتها··

وعلى الرغم من التفاوت الكبير بينهما، إلا أن الحياة تسير وفق فلسفة مربكة تجعل من أصعب الاحتمالات أسهلها حدوثا، حين أصبحتا صديقتين حميمتين مقربتين من بعضهما البعض·· زيارات متكررة·· ساعات لهو ومرح تقضيانها معا في المدرسة، في البيت، أو حتى في نزهة حينما تتشابك أيديهما وتلتصقان ببعضهما البعض وكأنهما ولدتا لتكونا معا أبد الدهر··

لم يستغرب أحد زيارات هناء المتكررة لرهف بعد أن أصبحت الدراسة حجة تسكت أم جراح التي تزادا فخراً كلما انقضت سنة وابنتها الوحيدة في تفوق دراسي مستمر، وقد اعتاد أبو جراح أن يستضيف هناء ليلا ونهاراً حتى بات الأمر عاديا بأن تقضي هناء الأيام والأسابيع دون أن يحتج أحدهم رفضا··

صوت عجلات سيارة ألهبت الأرض قبل أن تسكن ويخيم الهدوء الذي أربكه هدير محرك السيارة "السبورت" التي اعتادت أن تقف كل يوم في مثل هذا الوقت عند منزل أبو جراح·· أصبع وضع كل ثقل يومه على زر جرس المنزل معلنا عن وصول أحدهم··

 فتح الباب·· خطوات سريعة تقتحم أرضيات الرخام، متوجهة إلى درجات السلم المرخمة وصولا إلى الطابق العلوي، حيث الصالة الصغيرة، وإلى اليمين ممر طويل ينتهي بباب زهري علقت عليه صورة لامرأة حسناء تمثل إحدى أميرات القصص الأسطورية التي رسمتها ريشة أحد الفنانين الإيطاليين، كانت هدية من جراح لأخته الصغرى تذكاراً من أخر رحلة قضاها في زيارة لثلاث دول أوروبية·· خلف ذلك الباب، كانت هي جالسة تفكر عندما دخلت الغرفة·· تقدمت نحوها·· تسارعت دقات قلبها فغمرتها بكلمات الحب·· ابتسمت·· قبلتها·· همست مستوضحة "عريس جديد؟"·· أومأت إيجابا··" لا تخافين راح نلقى خطة نطير فيها العريس وأهله"·· ازداد اتساع ابتسامتها·· ضمتها إلى صدرها بقوة بعد أن أحاطتها بكلتا يديها·· رأسها استقر على مكانه فوق صدرها فشعرت بالارتياح·· همست "···" ··· أنفاسها الحارة ألهبتها توهجا فأشعلت فيها رغبة الالتصاق··

أم جراح مستاءة·· الوقت يمر والضيوف على وشك الوصول، أما رهف فلم تجهز بعد·· متوجهة إلى تلك الغرفة ذات الباب الزهري المزين بالصورة الإيطالية أخذت تتمتم "عسى الله يهديدك يا يمة"··· مقبض الباب بدا ملتهبا يعلن عن حرارة الأجواء التي انتهت بعدما وقعت أم جراح على الأرض متأثرة بتلك الصورة الملتهبة لرهف وهناء··

طباعة  

مقال
 
وتد
 
"الفراشة الإلكترونية" في "البيان"
 
"للكتابة لون آخر" صور ثقافية للشافعي
 
ورش فنية بين "التشكيلية" وهيئة الشباب والرياضة
 
ملتقى الشعر العراقي في الكويت